وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

لماذا انقلبت عبير موسي على قيس سعيد خلال 3 أيام؟

السياسية:

كانت عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر، أول المهلّلين لقرارات الرئيس قيس سعيد تجميد البرلمان وإقالة الحكومة والانفراد بالسلطة، لكن سرعان ما انقلب التهليل إلى رفض لقرارات الرئيس وبخاصة تجميد البرلمان، فلماذا هذا التقلُّب في المواقف؟

وتواجه تونس حالياً أكبر أزمة لها منذ أصبحت أول دولة عربية تتذوق الديمقراطية قبل عشر سنوات، بعد أن أقال الرئيس قيس سعيد الحكومة وجمّد أنشطة البرلمان، في خطوة وصفها خصومه بأنها انقلاب يجب معارضته في الشارع.

وأصدر سعيد في ساعة متأخرة من مساء الأحد 25 يوليو/تموز بياناً استند فيه على   الفصل الـ80 من الدستور لإقالة رئيس الوزراء هشام المشيشي وتجميد عمل البرلمان لمدة 30 يوماً، قائلاً إنه سيحكم البلاد إلى جانب رئيس وزراء جديد، يقوم سعيد نفسه باختياره، كما انفرد الرئيس برئاسة النيابة العمومية.

وجاءت خطوة سعيد المفاجئة بعد يوم من الاحتجاجات ضد الحكومة وحزب النهضة؛ وهو أكبر حزب في البرلمان، عقب زيادة في الإصابات بفيروس كورونا وتزايد الغضب من الخلل السياسي المزمن والمشكلات الاقتصادية. ويشكل هذا أكبر تحدٍّ حتى الآن لتونس بعد ثورة 2011 التي أطلقت شرارة “الربيع العربي” وأطاحت بالحكم المطلق لصالح الحكم الديمقراطي، لكنها فشلت في تحقيق الحكم السليم أو الرخاء.

عبير موسي تؤيد قرارات الرئيس

وبمجرد إعلان سعيد قراراته، عارضتها الأحزاب والكتل البرلمانية الأكبر وهي حركة النهضة وحزب قلب تونس وائتلاف الكرامة، بينما حمل حزب التيار الديمقراطي (يساري) في بيان، “مسؤولية الاحتقان الشعبي، والأزمة الاجتماعية والاقتصادية والصحية وانسداد الأفق السياسي للائتلاف الحاكم بقيادة حركة النهضة وحكومة هشام المشيشي”، لكن الحزب عبّر عن اختلافه مع “تأويل رئيس الجمهورية قيس سعيد للفصل الـ80 من الدستور”، رافضاً ما ترتب عنه من قرارات وإجراءات خارج نصوصه.

وكانت عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر (16 مقعداً في البرلمان من إجمالي 217 مقعداً) الأكثر تهليلاً وفرحاً بقرارات الرئيس، وجاء ذلك في بيان مصوّر لها عبر صفحتها الرسمية في فيسبوك الاثنين 26 يوليو/تموز.

واعتبرت موسي أن الشعب التونسي عبَّر عن سعادته بقرارات رئيس الجمهورية قيس سعيد، لأنهم تخلصوا من راشد الغنوشي (رئيس البرلمان ورئيس حزب النهضة) وهشام المشيشي، وفق تعبير النائبة، مضيفة: “لن نسمح بالالتفاف على فرحة التونسيين ولن نخذلهم مثلما حصل بعد الثورة”.

وواصلت موسي الإشادة بقرارات الرئيس، واصفة إياها بأنها تصب في مصلحة التونسيين، وتابعت هجومها المعتاد على حركة النهضة وتوجيه الاتهامات للحركة- دون دليل- كما دافعت عن تفعيل الرئيس للفصل 80 من الدستور، موضحة أن سعيد وظّف الفصل “بالطريقة التي رآها صالحة”.

