وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

كيماوي الأسد أمام القضاء.. هل تنجح التحقيقات الجنائية في عقاب رموز النظام السوري؟

السياسية:

بعد نحو سبع سنوات من استخدام نظام بشار الأسد في سوريا أسلحة كيماوية ضد دوما والغوطة الشرقية، تلوح في الأفق بوادر تحقيقات جنائية تستهدف الأسد وأخاه وكبار معاونيه للمرة الأولى، فما القصة؟

ويرجع تاريخ مجزرة الكيماوي في سوريا إلى أغسطس/آب 2013، حين تم استهداف الغوطة ومناطق أخرى قرب العاصمة السورية دمشق بصواريخ تحمل غازات سامة أودت بحياة مئات السوريين المدنيين وهزت العالم وقتها، إذ نشرت مئات الصور ومقاطع الفيديو تظهر آثار المجزرة.

ووسط إنكار النظام السوري لوقوع هجمات كيماوية ثم إلقاء اللوم على المعارضة ونشر تقارير استخباراتية غربية وأمريكية تؤكد أن قوات النظام هي من ارتكبت تلك المجزرة، فشلت الجهود الدولية في إصدار قرارات أممية بشأن تلك الجريمة التي تعتبر جريمة حرب وإبادة جماعية، وذلك بسبب الفيتو الروسي والصيني الداعم لنظام الأسد.

والآن بعد أن انتصر النظام المدعوم من روسيا وإيران واستعاد سيطرته على أغلب الأراضي السورية، بدا واضحاً أنه قد أفلت من العقاب فيما يتعلق باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد السوريين، فماذا حدث ليعيد الأمل في تحقيق العدالة بشأن ما حدث؟

سنوات على مجزرة الكيماوي السوري

وعلى مدار السنوات الماضية، عمل خبراء في الأسلحة الكيماوية على جمع معلومات توثق استخدام النظام السوري لأسلحة كيماوية محظورة ضد شعبه، وهي جريمة حرب مرّت حتى الآن دون عقاب وعادةً ما ينكرها رئيس النظام السوري بشار الأسد بنوعٍ من الاستهزاء.

والآن قد تبدأ قريباً التحقيقات الجنائية الأولى التي تستهدف مباشرة بشار الأسد وزمرته بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية ضد الشعب السوري، ففي خطوة كبيرة لمحاسبة الأسد ودائرته المقربة على بعض من أسوأ الفظائع التي ارتُكبت في الصراع السوري المستمر منذ عقد من الزمان، أعلنت ثلاث منظمات حقوقية دولية، أنها قدّمت شكوى أمام وحدة جرائم الحرب الخاصة في قصر العدل الفرنسي، بشأن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب مرتبطة بهجمات كيميائية في سوريا عام 2013، قالوا إن نظام بشار الأسد ارتكبها بحق المدنيين.

هذه الشكوى قدمها، الإثنين 1 مارس/آذار 2021، كل من “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، و”أوبن سوساييتي جاستيس إنيشتف”، و”الأرشيف السوري”، من أجل التحقيق في هجمات غاز السارين التي وقعت في أغسطس/آب 2013، في مدينة دوما والغوطة الشرقية قرب دمشق، بحسب تقرير لصحيفة The New York Times الأمريكية.

صورة من انفجار سابق في سوريا / مواقع التواصل الاجتماعي

وتطلب الشكوى، التي قال المحامون إن القضاة سيقبلونها على الأرجح، إجراء تحقيق جنائي مع بشار الأسد وشقيقه ماهر ومجموعة من كبار المستشارين والمسؤولين العسكريين الذين يشكلون التسلسل القيادي المتورط في تلك الهجمات.

وكانت المنظمات غير الحكومية الثلاث قد تقدمت بشكوى في أكتوبر/تشرين الأول 2020 إلى مكتب المدعي العام الفيدرالي الألماني، للتحقيق في هجمات عام 2013، التي كانت تتعلق أيضاً بهجوم بغاز السارين، في أبريل/نيسان 2017، في خان شيخون، بين دمشق وحلب.

