وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

11 سبتمبر هي بداية هذه الفوضى.. كيف حولت أمريكا التعاطف معها إلى كارثة عليها وعلى العالم الإسلامي؟

السياسية:

إذا بحثت عن منشأ الفوضى الحالية التي يعاني منها العالم الإسلامي وتتخبط فيها أمريكا ستجد أنها تعود إلى هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، رغم أنها كانت يمكن أن تشكل بداية جديدة لأمريكا.

فلقد أطلقت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 موجة تعاطف غير مسبوق مع أمريكا، وولدت الفرصة لبداية جديدة من وسط حطام البرجين المنهارين في منطقة “غراوند زيرو” قبل 20 عاماً، حيث أعيد على نحو مفاجئ ترتيب الشؤون العالمية في صباح يوم 11 سبتمبر/أيلول عام 2001 المليء بالرماد الأسود والنار والموت، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Independent البريطانية.

إذ نُظّمت وقفات احتجاجية بالشموع في إيران حداداً على أرواح الضحايا. ساهم فلاديمير بوتين بمساعدة جوهرية في حين كانت الولايات المتحدة تستعد لخوض حرب أفغانستان التي تقع في منطقة نفوذ روسيا.

تحدّث الديكتاتور الليبي ذو التعبيرات الشعرية، معمر القذافي، عن “الواجب الإنساني” الذي يفرض الوقوف إلى جانب الأمريكيين بعد هذه الواقعة المروّعة التي توقظ حتماً الضمير الإنساني.

لم توجد دولة ذات مكانة دولية أيَّدت ما فعله هؤلاء الإرهابيون منذ اللحظات الرهيبة الأولى لانهيار برجي مركز التجارة العالمي. انضم إلى الحلفاء التقليديين لأمريكا أعداء قدامى في تلك اللحظة الاستثنائية.. يا لها حقاً من لحظة نادرة!

لكن اتّضح أنَّها نادرة جداً لدرجة تحولُ دون إمكانية استمرارها، حسب الصحيفة.

كيف أضاعت أمريكا الفرصة لتأسيس مكانة إيجابية بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001؟

كانت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 تعني الفرصة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية لإعادة تشكيل مكانتها في عالم ما بعد الحرب الباردة بمستوى عالٍ من النفوذ وحسن النية.

أُتيحت هذه الفرصة بعد 10 سنوات فقط من انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي جعل أمريكا تتمتع بكل من السلطة الأخلاقية والقوة العسكرية والمالية لتصبح القوة العظمى الوحيدة في العالم.

لكن سرعان ما تبدّدت تلك المزايا. أشعلت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 20 عاماً من الحروب الخارجية الأمريكية، بدلاً من أن تساهم في ولادة نظام جديد. تمخّض عن تلك الهجمات الإرهابية نظاماً غاضباً مُتشكّكاً يضاعف تدابير المراقبة والإجراءات التعسفية باسم الدفاع عن الوطن.

الأولوية للجيش والأمن وغزو العراق لم يكن له مبرر

بدأت في أمريكا حقبة من الانصياع للقوات المسلحة تراجع فيها الدور الرقابي للمُشرّعين مع إعطاء الرؤساء الأولوية لوزارة الدفاع على حساب وكالات إنفاذ القانون فيما يخص مكافحة الإرهاب.

تأججت المشاعر المعادية للمهاجرين، مُوجّهة في المقام الأول نحو الدول الإسلامية، ولا يزال هذا الوضع قائماً حتى يومنا هذا.

ما اتفقت عليه معظم الدول أنَّها حرب ضرورية في أفغانستان تبعها بعد ذلك بعامين حرب اختيارية غزت فيها الولايات المتحدة العراق بادعاءات كاذبة حول إخفاء الرئيس العراقي الراحل، صدام حسين، أسلحة دمار شامل.

