وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

المملكة العربية السعودية و 11 سبتمبر: غموض المملكة”3-1″

 

بقلم: فرات العاني*

( صحيفة “لاكبرس -lexpress ” الفرنسية – ترجمة: أسماء بجاش – الإدارة العامة للترجمة والتحرير الأجنبي “سبأ”)

قبل عشرون عاما، في سبتمبر من العام 2001، كان 15 من أصل 19 إرهابيا ضربوا الولايات المتحدة الأمريكية يحملون الجنسية السعودية، حيث كان هذا الأمر بمثابة زلزال للمملكة النفطية وعلاقتها مع أمريكا.

الحلقة الأولى من روايتنا التي تسرد في طياتها عشرين عاما عن التطور القسري من أسامة بن لادن إلى الأمير محمد بن سلمان.

كل ذكرى الحادي عشر من سبتمبر، هذه الذكريات نفسها مطبوعة في الذاكرة الجماعية، ففي 11 سبتمبر 2001، في الساعة 8 صباحاً، على الساحل الشرقي لمدينة نيويورك، قامت طائرة بالاصطدام بأحد البرجين التوأم لمركز التجارة العالمي.

هدفان آخران، البرج التوأم الثاني ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، في حين كان الهدف الأخير مبنى الكونغرس الأمريكي في واشنطن، بيد أن العملية لم يكتب لها النجاح وتم اسقاط الطائرة المخصص لذلك العمل في حقول زراعية في ولاية بنسلفانيا.

اربع هجمات ارهابية، قام  بتنفيذها 19 إرهابيا من تنظيم القاعدة، يحمل خمسة عشر منهم الجنسية السعودية.

تشكل هذه الهجمات نقطة تحول في تاريخ المملكة العربية السعودية، التي تواجه تطرفها وألعابها السياسية خلف الكواليس.

يجب على المملكة الوهابية، حليف الولايات المتحدة، أن تعمل بسرعة عالية على التطور من ذاتها قبل أن تصبح دولة منبوذة.

وفي غضون عشرين عاما، تغيرت المملكة السعودية، من الانسلاخ من علاقاتها بزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن إلى الاستيلاء على حكم المملكة بالقوة من قبل ولي العهد محمد بن سلمان.

عشرون عاما من الغموض أيضا في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وبقية العالم الانسلاخ من   لذا فإن العودة إلى العقدين الماضيين حافل بالأحداث للمملكة.

نظام يعتمد على الدين:

عند إنشاء مملكتهم في العام 1932، كان “سعود” بحاجة إلى دعم الدينيين لإرساء سلطته، ولكن بعد مرور عقود من الزمان، بالتحديد في ستينات القرن العشرين، ظهر مبدأ القومية العربية على يد الرئيس المصري في ذلك الوقت جمال عبد الناصر من ناحية، وضخامة وانتشار الشيوعية الدولية من ناحية أخرى، كان سبباً في تهديد شرعية الدولة السعودية حيث بدأت جدرانها تهتز.

ولتجنب ذلك، اختار ملك ذلك العصر، فيصل بن عبد العزيز، المراهنة على هوية دينية قوية لبلده، حيث أنشأ منظمة المؤتمر الإسلامي والرابطة الإسلامية العالمية، لمجابهة فكرة ناصر القومية.

وباستغلال أزمة النفط في العام 1973، والتي أطلق عليها فيما بعد “الصدمة النفطية الأولى” أصبحت المملكة العربية السعودية تبيع براميلها من النفط بأسعار الذهب.

كما عمل خليفة الملك فيصل، شقيقه فهد، على مواصلة سياسته والاستفادة من هذا السماد النفطي لتمويل عمليات بناء المساجد والمراكز الإسلامية والمدارس الدينية على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم.

إن خطابه السلفي يهاجم الغرب، حتى مع تحول المملكة العربية السعودية إلى أفضل شريك استراتيجي للأميركيين في الشرق الأوسط.

هذا الانفصام السياسي يسمح للمملكة بالبقاء على قيد الحياة، ولكن السلفية والجهادية كثيراً ما يتم الخلط بينهما، كما يقول وسيم نصر، وهو صحفي متخصص في الحركات الجهادية ومؤلف كتاب ” الدولة الإسلامية أمر واقع” الصادر عن دار بلون للنشر 2016.

وليس لدى السعودية أي نية لتدريب الجهاديين الدوليين، بيد أنها سوف تلعب دورا حاسما في ظهور أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة.

بن لادن، في مهمة للمملكة:

في العام 1979، كان أسامة بن لادن لا يزال في الثانية والعشرين من عمره، وهو وريثا لأسرة سعودية كبيرة، اتصل به الأمير تركي الفيصل، الذي كان آنذاك يشغل منصب رئيس المخابرات السعودية، بالتزامن مع غزو الجيش السوفييتي لأفغانستان، حيث  طلب الأمير من بن لادن تنظيم عمليات ترحيل المتطوعين السعوديين لمحاربة هذا الغزو.

