وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

أمير حرب وجنرال وشيوعي سابق يتنافسون على قيادة السودان، فهل يستطيعون تحويله إلى الديمقراطية؟

السياسية:

أمير حرب وجنرال وشيوعي سابق يتنافسون على قيادة السودان، فهل يستطيعون تحويله إلى الديمقراطية؟

لص إبل سابق تحول إلى أمير حرب بات الآن أقوى رجل في السودان، حيث يسكن منزلاً فخماً، وآخر كان أحد أنصار النظام السابق مسؤولٌ الآن عن تفكيكه، إضافة إلى اقتصاديّ يدافع عن السوق الحرة كان في الماضي شيوعياً.

هؤلاء رفقاء يُستبعَد اجتماعهم معاً في أي مكان، لكنَّهم مُكلَّفون بمهمة بناء الديمقراطية في السودان، حسبما ورد في تقرير لمجلة The Economist البريطانية.

فبعد عامين تقريباً من الإطاحة بطاغية إسلاموي قاس، هو عمر البشير، من المفترض أن يرعى هؤلاء الثلاثة البلاد وصولاً إلى الانتخابات في 2024. 

نموذج السودان الفريد

يبتسم عبدالله حمدوك، رئيس الوزراء الذي عيَّنه قادة الاحتجاجات في 2019، ويقول: “نُسمِّي هذا بالنموذج السوداني. نموذج شراكة بين المدنيين والعسكريين يهدف، للمفارقة، لتحقيق الديمقراطية”.

برز هذا النموذج من اتفاق لتقاسم السلطة في 2019 كإحدى نتائج التوافق بين قادة المحتجين الذين خرجوا إلى الشوارع قبل ذلك بثمانية أشهر، والجنرالات الذين أطاحوا بالبشير حين بات جلياً أنَّه سيسقط. 

يأتي في القمة عبدالفتاح البرهان، الرئيس الفعلي للسودان ورئيس مجلس السيادة، وهو هيئة عسكرية ومدنية تشرف على حكومة حمدوك المدنية في معظمها. والبرهان هو جنرال برز في عهد البشير.

تحته يوجد أمير حرب صحراوي، محمد حمدان دقلو (المعروف باسم “حميدتي”). وهو يترأس “قوات الدعم السريع”، وهي وحدة شبه عسكرية انبثقت عن الجنجويد، الذين هم بدورهم ميليشيات تشتهر باغتصاب وقتل المدنيين في إقليم دارفور، حسب تقرير مجلة The Economis.

وبرز دقلو، الذي يتولى الآن نائب منصب رئيس مجلس السيادة، في السلطة من خلال قسوته تجاه المتمردين السودانيين. وهو الآن يتنافس على الصدارة في صراعٍ قد يحدد ما إن كانت ثالث محاولات السودان للتحول نحو الديمقراطية منذ الاستقلال عن بريطانيا عام 1956 ستؤول إلى الفشل أم لا.

نجاحات في السياسة الخارجية

يقول كلٌّ منهم لمجلة The Economist البريطانية إنَّ روح الوحدة لم تخفت. فيقول البرهان: “كل مكونات المرحلة الانتقالية تعمل معاً بانسجام”. 

وكدليل على ذلك، يشير إلى: اتفاق سلام وُقِّع مع المتمردين المسلحين، وإلغاء القوانين القمعية، مثل القانون الذي يمنع النساء من ارتداء ملابس غير محتشمة.

يسلط البرهان كذلك الضوء على استعادة العلاقات الكاملة مع أمريكا وإسرائيل، وهو ما دفع أمريكا لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وقد مهَّد هذا الطريق أمام السودان لتخفيف أعباء 56 مليار دولار من ديونه. ويضيف الجنرال: “انتهت الآن عزلتنا الدولية التي استمرت أكثر من 30 عاماً”.

خلافات مكتومة

لكن هناك توتراً عميقاً خلف واجهة المودة الصادقة هذه. 

