وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

اتفاق إيران المؤقت مع “الطاقة الذرية”.. هذه بنوده والسيناريوهات المترتبة عليه بالأشهر الثلاثة المقبلة

السياسية:

انسحاب إيران من البروتوكول الإضافي للتفتيش على أنشطتها النووية هو الخطوة التي تمثل “الانسحاب الكامل” من الاتفاق النووي، لكن طهران تراجعت في اللحظة الأخيرة، فهل يعني الحل المؤقت مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بداية التفاوض من جديد مع إدارة جو بايدن أم أنه تأجيل لصدام شبه محتوم؟

أمس الأحد 21 فبراير/شباط أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي التوصل إلى “حل مؤقت” يسمح للوكالة بمواصلة عمليات التفتيش في إيران، لكن بشروط تشمل تقليص عمل المفتشين الدوليين اعتباراً من الثلاثاء 23 فبراير/شباط.

ما بنود الاتفاق النووي الخاصة بالتفتيش؟

قبل الدخول في تفاصيل ما أعلنه مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من المهم العودة إلى نقطة البداية فيما يتعلق ببند الصلاحيات الممنوحة للمفتشين الدوليين على أنشطة إيران النووية بموجب الاتفاق النووي الموقع عام 2015 والذي انسحبت منه واشنطن تحت الإدارة السابقة برئاسة دونالد ترامب عام 2018.

شمل ذلك الاتفاق بنداً خاصاً بعمليات التفتيش يسمى البروتوكول الإضافي وهو خاص بالصلاحيات الممنوحة لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يسمح لهؤلاء المفتشين بالدخول في أي وقت ودون سابق إخطار لأي منشأة نووية داخل إيران وهو ما يعرف بعمليات التفتيش المفاجئ.

وبعد أن انسحبت إدارة ترامب من الاتفاق المعروف رسمياً باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة” الذي توصلت إليه إيران وأمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وروسيا والصين، بدأت إيران التخلي التدريجي عن التزاماتها بموجب بنود الاتفاق، فبدأت بزيادة مخزونها من اليورانيوم المخصب ثم زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم من 3.7% بموجب الاتفاق وصولاً إلى 20%، ومؤخراً أنتجت نسبة ضئيلة من معدن اليورانيوم المخصب.

وخلال تلك الفترة كانت أنشطة إيران النووية تخضع للتفتيش من جانب وكالة الطاقة الذرية دون تغيير، بمعنى تطبيق البروتوكول الخاص كاملاً، لكن بعد اغتيال العالم النووي محسن فخري زادة على أيدي عملاء للموساد الإسرائيلي وبضوء أخضر من ترامب- بحسب اتهامات إيران- أصدر البرلمان الإيراني قراراً بوقف العمل بالبروتوكول الخاص بالتفتيش وطرد مفتشي الطاقة الذرية إذا لم ترفع الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن العقوبات وتعود للالتزام بالاتفاق النووي، وحدد القرار يوم 23 فبراير/شباط الجاري موعداً للتنفيذ.

وسمح البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتركيب كاميرات مراقبة متطورة للغاية داخل المنشآت النووية الإيرانية “تجمع وتحلل من خلالها آلاف الصور ومقاطع الفيديو الخاصة بكل ما يجري في تلك المنشآت”، كما وضعت “2000 ختم معتمد على معدات ومواد نووية”، بحسب تقرير لمجلة Politico الأمريكية.

على ماذا ينص الاتفاق المؤقت مع “الطاقة الذرية”؟

وفي هذا السياق، قام غروسي بزيارة عاجلة إلى طهران أجرى خلالها محادثات مع المسؤولين هناك، وهو ما أدى للتوصل إلى ما سماه باتفاق “قابل للحياة” أو “قابل للتطبيق”، مضيفاً أنه “من المجدي جسر هذه الفجوة التي نواجهها الآن، هذا ينقذ الوضع الآن”.

ولم يتطرق غروسي أو الإيرانيون لتفاصيل دقيقة لما تم التوصل إليه، وإن كان مدير وكالة الطاقة الذرية وصفه بأنه “تفاهم تقني” يسمح باستمرار عمليات التفتيش على الأنشطة النووية الإيرانية لمدة ثلاثة أشهر إضافية، لكن لن تكون عمليات التفتيش على حالها بموجب البروتوكول الإضافي، بمعنى أنه قد لا تكون هناك عمليات تفتيش مفاجئة أو حرية الحركة التي يتمتع بها المفتشون حالياً.

ويتناقض هذا الاتفاق المؤقت مع قرار البرلمان الإيراني الصادر في ديسمبر/كانون الأول الماضي ويلزم حكومة طهران بوقف العمل بالبروتوكول الإضافي وطرد مفتشي الوكالة في حال لم ترفع الولايات المتحدة العقوبات المصرفية والنفطية المفروضة، والقانون سيدخل حيز التنفيذ غداً الثلاثاء.