تعقد موقف بشار الأسد

من جهة أخرى، فإن التحقيقات الجنائية والشروع في قضايا من هذا النوع في فرنسا وألمانيا يكفي وحده، بعيداً عن كل الجرائم الأخرى، إلى تعقيد الأمور في مستقبل الأسد، الذي خرج منتصراً بدرجة كبيرة في الحرب السورية، لكن بوضع منبوذ ونظام ممنوع عنه المساعدات الدولية التي لا غنى عنها لإعادة إعمار البلاد.

والشاهد من ذلك أنه في حال وُجهت إلى الأسد والقيادات في دائرته المقربة اتهامات في جرائم حرب أمام المحاكم الأوروبية، حتى وإن كانوا يعتبرون مثل هذه الإجراءات غير شرعية، فإن ذلك سيجعل الحصول على مساعدات أمراً أصعب بكثير، كما أنها تجعل عودة ملايين السوريين الذين فرّوا إلى أوروبا وأماكن أخرى إلى ديارهم أمراً مستبعداً.

من جانبه، ستيف كوستاس، كبير محامي مجموعة المنظمات التي قدمت الشكاوى في فرنسا للصحيفة الأمريكية، إنها تتركز على الهجمات التي وقعت في أغسطس/آب 2013 في مدينة دوما والغوطة الشرقية بالقرب من دمشق، وهي هجمات منظمة قالت الولايات المتحدة إنه قد قُتل فيها أكثر من 1400 شخص، ما يجعلها أشد هجمات الأسلحة الكيماوية فتكاً في العالم خلال هذا القرن.

وقد وثّق الخبراء أكثر من 300 هجوم بالأسلحة الكيماوية في سوريا، وشمل التوثيق صوراً ومقاطع فيديو للضحايا من بالغين وأطفال، وهم يعانون التشنجات وصعوبة التنفس التي يتبعها غالباً الموت اختناقاً. ونُشر كثير من هذه الصور ومقاطع الفيديو التي صدمت العالم وأثارت فزعه، ومع ذلك، فحتى الآن، لم يُحاسب أحد على تلك الجرائم البشعة.

يقول كوستاس، أحد أبرز المحامين المشاركين في طلب التحقيق: “نريد من الفرنسيين إجراء تحقيق مستقل، ثم إصدار أوامر اعتقال بحق أولئك الذين يتحملون المسؤولية عن هذه الجرائم ضد المدنيين”، وأضاف: “نعلم أن الجناة رفيعي المستوى لن يُعتقلوا قريباً. لكن بناء هذه القضايا يجب أن يبدأ الآن لضمان الملاحقات القضائية لهم في المستقبل”.

وتقول المنظمات التي تقدمت بالشكاوى إن قوائم الشهود الذين يمكن إحضارهم لا تقتصر على ناجين من الهجمات فحسب، بل تضم أيضاً أعضاء سابقين في النظام السوري ولهم صلة باستخدام الأسلحة الكيماوية أو على دراية بتفاصيل استخدامها.

معلومات جديدة بشأن كيماوي الأسد

من جهة أخرى، تأتي تلك الدعوات وسط تكهنات بشأن تحركات بعض الدول لإعادة علاقاتها الوثيقة مع دمشق، وهو اعتراف غير رسمي بأن الأسد لم يسقط، كما أن هناك مناقشات بشأن التخطيط لمرحلة إعادة الإعمار، وهي مرحلة من شأنها أن تشهد تعاقدات كبرى مهمة وفتح الباب أمام عودة اللاجئين.

ومع ذلك، فإن الدول الغربية، حتى تلك التي استقبلت أعداداً كبيرة من اللاجئين، وإن كانت تشدد على أنها لن تسمح بأن يكون الإفلات من العقاب خياراً ضمن أي اتفاق سلام أو تطبيع مع النظام السوري في المستقبل، فإنها حتى الآن لم تتخذ سوى خطوات محدودة فيما يتعلق بمحاسبة كبار المسؤولين السوريين المشاركين في الجرائم.

