وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

ربيع تونس يتحول إلى شتاء قارس

السياسية – تقرير: محمد الطوقي

انتقلت تونس منذ انتفاضة 2011 التي شهدت الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي” من أزمة إلى أخرى، فيما تشهد البلاد حاليا أسوأ أزمة لها منذ الربيع العربي قبل عشر سنوات، حيث أقال الرئيس التونسي قيس سعيد رئيس الوزراء هشام المشيشي وجمد البرلمان.

وتأتي التطورات الأخيرة في تونس بعد شهور من الجمود والخلافات بين الرئيس قيس سعيد، وهو سياسي مستقل، ورئيس الوزراء، وبرلمان منقسم في الوقت الذي تغرق فيه تونس بشكل أعمق في أزمة اقتصادية فاقمها وباء فيروس كورونا.

وفي هذا السياق، أصدر الرئيس قيس سعيد أمرا رئاسيا يقضي بفرض حظر تجوال اعتبارا من يوم أمس الاثنين 26 يوليو، ولمدة شهر.

وأعلنت الرئاسة التونسية على حسابها على تويتر: “منع جولان الأشخاص والعربات بكامل تراب الجمهورية من الساعة السابعة مساء إلى الساعة السادسة صباحا وذلك ابتداء من الاثنين 26 يوليو إلى غاية يوم الجمعة 27 أغسطس باستثناء الحالات الصحية العاجلة وأصحاب العمل الليلي”.

ويمنع بمقتضى هذا الأمر الرئاسي تنقل الأشخاص والعربات بين المدن خارج أوقات منع التجول إلا لقضاء حاجياتهم الأساسية أو لأسباب صحية مستعجلة، كما يُمنع كل تجمّع يفوق ثلاثة أشخاص بالطريق العام وبالساحات العامة.

كما أصدر سعيّد أمرا رئاسيا يقضي بتعطيل العمل بالإدارات المركزية والمصالح الخارجية والجمعيات المحلية والمؤسسات الحكومية ذات الصبغة الإدارية لمدة يومين بداية من الثلاثاء، مع إمكانية التمديد لذلك على أن يتم الإعلان عنه في وقت لاحق.

ويُستثنى من هذا الأمر الرئاسي أفراد قوات الأمن الداخلي والعسكريون وموظفو الجمارك والأفراد العاملون بالهياكل والمؤسسات الصحية العمومية والعاملون بمؤسسات التربية والطفولة والتعليم العالي.

يأتي ذلك في أعقاب إصدار سعيد مرسوما رئاسيا بإقالة عدد من أعضاء الحكومة الرئيسيين، بحسب ما ذكرته صفحة الرئاسة على فيسبوك.

وأقال سعيد رئيس الوزراء هشام المشيشي من منصب وزير الداخلية بالوكالة، كما أقال وزير الدفاع إبراهيم برطاجي.

وأقال الرئيس أيضا حسناء بن سليمان، الوزيرة المكلفة بالخدمة العامة والحوكمة لدى رئيس الوزراء، التي تتولى أيضا منصب وزيرة العدل بالوكالة.

وكلف كبار الموظفين العموميين في الإدارات المعنية بإدارتها حتى تعيين رئيس وزراء جديد وتشكيل حكومة جديدة، بحسب بيان الرئيس.

وأعلن سعيد عن مجموعة من الإجراءات الاستثنائية وقال إنه سيتولى السلطة التنفيذية، ويعين رئيسا للوزراء لمساعدته.

ووصف حزب النهضة الإسلامي، الأكبر في البرلمان خطوة سعيد بأنها “انقلاب”.

وقال سعيد إنه تصرف “ضمن حقوقه لإنقاذ تونس”، لكن رئيس البرلمان وزعيم أكبر حزب في المجلس التشريعي اتهمه بالقيام بانقلاب.

وشجب رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة الإسلامي الذي أدى دورا في الائتلافات المتعاقبة، قرارات سعيد باعتبارها اعتداء على الديمقراطية، ودعا التونسيين إلى النزول إلى الشوارع لرفض القرارات.