وهكذا بدأت حروب أمريكا الأبدية التي استغلتها الصين وروسيا

وبذلك، فتحت الولايات المتحدة منجماً عميقاً قاتلاً مما يعرف بـ”الحروب الأبدية”. اجتاحت الاضطرابات منطقة الشرق الأوسط وشهدت السياسة الخارجية للولايات المتحدة -التي كانت لفترة طويلة قوة من أجل تحقيق التوازن والاستقرار- تغييراً جذرياً من سياسات جورج بوش الابن إلى باراك أوباما إلى دونالد ترامب. تضاءلت الثقة في قيادة أمريكا ومصداقيتها.

لم تكن أجزاء أخرى من العالم مُحصّنة من هذه التقلبات. انتقلت الحركات الشعبوية اليمينية المتطرفة عبر مختلف أنحاء أوروبا. صوّتت بريطانيا لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. تقدّمت الصين بثبات في ترتيب النظام العالمي.

يحاول الرئيس الأمريكي، جو بايدن، حالياً استعادة الثقة في القيادة الأمريكية، لكن لا يوجد مسار سهل للمضي قدماً في تحقيق ذلك. إنَّه ينهي الحرب، لكن ماذا بعد؟

سيطرت حركة طالبان على زمام الأمور في أفغانستان بسرعة كبيرة مع انهيار الحكومة الأفغانية وقوات الأمن التي قضت الولايات المتحدة وحلفاؤها عقدين في بنائها. لم يتضح وجود أي خطة مدروسة من الولايات المتحدة في عمليات الإجلاء الفوضوية للمواطنين الأفغان الذين يحاولون يائسين الفرار من البلاد.

“إما أن تكون معنا أو ضدنا”

أطلقت هجمات عام 2001 سراح صرخة دموية في الولايات المتحدة من أجل الانتقام. تبنّى قطاع عريض من المجتمع الأمريكي النظرة الثنائية التي صاغها بوش بعبارة “إما أن تكون معنا أو ضدنا” – ولم تتغير قط.

زادت حدة الانقسام والتحزّب، في معارك مجالس إدارات المدارس ومنشورات الفيسبوك والسياسات الوطنية، بحيث عوملت الآراء المعارضة على أنَّها دعاية من أعداء الدولة. وقد تطوّر مفهوم العدو أيضاً ليشمل المهاجرين، تماماً مثل الإرهابيين.

أصبحت صفة الشخص المحب لوطنه المُعرّض للتهديد هوية شخصية وسياسية استغلّها ترامب للفوز في انتخابات الرئاسة.

جورج بوش خلال تعرضه لمحاولة قذف بحذاء من قبل مواطن عراقي غاضب من قراره غزو العراق/رويترز

بالنسبة للولايات المتحدة، اتسمت فترات الرئاسة في الولايات المتحدة منذ حروب جورج بوش بجهود لسحب الجيش الأمريكي من صراعات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

أتاحت سياسة الانسحاب الأمريكي الفرصة لروسيا والصين باكتساب نفوذ في تلك المناطق، بعدما سقطت في الفوضى بالإضافة إلى أنَّها تركت حلفاء الولايات المتحدة يكافحون لفهم مكانة واشنطن في العالم. اصطدم المفهوم القائل بأنَّ هجمات 11 سبتمبر/أيلول ستخلق وحدة دائمة للمصالح المتمثلة في مكافحة الإرهاب مع النزعة القومية المتنامية ورؤية الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي تحدث بازدراء عن حلفاء “الناتو” الذين احتشدوا ذات يوم في عام 2001 لدعم قضية أمريكا ضد الإرهاب.