إذ يحذر حمدوك، الذي تحدث بصراحة أكثر من زميليه، من “أزمة سياسية” تنبع من ثلاث تحديات يمكن أن تعرقل المرحلة الانتقالية. الأول هو الانقسام بين القادة المدنيين. 

ويوضح حمدوك: “ربما كان هذا هو أوسع تحالف تشهده البلاد منذ عقود. وقد نجح في الإطاحة بالديكتاتورية. لكن بدأنا بعد ذلك على الفور نرى تصدعات وانقسامات”. وقد انسحب العديد من أعضائه من التحالف وعادوا إلى الشوارع. وأولئك المتبقون يتنازعون على الوظائف والحقائب الحكومية. ويلوم المنتقدون أسلوب حكم حمدوك المتحفظ والخجول على الفشل في الحفاظ على الوحدة.

جيش وميليشيات

ويجعل الانقسام من الصعب على المدنيين التعامل مع التحدي الثاني لرئيس الوزراء: كبح الجيش. يقول حمدوك إنَّه أجرى “مباحثات صريحة جداً” مع الجنرالات في وقتٍ مبكر بشأن السلطة المفرطة للجيش على الاقتصاد. 

ويقول الجنرال البرهان إنَّ ذلك انتهى، لكن يصعب تصديق ذلك. فالعديد من الشركات التي كانت تعود عادةً لملكية عائلة البشير، على سبيل المثال، باتت الآن تعود إلى الجيش، حسب التقرير.

في غضون ذلك، برز البرهان باعتباره الأكثر قوة وفاعلية بين الثلاثة. فقد فرض نفسه في السياسة الخارجية، وهي مهمة حمدوك. كما أظهر أوراق الاعتماد القومية للجيش باستعادته السيطرة على مناطق متنازع عليها على الحدود مع إثيوبيا.

لكنَّ حزم البرهان ربما فاقم المشكلة الثالثة التي حددها حمدوك: التشظي داخل القوات المسلحة، والتنافس بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية. أنشأ البشير قوات الدعم السريع لتكون ثقلاً موازناً للجيش وجهاز المخابرات، وتملك هذه القوات هيكلها القيادي وتمويلها الخاص. 

ومن المفترض أن يدمج دقلو قواته في الجيش كجزء من اتفاق تقاسم السلطة، وهو ما سيعني التنازل عن بعض قوته. يقول البرهان إنَّ الأمر سيتم “في الوقت المناسب”، في حين يُصِرُّ دقلو على أنَّه تم بالفعل.

الطرفان يحصنان مقراتهما 

لكنَّ هذا التناغم الظاهري قد يختفي سريعاً. ففي يونيو/حزيران، بدأت قوات الدعم السريع والجيش تحصين مقراتهما في الخرطوم بأكياس الرمل. يقول شداد حامد معوض، وهو أكاديمي بجامعة الخرطوم: “بلغ الأمر مرحلة كان يمكن أن يقتلوا فيها بعضهم البعض في الشوارع”. 

وسبق أن قال حميدتي في حفل تأبيني لجندي في الخرطوم: “الحديث عن دمج قوات الدعم السريع في الجيش يمكن أن يؤدي إلى تفتيت البلاد”.

لكنَّ المباحثات بين البرهان ودقلو هدَّأت التوتر منذ ذلك الحين. ويُقدِّر البعض أنَّ البرهان وافق على تأجيل الاندماج إلى أجل غير مسمى، لكنَّ ذلك سيضعه في خلاف مع حمدوك، الذي يرى أنَّ السودان يجب أن “يملك جيشاً وطنياً”.

لكن تظل هناك تساؤلات كبيرة بشأن دقلو، فالبعض يشك بأنَّ لديه طموحات رئاسية. (قال لمجلة The Economist أثناء تناول إفطار فاخر في منزله إنَّه يتلقى دروساً في اللغتين الإنجليزية والفرنسية). 