ولا يعتبر هجوم موسي وحزبها المستمر لحركة “النهضة”، التي تمتلك الكتلة البرلمانية الأكبر (53 مقعداً)، أمراً جديداً أو مرتبطاً بقرارات سعيد، فموسي لا تفوِّت مناسبة إلا وهاجمت حركة النهضة، كما أنها أعربت في مناسبات عديدة عن رفضها للثورة الشعبية في 2011، وهي الثورة التي أطاحت بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي.

هجوم موسي على الرئيس سعيد

لكن بعد ثلاثة أيام فقط من موقف موسي المؤيد دون شرط لقرارات الرئيس، فوجئ الشارع السياسي في تونس بتصريحات أخرى للنائبة المثيرة للجدل، أبدت فيها رفضها الشديد لقرارات الرئيس قيس سعيد، وبصفة خاصة تلك المتعلقة بتعليق عمل المجلس ورفع الحصانة عن جميع النواب.

ففي مداخلة مباشرة لها عبر حسابها الرسمي على فيسبوك الخميس 29 يوليو/تموز، قالت موسي: “نحن نواب الشعب مازالت لدينا صلاحيات”. وتوجهت للرئيس بالقول “قمت بتجميد عمل مجلس النواب، لكن لم تنزع صفة نائب شعب عليّ أو على غيري، وأنا لا زلت نائب شعب منتخباً”.

وأضافت أنه لا يمكن رفع الحصانة بمقتضى الفصل 86 من الدستور التونسي، سواء من قبل رئيس الجمهورية أو القضاء أو أي طرف آخر، باعتبارها حصانة مطلقة، وفق قولها، بحسب تقرير للأناضول.

وينص الفصل 86 من الدستور التونسي على أنه “لا يمكن إجراء أي تتبع قضائي مدني أو جزائي ضد عضو بمجلس نواب الشعب، أو إيقافه، أو محاكمته لأجل آراء أو اقتراحات يبديها، أو أعمال يقوم بها، في ارتباط بمهامه النيابية”.

تصريحات موسى الرافضة لقرارات سعيد جاءت في أعقاب نشر الأمر القاضي بتعليق اختصاصات ونشاط البرلمان لمدة شهرٍ قابلٍ للتمديد ورفع الحصانة عن نوابه، بالرائد الرسمي (الجريدة الرسمية في تونس).

ومن الطبيعي أن تثير تصريحات موسي هذه تساؤلات عما قد يكون قد حدث ودفعها إلى تغيير موقفها بتلك السرعة، خصوصا أن ذلك يعني أنها اصطفت في المعسكر الرافض لقرارات الرئيس، ومن ضمن هؤلاء حركة النهضة.

اصطدام بين قطاري الشعبوية في تونس

لكن مراقبين اعتبروا تصريحات موسي الرافضة لقرارات الرئيس نابعة من قلق داخلي لدى النائبة من شعورها بأن هناك اتجاهاً لاستبعادها من المشهد الحالي؛ إذ إنها دائماً تبحث عن دور، قد يكون الرئيس سعيد سحبه منها بقراراته الأخيرة.

وفي هذا الصدد، رأى العربي الصديقي، الأكاديمي المتخصص في التحول الديمقراطي والثورات، أنّ الساحة التونسية تتسع للتنوع، وهذا يعكس، ربما، نقطة ضعف في التموضع السياسي الذي تسعى إليه عبير موسى.

وأضاف للأناضول: “من ناحية، يوجد تشابه بينها وبين سعيد، فكلاهما يريد أن يظهر أنه مركب القائد الملهم، لكن من ناحية أخرى هذا المركب يضع موسى وقيس في طريق صدام سياسي، من المفروض أن يكون تنافساً مشروعاً شفافاً وديمقراطياً”.

ورأى الصديقي في موقف عبير موسى “جرأة سياسية، إلا أنها تناقض نفسها، فمن ناحية تتكلم بلسان المشاركة، أي عدم السماح بتجميد المؤسسة البرلمانية، لكن هي مع تجميد من تُسميهم الإخوان”، وأكمل: “من الواضح أن صعود قيس سعيد يقلقها”.