كم أعداد ضحايا الحروب الأمريكية منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001؟

يحدِّد تقديرٌ مُتحفِّظ لمشروع Iraq Body Count، الذي يحصي القتلى بين المدنيين العراقيين، عدد الوفيات في ذلك البلد وحده بـ185,454 إلى 208,493، فيما يشير مشروع تكاليف الحرب بجامعة براون إلى أنه حتى الرقم الأكبر من المؤكَّد أنه أقل من الرقم الصحيح بشكلٍ كبير: “ربما يكون عدد المدنيين العراقيين أكبر بكثير، لأن هناك أعداداً كبيرة من العراقيين لقوا حتفهم كنتيجة غير مباشرة للحرب، بسبب الأضرار التي لحقت بالنظم التي توفِّر الغذاء والرعاية الصحية ومياه الشرب النظيفة، والأمراض المعدية نتيجة لذلك، علاوة على سوء التغذية، تلك الأمور التي كان من الممكن تجنُّبها أو معالجتها”. 

وهذا ليس إلا في العراق فقط، أما عدد ضحايا الحروب الأمريكية منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 فهو أكبر بكثير.

فقد “قُتِلَ 800 ألف شخص على الأقل بسبب أعمال عنف الحرب المباشرة في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن وباكستان”، ووفقاً لمشروع تكاليف الحرب.

بالطبع أُصيبَ عددٌ أكبر من هؤلاء، أو تسببت الإصابات في إعاقتهم، وقد أدَّت حروب أمريكا بعد 11 سبتمبر/أيلول إلى نزوح ما يُقدَّر بنحو 37 مليون شخص من أوطانهم، ما تسبَّب في أكبر نزوحٍ بشري 

نجاح في منع الهجمات الإرهابية ضد أمريكا 

لا شك أنَّ الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين منذ 11 سبتمبر/أيلول قد حققوا إنجازات مهمة في تعزيز الأمن، حيث ظلّت الأراضي الأمريكية حتى الآن في مأمن من التعرّض لمزيد من الهجمات الإرهابية على غرار ما حدث في 11 سبتمبر/أيلول.

على الصعيد العالمي، أضعفت القوات، التي تقودها الولايات المتحدة، تنظيم القاعدة، الذي فشل في شن هجوم كبير على الغرب منذ عام 2005. ساعد غزو العراق أيضاً في تخليص العالم من الديكتاتور صدام حسين.

ومع ذلك، فشلت إدارة بوش في التخطيط لحفظ الأمن والنظام في العراق، تاركة المتطرفين الإسلاميين والميليشيات الشيعية تتقاتل من أجل الهيمنة.

في الوقت نفسه، ينتشر اليوم إرث هجمات 11 سبتمبر/أيلول بطرق واضحة وغير معتادة. 

ولكن العسكرة سيطرت على المدن الأمريكية 

بشكل أكثر مباشرة، يمارس ملايين الأشخاص في الولايات المتحدة وأوروبا أنشطتهم العامة في ظل مراقبة مستمرة من الكاميرات الأمنية بينما ترصد أدوات مراقبة أخرى الاتصالات الخاصة.

بات التوجه نحو العسكرة أوضح كثيراً الآن بدايةً من المدن الكبيرة إلى البلدات الصغيرة. زادت التحصينات الخاصة بالمؤسسات الحكومية وأصبحت المطارات عبارة عن متاهة أمنية.

لكن على الرغم من مدى الأثر العميق لهجمات 11 سبتمبر/أيلول، كان تأثيرها مؤقتاً على ترتيب النظام العالمي، بل انتهى هذا التأثير إلى حدٍّ كبير جراء الانكماش الاقتصادي العالمي والقوى السياسية المحلية، فضلاً عما يشهده العالم حالياً من جائحة مميتة.

اتضح جلياً أنَّ صحوة الضمير الإنساني التي تنبأ بها القذافي لم تدم طويلاً، وكذلك القذافي نفسه.

قُتل أسامة بن لادن منذ عقد من الزمان. أُعدم صدام حسين عام 2006. انتهت الحروب الأبدية أو في طريقها الآن للانتهاء. تلاشت أيام تمكين روسيا للولايات المتحدة من الناحية التكتيكية وعدم وقوف الصين في طريق تنفيذ ذلك.

لم يدُم أي شيء سوى طائر الفينيق الأسطوري.

عربي بوست