وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

هل تقاضي واشنطن ابن سلمان على قتل خاشقجي؟

إن الدعوات للعدالة التي تجد صداها في الغرب، والمؤمنين أن العلاقات الأميركية-السعودية في عهد بايدن سوف تشهد تشجناً سوف يخيب ظنهم.

ليلى نقولا *

حبس العالم أنفاسه بانتظار الكشف عن نتائج تقرير المخابرات الأميركية حول مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي، والذي كشف اعتقاد المخابرات “أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وافق على عملية في اسطنبول بتركيا للقبض على الصحافي جمال خاشقجي أو قتله”.

وبالرغم من الإجراءات التي أعلنتها الإدارة الأميركية عن فرض عقوبات وحظر تأشيرات تستهدف سعوديين متورطين في قتل خاشقجي، لكنها لم تفرض أيّ عقوبات – من أي نوع كانت- على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وبالرغم من الإدانات المتتالية التي صدرت في أنحاء العالم، وخاصة من محققة الأمم المتحدة في مقتل خاشقجي، أغنيس كالامار، والتي دعت الولايات المتحدة بأن “لا تمنح الحصانة لولي العهد السعودي، ولأخذ زمام المبادرة لضمان تحقيق العدالة”، إلا أن تحقيق العدالة الذي تطلبه كالامار من الولايات المتحدة من الصعب أن يتحقق للأسباب التالية:

1- في اللجوء إلى القضاء الجنائي الدولي:

بالمبدأ، يختص القضاء الجنائي الدولي (باستثناء المحكمة الخاصة بلبنان التي تنظر في قضية إرهابية) بالتحقيق بجرائم الحرب، وجرائم ضد الانسانية، وجرائم الحرب، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان كالتطهير العرقي وسواها.

وبغض النظر، عن التوصيف القانوني لقضية مقتل خاشقجي (وهناك اجتهادات عدّة في الموضوع)، إلا أن الشروط الموضوعية لإحالة جريمة خاشقجي إلى المحكمة الجنائية الدولية الدائمة في لاهاي غير متوفرة، إذ أن السعودية ليست دولة عضو، ولم تحصل الجريمة على أرض دولة عضو، ومن الصعب صدور قرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع بتحويل القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية بسبب الفيتو والمصالح التي تربط الأعضاء الدائمين – جميعهم- مع المملكة العربية السعودية.

أما تأسيس محكمة دولية خاصة فيحتاج إلى قرار من مجلس الأمن وهو غير متوافر. ويبقى الخيار الأخير المتوافر وهو تأسيس محكمة مختلطة، وهذا مستحيل لأنه يحتاج إلى قرار سيادي سعودي بتشكيلها وإلى توقيع سعودي على اتفاقية مشتركة مع الأمم المتحدة بهذا الخصوص.

2- المقاضاة عبر الولاية القضائية العالمية

وهي آلية تمنح بموجبها بعض الدول محاكمها صلاحية معاقبة من يرتكب جريمة في الخارج ضد أحد مواطنيها، وهو ما يسمى بالاختصاص القائم على أساس “الجنسية السلبية” أو “الشخصية السلبية”؛ وعادة ما يشترط في هذه الحالة أن يكون الفعل المرتكب من الأفعال التي تعتبر من الجرائم في البلد الذي تقع فيه أيضًا، وألا يكون مرتكبه قد عُوقب عليه.

هنا، يمكن لخطيبة خاشقجي أو أحد أفراد عائلته أن يرفع قضية ضد محمد بن سلمان بصفته محرضاً على القتل، أمام قضاء إحدى الدول التي يسمح قضاؤها بذلك، على شرط أن يحمل الشخص المتضرر جنسية تلك الدولة.

لكن الموضوع هذا، وإن كان ممكناً من الناحية القانونية، إلا أنه يرتبط إلى حدٍ بعيد بالإرادة السياسية للدولة التي ترفع الدعوى، أو التي يُطلب منها تسليم الشخص المتهم. علماً أن الحكم الصادر من محكمة العدل الدولية في قضية (الكونغو ضد بلجيكا) في 14 شباط/فبراير 2002 أكد على “ضرورة الإعتداد بحصانات المسؤولين السياسيين في مواجهة الدول الأجنبية ولو بمناسبة الجرائم الدولية المنسوبة إليهم؛ ما دامت دولة جنسية الجاني لم تتنازل عن الحصانة التى كفلتها له وما دامت صفته الرسمية لم تزل بعد”. وهذا يعني أن أي قضية من هذا النوع، لن تتقدم في أي مجال طالما ولي العهد السعودي يتمتع بحصانة دولته.

هذا من الناحية القانونية، أما من الناحية السياسية وبما يختص بالولايات المتحدة الأميركية، فإن عدم قيام إدارة بايدن بفرض عقوبات على ولي العهد السعودي يعيدنا بالذكرى إلى موقف إدارة نيكسون من إعلان السعودية وأوبك الحظر النفطي ووقف إمدادات النفط إلى الولايات المتحدة وأوروبا “لدفع الدول الغربية لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في حرب 1967”.

خلال اجتماع سرّي حصل في 29 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1973، أي بعد أسابيع من إعلان الحظر النفطي، هدد مستشار الأمن القومي الأميركي هنري كيسنجر بـ”إنزال القوات الأميركية في السعودية لتقسم حقول النفط في المنطقة”، معتبراً أنه لا يجب الرضوخ لـ “الابتزاز” السعودي، ومعلقاً بغضب “إنه لأمر مثير للسخرية أن يعاني العالم المتحضر بسبب 8 ملايين متوحش”. (راجع وثائق العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، المجلد السادس والثلاثون، أزمة الطاقة، 1969- 1974، محضر الاجتماع).

لكن، بعد ثلاثة أشهر من ذلك الاجتماع، وحتى قبل رفع الحظر النفطي، كان كيسنجر داخل قصر الملك فيصل، يعد بتقديم مساعدات اقتصادية وتقنية وعسكرية أميركية للسعودية، ويعلن “هدفنا هو العمل مع جلالة الملك لتقوية صداقتنا على المدى الطويل”.

وعليه، يمكن القول إن الدعوات للعدالة التي تجد صداها في الغرب، والمؤمنين أن العلاقات الأميركية-السعودية في عهد بايدن سوف تشهد تشجناً أو أسوأ من ذلك بسبب تورط ابن سلمان في قتل خاشقجي، سوف يخيب ظنهم. إن الأموال ومبيعات الأسلحة والاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الموقع الجغرافي ومحورية الدور السعودي في الخليج، يجعل من السعودية شريكاً أساسياً للأميركيين في استراتيجيتهم في الشرق الأوسط، بغض النظر عن شخصية الحاكم فيها، وستكون مناداة بايدن وإدارته بتحقيق “القيم الأميركية” مجرد ورقة ضغط لأخذ المزيد من المكاسب من السعوديين.

* المصدر : الميادين نت