ومن جانبه، قال المحلل السياسي بولبابة سالم: “كانت موسي تعتقد أنها رقم واحد في تونس وأنّها تزعمت المعارضة، لكن وجدت أن الرئيس قيس سعيد بعيد عنها كل البعد، ويحظى بشعبية أكبر منها”. وأشار إلى أنّها “شعرت أنّها على الهامش. وبالنسبة إليها فقدت الدور الذي كانت تقوم به”.

واعتبر سالم أنّ قيس سعيد “قطف ثمار ما قامت به موسي طيلة سنة كاملة، بعد احتكاره لشعار معارضة حكم حركة النهضة، الذي تزعمته موسى”. وزاد سالم: “أصبح سعيد بذلك يحظى بشعبية تتجاوز موسى بكثير، فوجدت نفسها وكأنها عملت بطريقة، دون قصد منها، لخدمة أهداف قيس سعيد الذي صعد في استطلاعات الرأي”.

وعن البدائل، قال الصديقي: “على موسى أن تعتمد خطاباً أقل شعبوية، لأنها تتقاسم حلبة الشعبوية مع قيس سعيد وآخرين إسلاميين أو علمانيين”، مضيفًا أن “القيادة الراشدة تلزمها عقلنة”.

وأكد أن موسي أمامها درب طويل لفهم المعنى العميق للديمقراطية خاصة أنّها احتكرت التاريخ والخطاب البورقيبي (نسبة للرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة 1956-1987‎)، وشكلياته كحزب”.

أما الأكاديمي سالم، فبينّ أنه “ليس لها أي بدائل وتقريباً زمام المبادرة بيد قيس سعيد”، وقال: “فقدت عبير اليوم زمام المبادرة”.

ويبرر الرئيس سعيد إجراءاته الأخيرة بأنه يسعى للحكم بصورة أكثر فعالية والتخلص من الجمود السياسي في البلاد، لكن خطته الأطول أجلاً ما تزال غير واضحة. وستساعد بعض المؤشرات الرئيسية والتطورات التالية في قادم الأيام والأسابيع في تحديد ما إن كانت تونس تمر بأزمة دستورية مؤقتة، أم تحول أكبر في المسار نحو نظام أقل ديمقراطية يشهد تركيز مزيد من السلطة في يد الرئيس.

وكانت أغلب الكتل البرلمانية في تونس قد عارضت قرارات سعيد؛ إذ عدتها حركة “النهضة” “انقلاباً”، واعتبرتها كتلة قلب تونس (29 نائباً) “خرقاً جسيماً للدستور”، ورفضت كتلة التيار الديمقراطي (22 نائباً) ما ترتب عليها، ووصفتها كتلة ائتلاف الكرامة (18 مقعداً)، بـ”الباطلة” فيما أيدتها حركة الشعب (15 نائباً). كما أدان البرلمان الذي يترأسه راشد الغنوشي زعيم “النهضة”، بشدة في بيان لاحق، قرارات سعيّد، وأعلن رفضه لها.

وكان الغنوشي قد تعرض لوعكة صحية تم نقله على إثرها إلى المستشفى العسكري في العاصمة تونس مساء الأحد 1 أغسطس/آب، بعد تدهور في حالته الصحية ضمن تداعيات إصابته سابقاً بفيروس “كورونا”.

وقال وسيم الخضراوي، المستشار الإعلامي لرئيس البرلمان، في تصريح للأناضول، إن “الحالة الصحية لرئيس البرلمان تعكرت نتيجة آثار إصابته مؤخراً بفيروس كورونا، ما استوجب نقله إلى المستشفى العسكري”. وأضاف أن “الأطباء بعد مباشرة حالة الغنوشي الصحية أكدوا أنه مازال يعاني من تداعيات كورونا”. وتابع أن “حالة رئيس البرلمان حاليا مستقرة، والأطباء أكدوا أن بإمكانه مغادرة المستشفى الليلة”.

وفي وقت سابق الأحد، أعلن ماهر مذيوب، مساعد رئيس مجلس النواب، عبر صفحته في “فيسبوك”، أن الغنوشي “لم ولن يفكر مطلقاً في مغادرة البلاد”، نافياً صحة أنباء عن طلبه تلقي العلاج في الخارج.

عربي بوست