واندلعت اشتباكات في الشوارع الاثنين خارج البرلمان التونسي الذي جمده لمدة 30 يوما، ويحصنه الجيش.

وحاصر جنود في وقت مبكر من الاثنين المجلس في تونس بينما ألقى أنصار الرئيس في الخارج الحجارة والزجاجات والشتائم على أنصار النهضة الذين منع زعيمهم من الدخول إلى المجلس.

وأعلن سعيد الأحد أنه “اتخذ القرارات اللازمة لإنقاذ تونس والدولة والشعب التونسي”.

وحذر الرئيس، الذي يسيطر بموجب الدستور على القوات المسلحة خصومه من حمل السلاح، مهددا بأنه إذا أطلق أحد “رصاصة واحدة ، فإن قواتنا سترد بأمطار الرصاص”.

وحثت منظمة العفو الدولية الرئيس التونسي على “الالتزام العلني باحترام وحماية حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي”.

وفي السياق، سلطت الصحف العالمية الضوء على الأزمة التونسية بعد أن اتخذ الرئيس التونسي قيس سعيّد قرارات شملت تجميد عمل البرلمان وتجريد النواب من الحصانة وإقالة رئيس الوزراء.

ونشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية مقالا افتتاحيا بعنوان: “وجهة نظر الغارديان حول الانقلاب في تونس: ربيع يتحول إلى شتاء”.

وأشارت الصحيفة إلى أن تونس “كانت الدولة العربية الأولى التي أطاحت بديكتاتورها في عام 2011، وكانت الوحيدة التي بقيت فيها ديمقراطية حقيقية”.

لكن الأحداث الأخيرة، في رأي الصحيفة، تشير إلى أن تونس تشهد “ثورة مضادة”، معتبرة أن “اقتحام قوات الأمن لمحطات التليفزيون ليس بعلامة جيدة على الإطلاق”.

وأضافت “لقد تحول دفء الربيع العربي بالتأكيد إلى برد الشتاء”. واعتبرت أنه “من الصعب الاختلاف مع وصف حزب النهضة بأن ما جرى انقلاب”.

ورأت أن “ما تحتاجه تونس هو أن يتبنى السياسيون وجهة نظر أكثر واقعية حول المكان الذي يجب أن تذهب إليه البلاد. فالعودة إلى الاستبداد لن تضمن استقرار النظام”.

وأضافت أن “الرئيس سعيّد تحدى الدستور لتعليق البرلمان. وتشير عدم قدرته على العمل مع رئيس وزراء اختاره إلى أنه غير مناسب لنظام حكم معقد. كما أن مدحه للديكتاتورية العسكرية المصرية لا يساعد كثيراً لبث الثقة”، وفقا لما جاء في المقال.

وختمت الصحيفة المقال الافتتاحي بالقول: “هناك أزمة في تونس. سيتم نزع فتيلها من خلال رؤية حالة الطوارئ على حقيقتها ومعالجة أسبابها – وليس من خلال الإصرار على الحجج المناهضة للديمقراطية التي تجاوزت تاريخ انتهاء صلاحيتها”.

أما صحيفة “الاندبندنت” فقد نشرت عبر موقعها الإلكتروني مقالا تحليليا لمراسلتها في الشرق الأوسط بيل ترو حول القضية نفسها.

وقالت ترو إنه “لطالما جرى الإشارة إلى تونس باعتبارها النجاح الوحيد لما يسمى بالربيع العربي 2011، لكن يوم الأحد، أغرق الرئيس قيس سعيد البلاد في أعمق أزمة سياسية منذ عقد”.

وأضافت أن إجراءات الرئيس سعيّد “أثارت قلق الكثيرين الذين يخشون من أن السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في البلاد الآن في يد رجل واحد”.

وتحدثت المراسلة عن أن “الخوف الرئيسي بين الخبراء والمراقبين هو الانحدار السريع إلى العنف فيما تنزل الفصائل المعارضة إلى الشوارع إما للاحتفال أو لإدانة تصرفات الرئيس”.