وعلق غروسي بالفعل على هذه النقطة بقوله إن “هذا القانون موجود، وهذا القانون سينفذ، ما يعني أن البروتوكول الإضافي للأسف سوف يُعَلّق”، لافتاً إلى أن هذا “سوف يتم تقييد عملنا، لنواجه هذا الأمر. لكنّنا تمكنا من الإبقاء على الدرجة اللازمة من أعمال المراقبة والتحقق”.

لكن في نفس الوقت لم يقدم غروسي تفاصيل دقيقة بشأن الأنشطة التي لن يكون بإمكان الوكالة الدولية للطاقة الذرية القيام بها، مؤكداً في الوقت نفسه أنه لن يجري تخفيض عدد المفتشين في إيران، وملمحاً إلى استمرار عمليات التفتيش المفاجئة في ظل التفاهم المؤقت، وسيبقى “التفاهم” الجديد خاضعاً لمراجعة مستمرة ويمكن تعليقه في أي وقت.

لكن وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف أشار إلى بعض التفاصيل بقوله أنه من بين الإجراءات الجديدة التي شملها الاتفاق المؤقت “عدم تزويد الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتسجيلات الكاميرات” في المنشآت النووية الإيرانية.

ماذا يعني ذلك لأطراف الاتفاق النووي؟

يرى مراقبون أن هذه الخطوة المؤقتة تمثل نافذة ضيقة أمام إدارة بايدن وطهران وباقي أطراف الاتفاق النووي للتوصل إلى آلية ما للخروج من الطريق المسدود حالياً والمتمثل في إصرار كل طرف على ألا يكون البادئ بالعودة للاتفاق الإيراني، رغم الرغبة المعلنة من الجانبين للعودة للالتزام به، بحسب تقرير لموقع Axios الأمريكي.

هذه المهلة الجديدة تمنح طهران وواشنطن مزيداً من الوقت لمحاولة إيجاد آلية يصفها مراقبون “بالعودة المتزامنة للاتفاق النووي”، وتفسح المجال أمام وساطات دولية سواء من أوروبا أو روسيا والصين أو أي طرف آخر يمكنه التوسط، لكن تظل الأمور أكثر تعقيداً مما كانت عليه أثناء المفاوضات التي سبقت التوصل للاتفاق النووي عام 2015، حسب مراقبين.

وكان بايدن قد أبلغ مؤتمر ميونيخ للأمن أن “تهديد الانتشار النووي لا يزال يتطلّب دبلوماسيّةً وتعاوناً دقيقَين، لهذا السبب قُلنا إنّنا مستعدّون لإعادة الانخراط في مفاوضات مع مجموعة 5+1 بشأن برنامج إيران النووي”.

وهي نفس الرسالة التي عبر عنها جيك سوليفان مستشار بايدن للأمن القومي بقوله لشبكة CNN إن “الطريق الوحيد لضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي هو المسار الدبلوماسي”، لافتاً إلى أن توقف إيران عن التعاون مع مفتشي الطاقة الذرية بالتحديد يمثل خطاً أحمر لإدارة بايدن لا يمكن التغاضي عنه، وطالب إيران باستمرار التعاون مع عمليات التفتيش وفي الوقت نفسه البدء فوراً في حوار بناء بشأن العودة للاتفاق النووي.

وما يعكسه الاتفاق المؤقت بين طهران ووكالة الطاقة الذرية حتى الآن هو أن إيران قد تراجعت بالفعل عن التنفيذ الكلي لقرار البرلمان، أي وقف التعامل وطرد مفتشي وكالة الطاقة الذرية، وهو ما يعني أن باب التوصل لاتفاق لا يزال مفتوحاً، لكن التوصل بالفعل لذلك الاتفاق يظل رهناً بمتغيرات متعددة تشمل موقف الأطراف الإقليمية خصوصاً إسرائيل والسعودية، وليس فقط موقف طهران وواشنطن، فهل يعود بايدن للاتفاق النووي بشكله الحالي وبنوده المتفق عليها عام 2015 أم ينجح في إجبار إيران على إعادة التفاوض بشأن القضايا الأخرى وأهمها البرنامج الصاروخي ودعم أذرعها في المنطقة خصوصاً في العراق ولبنان واليمن؟

ويرى كثير من المراقبين أن الاتفاق المؤقت أو اتفاق اللحظة الأخيرة بين إيران ووكالة الطاقة الذرية ما هو إلا استمرار لاستراتيجية حافة الهاوية التي تتبعها طهران مع الولايات المتحدة فيما يتعلق ببرنامجها النووي، بمعنى التهديد بخطوة تعني الصدام الحتمي والتراجع عنها في اللحظة الأخيرة، فإلى متى تستمر تلك الاستراتيجية؟ وهل تنجح هذه المرة مع إدارة بايدن؟

* المادة الصحفية نقلت حرفيا تعبر عن موقع “عربي بوست”