كما أن روسيا والصين قد عملتا على قطع الطريق أمام أي محاولة للمحاسبة على الفظائع السورية أمام المحكمة الجنائية الدولية باستخدامهم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو المخول بمنح المحكمة الاختصاص القضائي في تلك القضايا.

من ثم، وفي ظل عدم وجود أي محكمة دولية تمتلك الاختصاص القضائي فيما يتعلق بجرائم النظام على الأراضي السورية، بدأت تحركات الضحايا أنفسهم على مستويات عدة منذ بعض الوقت. وهي الجهود التي جعلت عدداً من الدول، منها ألمانيا والسويد وفرنسا، تلاحق أو تدين بالفعل متهمين عثرت عليهم بين اللاجئين السوريين في أوروبا.

وكان معظم هؤلاء أعضاء من ذوي الرتب المتدنية في تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) أو قوات الأمن السورية، وهم متهمون بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.

لكن الجديد في الشكوى المقدمة في باريس، والأخرى التي تقدمت بها مجموعة المنظمات نفسها في ألمانيا، أنها تستهدف لأول مرة الطبقة العليا في النظام السوري بشأن قضية الأسلحة الكيماوية، سواء فيما يتعلق بالهجمات السابقة أو ما تسميه الشكاوى بالبرنامج الكيماوي السري للنظام وما شارك فيه من جرائم ارتكبت انتهاكات صارخة بحق المدنيين والقانون الدولي.

ومرجع هذه القضايا أن كلاً من فرنسا وألمانيا تقبلان نوعاً من أنواع الولاية القضائية العالمية، التي تمنح المحاكم الوطنية في البلدين سلطة محاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم حقوق الإنسان الكبرى في أي مكان.

وأشار كوستاس أيضاً إلى أن القانون الفرنسي بشأن المسؤولية القانونية للشركات يمكن أن يوفر كذلك المستند القانوني لتقديم أدلة بخصوص الشركات التي أمدّت النظام السوري بالمواد الكيميائية والمعدات لترسانتها من الأسلحة الكيماوية المحظورة.

يذكر أن الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيمائية كانت قد أجرت تحقيقات بعد هجوم 2013 الكيماوي في سوريا، لكن الأدلة التي جمعوها لم تؤد إلى أي مساءلة ولم تحدد أي جناة بالاسم.

أمَّا الآن، فيقول كوستاس إن طلبهم بإجراء تحقيق جنائي يستند في جزء منه إلى دراسة مكثفة لمدة عامين لبرنامج الأسلحة الكيماوية في سوريا وبدرجة تتجاوز ما قامت به المنظمات الدولية المعنية الأخرى. وأشار إلى أن الدراسة اعتمدت على مصادر متعددة، من شهادات معارضين ومطلعين سابقين وموظفين ومهندسين وأشخاص لهم ارتباط مباشر بالبرنامج أو لديهم معرفة بتفاصيل بشأنه.

وتعليقاً على ذلك، يقول غريغوري كوبلنتز، الخبير في الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والأستاذ في جامعة جورج ميسون، الذي راجع الدراسة، إنها، وإن كانت تستند في كثير من المعلومات إلى مواد مفتوحة المصدر، “فإنها تلقي الضوء على معلومات جديدة مستمدة من منشقين ومطلعين” على البرنامج الكيماوي للنظام السوري.

كما وصف كوبلنتز الدراسة بأنها “الرواية الأشمل والأكثر تفصيلاً للمتاح من معلومات عن برنامج الأسلحة السوري خارج أجهزة الاستخبارات. وهي تحدد تفاصيل جديدة عن سلسلة القيادة وتبيّن مدى تعقيد هذا البرنامج. كما أنها تعيّن أسماء بعينها”.

ويقول توبياس شنايدر، وهو باحث في المعهد العالمي للسياسات العامة (GPPI) في برلين، إن الدراسة حققت في 349 هجوماً شنه النظام السوري خلال العقد الماضي، وهو رقم “أكبر بكثير مما كان معروفاً في العموم”. وذلك في حين أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لم تحقق إلا في 39 هجوماً فقط بسبب ما وصفته المنظمة بنقص الموارد.
عربي بوست