وقالت إنه في حال حدوث ذلك، فإن الأنظار ستكون كلها موجهة إلى قوات الأمن كي ترى ردة فعلها.

وأضافت أن “القلق الآخر، بالنسبة للبعض، هو توطيد السلطة في يد رجل واحد، ما قد يعيد تونس إلى بعض العناصر التي كانت قبل الثورة”.

وذكر المقال أن هناك مخاوف من أن سعيّد “يستخدم الأزمة للضغط من أجل ما أسماه التسوية الدستورية المفضلة لديه – نظام رئاسي قائم على الانتخابات ولكن مع دور أصغر للبرلمان.”

واختتمت المراسلة بالإشارة إلى أنه “يمكن لسعيد تعيين رئيس وزراء جديد سريعا للتعامل مع زيادة الإصابات بفيروس كورونا والأزمة المالية التي تلوح في الأفق. وهناك آمال في أن يتمكن من العودة إلى البرلمان بعد انتهاء التجميد الذي يستمر 30 يوما والسماح باستئناف الإجراءات العادية.

وتساءلت صحف عديدة عن خطوة قيس سعيد وعما إذا كانت فعلا انقلابا على الدستور أم هي تصحيح لمسار سياسي؟.

وكتبت صحيفة “الصباح” التونسية “إن تونس في مفترق طرق، ورأت في الافتتاحية أن تونس أمام اختبار مصيري وحاسم.

وحثت الصحيفة الرئيس التونسي على التعجيل بتوضيح الخطوات القادمة وطمأنة كل التونسيين وتحديد خارطة الطريق للخلاص والخروج من النفق المظلم وتجنيب البلاد الفتن والاقتتال.

خطوة الرئيس قيس سعيد كانت مفاجأة للرأي العام الوطني والدولي نقرا في صحيفة الصحافة التونسية.

الصحيفة تقول إنه يسعى إلى خلق أمر واقع جديد، كما ترى أن ما حدث كان يجب أن يحدث بأي شكل من الأشكال، وكان يمكن أن يحدث بعناوين أخرى وأكثر خطورة. الرئيس قيس سعيد بحسب الصحيفة استبق انفجارات مجتمعيةً متوقعة وأنهى مرحلة مهترئة وهو يتحرك الآن من أجل خلق أمر واقع جديد بأفق سياسي آخر.

أما صحيفة لوتومب السويسرية علقت على ما يجري في تونس على صفحتها الأولى، وكتبت إن تونس تغرق في أزمة سياسية في عز الوباء.

ونشرت الصحيفة صورة لاحتجاجات أول من أمس المناهضة للحكومة أمام البرلمان، كما قالت إن محيط البرلمان شهد أمس الاثنين مواجهات بين محتجين عن قرارات الرئيس وقوات الأمن. هذا فيما وصف حزب النهضة أهم حزب داخل البرلمان وصف قرارات الرئيس بالانقلاب.

على رغم معارضة حزب النهضة لتلك القرارات، فقد لقيت تفاعلا كبيرا من التونسيين نقرأ على غلاف صحيفة العرب اللندنية.

الصحيفة ترى أن الصمود في وجه التشويه الإعلامي شرط رئيسي لنجاح إجراءات قيس سعيد. التشويه الإعلامي برأي الصحيفة يقوده الإعلام الموالي للإسلاميين، ونجاح مسار الإنقاذ الذي بدأه سعيد مرتبط بالرئيس نفسه ومدى قدرته على تحمل الضغوط المختلفة.

واستعرضت الصحيفة عددا من الضغوط التي يتعرض لها الرئيس من خصومه ولا سيما حزب النهضة وكتبت إن الأوساط السياسية التونسية تنتظر تسمية رئيس الحكومة الجديد ورجحت الصحيفة أن يكون هو توفيق شرف الدين وزير الداخلية السابق نظرا لقربه من الرئيس وخبرته في العمل الحكومي.