حميدتي فقد أهميته للسعودية والإمارات، وها هو يحذر من الإسلاميين

لكنَّ موقف حميدتي يبدو متزعزعاً بعض الشيء. فالسعودية والإمارات، اللتان اعتادتا الدفع للآلاف من جنوده للقتال في اليمن، لم يعد لديهما مصلحة كبيرة معه. وقد حرمته وفاة الرئيس التشادي، إدريس ديبي، من حليف إقليمي آخر. وتشير زيارتاه الأخيرتان إلى كلٍّ من قطر وتركيا إلى أنَّه يسعى للحصول على أصدقاء جدد.

ويحذر دقلو من “انقلاب” من جانب أناس على صلة بالنظام القديم، ربما في إشارة على القلق. ويشير جان بابتيست غالوبين، وهو باحث فرنسي، إلى أنَّه مع أنَّ ذلك مستبعد، فمن الممكن أن يتحالف الإسلاميون من حزب البشير السابق مع فصائل في الجيش للإطاحة بدقلو. وقد يشتعل هذا القتال في مختلف أنحاء السودان. لكنَّ مراقبين آخرين يعتقدون أنَّ دقلو نفسه سيُشكِّل تهديداً أكبر للمرحلة الانتقالية إذا ما خشي على مصالحه الاقتصادية، أو على حريته. 

جثث مذبحة القيادة العامة لم تدفن بعد 

فقد يشير تحقيق يجري في مذبحة أودت بحياة 100 من المحتجين في 2019 بأصابع الاتهام إلى المسلحين التابعين لحميدتي.

ووقعت المذبحة بعد عزل الرئيس السوداني السابق عمر البشير، عندما اقتحم مئات الأفراد بزي عسكري ساحة الاعتصام في محيط قيادة الجيش بالخرطوم، وعدداً من الولايات في الثالث من يونيو/حزيران 2019، مما أوقع مئات القتلى والجرحى والمفقودين، وهي الأحداث التي وُصفت بالمجزرة وهزت الشارع السوداني.

وبعد عامين، ما زالت جثث ضحايا مذبحة القيادة العامة راقدة في غياهب النسيان بإحدى مشارح العاصمة السودانية، حسب تقرير The New York Times.

وفشلت لجنة التحقيق الرسمية في تسمية مرتكبي مجزرة القيادة العامة للجيش السوداني، حيث يسود اعتقاد بأن النظام الجديد يحاول قمع الأدلة التي يمكن أن تتيح المساءلة التي يتوقون إليها للقصاص من قتلة أحبائهم.

تقدم النائب العام السوداني السابق، تاج السر الحبر، باستقالته في مايو/أيار، قائلاً إنه يبدو أن فصائل داخل قوات الأمن تتعمد حجب الأدلة عن مكتبه المسؤول عن التحقيق في جرائم القتل التي وقعت.

على الرغم من إحراز بعض التقدم، قال خبراء بالطب الشرعي مشاركون في التحقيق إن الأوامر الموجهة إليهم كانت العمل على تعطيل اللجنة المكلفة بالتحقيق في إطلاق النار. واطلعت صحيفة The New York Post على رسالة عرضها خبيران في الطب الشرعي يعملان داخل وزارة الصحة، التي تأمرهما فيها بعدم التحدث إلى وسائل الإعلام. وقالوا إن اللجنة أمرتهم أيضاً بعدم إجراء تشريح للجثث في المشرحة.

يدق حمدوك ناقوس الخطر منذ بعض الوقت؛ إذ حذَّر في يونيو/حزيران من الحرب الأهلية في حال لم تتحد الفصائل المسلحة في جيش واحد. وقد حدد مهلة لتشكيل مجلس تشريعي يتولى المدنيون المسؤولية فيه، ودعا لمؤتمر دستوري من أجل توضيح مكان الجيش في السياسة. ويقول: “كان الجيش مسيطراً علينا طوال السنوات منذ الاستقلال وحتى اليوم”. وأمام المدنيين فرصة لتغيير هذا. لكنَّها فرصة خاطفة.

عربي بوست