وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

“الجرتق” عادة لا يستغني عنها السودانيون؟

تنتشر في الأعراس والجدة هي المسؤولة عنها

 

إسراء الشاهر

يرتبط المجتمع السوداني بالريف وعاداته وتقاليده. ومن تلك العادات، تبرز عادة “الجرتق” التي بدأت في وسط البلاد وشمالها قبل وقت، وأصبحت من أهم عادات الزواج بعد أن زحفت في هدوء نحو العاصمة الخرطوم.

وهي عادة ذات خصوصية لكونها تقتصر على أهل العروس والعريس المقربين فحسب. وحتى الآن، لا توجد مناسبة عرس تخلو من “الجرتق”، بل هناك أشخاص يستغنون عن الزفاف ويقيمون “الجرتق” فقط.

“الجرتق” في العاصمة

بعد أن تلبس العروس الفستان الأبيض، يأتي العريس ويأخذها بالسيارة إلى صالة الفرح، وتبدأ الحفلة الصاخبة وتستمر لساعة كتقليد حديث طرأ على المجتمع بعد انفتاحه على العالم. وفي اللحظات الأخيرة من الحفل، يبدأ مسؤولو القاعة تغيير الديكور إلى اللون الأحمر تماشياً مع ثوب العروس الذي ترتديه بعد خلع الأبيض، ومع جلابية العريس التي تُسمّى “السُرتي” البيضاء تتخللها نقوش حمراء.

تدخل العروس وهي تغطي وجهها بالـ “القرمصيص”، وهذه قطعة قماش ذات ألوان زاهية، لتبدأ بعد ذلك مراسم “الجرتق”. وعادة ما يتم إحياء الحفل بأغنيات حماسية وتراثية خاصة باستخدام “الدلوكة”، وهي آلة إيقاعية، وكل ذلك، تعقبه طقوس خاصة عدة.

ومن أكثر الطقوس لفتاً للأنظار رشّ اللبن، الذي لا تخلو “جرتق” سودانية منه، ويعتبر طقساً أساسياً بعد وضع “الضريرة”، وهي “ريحة جافة”، تُصنع بواسطة الحبوب بطريقة خاصة تُمسح على رأسي العريس والعروس. ويرشف العريس جزءاً بسيطاً من اللبن الموجود في إناء على الطاولة، ويرشه على العروس التي تقوم بإخفاء وجهها، ثم تفعل هي الأمر ذاته، ومن يصيب الآخر باللبن في وجهه، فهو الفائز، لترتفع الزغاريد تحية له.

فأل جيد

تروي الحاجة فاطمة القاضي، من منطقة “الكِتيّاب”، المعروفة بخبرتها في “الجرتق”، “في الماضي، كنا نجهز الصندل والمحلب والسبح، ويتم وضع اللبن في كباية وربط الحريرة في أيدي العروسين، والقيام بطقوس محددة لجلب الحظ والفأل الحسن لهما، وحالياً لم يتغير شيء في عادة الجرتق وهي مستمرة منذ جداتنا ولا أظنها ستندثر”.

وارتبطت العادة بجلب الفأل الحسن وحماية العروسين من الحسد، وليس ذلك فحسب، فهناك من يعتقد أنها تجلب الثروة والحظ والإنجاب. لذلك، هي عادة لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصاً من جانب كبار السن في الأسرة.

وتقول الحاجة خالدة السر إن “عادة الجرتق ليست خرافة كما يظن البعض، بل هي من العادات الأصيلة التي تبعد الحسد، ليس بسبب طقوسها بل لأن العروسين يتلقّيان دعوات صادقة بالسعادة والهناء”.

“الجرتق” في زواج الأجانب

ولا تقتصر إقامة طقوس “الجرتق” على السودانيين، بل شهدت مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات لأجانب أقاموا أعراسهم على هذه الطريقة، وأحيوا “الجرتق”، وبعض هذه الزيجات كان أحد أطرافها سودانياً، وهناك زيجات أخرى كان الزوجان أجنبيين يقيمان في البلاد، إذ تلبس العروس الثوب السوداني والعريس جلابية “السُرتي”، مع تنفيذ الطقوس ومنها الجلوس في “العنقريب”، وهو سرير مصنوع من الخشب يُغطى بملاءة حمراء وجريد النخل. وهذا يدل على أن هناك اهتماماً عالمياً بعادة “الجرتق” اللافتة للأنظار.

ترابط

وتعتقد المتخصصة النفسية عفاف إبراهيم حامد أن “الجرتق تُقام حالياً كمظهر اجتماعي، وتفاصيلها الجميلة تجعل الناس تتمسك بها، وفي الفترة الماضية تطورت وتوسعت لدرجة أصبح البعض يخصص يوماً كاملاً لإقامتها”، وتضيف، “اللون الأحمر الذي يشكّل تفاصيل الجرتق يجعل منها طقساً جميلاً، لأن في اللون الأحمر طاقة عالية، وهو في علم النفس لون يفتح الشهية. في الماضي، كان الإيمان بعادات الجرتق كبيراً، ولكن الآن تُقام كعادة اجتماعية جميلة ستستمر لسنوات لأنها تميزنا كسودانيين، وتزيد من الترابط الحميمي بين الحضور كون الجدة هي المسؤولة الرئيسة عن سير الطقوس”.