وعلى الفور، أصبح بن لادن الحليف الرئيسي لمنظمة المقاتلين المناهضين للسوفييت والتي أطلق عليها اسم “مقاتلي الحرية” من قبل الإدارة الأمريكية التي عملت بدورها على تسليحهم وتمويلهم.

وبعد هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان في العام 1989، قرر بن لادن مواصلة الجهاد حيثما بدا ذلك ضروريا.

وبعد ذلك بوقت قصير، في 2 أغسطس 1990، غزا الرئيس العراقي صدام حسين الكويت، الدولة المجاورة للمملكة السعودية، ومن هنا بدأ الخوف يراود القادة السعوديون حيث من الممكن أن تمتد مطامع الدولة العراقية إلى حدودهم.

ومن جانبه، عرض بن لادن الدفاع عن السعودية ضد الغزو العراقي المحتمل، لكن الملك اعتبر نفسه قادراً على صد الجيش العراقي مع رجاله ورفض عرض أسامة بن لادن، واختارت المملكة مساعدة الأمريكان، ومن هنا كان بداية الانفصال.

غادر بن لادن الأراضي السعودية متوجهة إلى السودان، ثم مرة أخرى إلى أفغانستان.

تغاضت عنه حركة طالبان الحاكمة في كابول، كونه يضرب المصالح الأميركية في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك المصالح داخل المملكة السعودية حتى هجمات 11 سبتمبر 2001.

يشرح وسيم نصر الوضع الحاصل، حيث قال “لا أؤمن بالمسؤولية على مستوى المؤسسة السعودية، وقبل كل شيء، سبق وأن قللنا من تقدير حقيقة خطر تنظيم  القاعدة.

لذا، علينا أن نعود إلى نمط الوقت، لم نعرف قدرات هذا التنظيم، حيث وقد تمكن الأفراد العاديون، المقربون أحياناً من الحكومة السعودية، من خلال المنظمات غير الحكومية من تمويل تنظيم القاعدة، ولكن لا يمكن القول أن أي دولة قد مولت هذه الهجمات”.

في 11 سبتمبر 2001، لم تُحمل الإدارة الأميركية النظام السعودي المسؤولية عن الهجمات.

وفي أعقاب تلك الهجمات المروعة، على الرغم من حظر الطيران المعلن في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، غادرت ست طائرات، تحمل 142 شخصا الولايات المتحدة، حيث أُقل على متن تلك الطائرات المواطنون السعوديون المقيمون في الولايات المتحدة الأمريكية وأيضا العديد من أفراد عائلة بن لادن.

نقطة التحول ليست كما نعتقد:

قبل أحداث 11 سبتمبر 2001، وعلى الرغم من قربها من المصالح السياسية والأمنية، لم يكن التعاون مع الولايات المتحدة أولوية بالنسبة للمملكة العربية السعودية.

وبعد الهجمات، لا شيء تغير، حيث أشار دانيال بيمان، مدير ابحاث الشرق الأوسط في مؤسسة بروكينغز، إن المملكة السعودية كانت جزءاً من المشكلة أكثر من كونها جزء من الحل، كما لم تنتقد تنظيم القاعدة صراحة، حتى بعد 11 سبتمبر”.

وفي العام 2003، كان هناك اتجاهان متعارضان داخل المملكة، الحامي لأهم مكانين مقدسين  في الإسلام ، هما مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث تتعلق المناقشة بالوجود الأمريكي على أراضيها، المملكة لا تستطيع أن تقرر، ولكن الحدث سوف يدفعها لاتخاذ القرار لبقائها.

في الثاني عشر من مايو 2003، أي بعد أسابيع فقط من غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، شن تنظيم القاعدة هجوماً قاتلاً على العاصمة السعودية الرياض، قبيل وصول وزير الخارجية الأميركي آنذاك كولن باول.

وبهذا أصبح هذا الهجوم بمثابة نقطة تحول في المملكة، حيث قال وسيم نصر إن هجمات العام 2003 في المملكة العربية السعودية وضعت حدا للنقاش، حيث مال تهديد القاعدة إلى التوازن لصالح أولئك الذين كانوا مع الوجود الأمريكي على الأراضي السعودية”، ونتيجة لذلك أصبح التنسيق بين السعوديين والأمريكيين في مكافحة الإرهاب أمرا حيويا للمملكة.

كما أشار إلى “أن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية الذي شن هجمات في المملكة العربية السعودية كان يمكن أن يؤثر على أفراد الأسرة المالكة، ولذلك أخذ السعوديون قضية مكافحة الإرهاب على محمل الجد، حيث وصل التنسيق مع الأمريكيين إلى ذروته”.

وهناك حدث تغيير كبير آخر يتمثل في أن السعودية عملت على تغيير خطابها بشأن الجهاديين بصورة جذرية، وقد شددت المملكة لهجتها، إدراكا منها للتداعيات الكارثية التي خلفتها سياستها الدينية السابقة، ومن هنا بدأت المملكة عصر جديد.

*فرات العاني: صحفي متخصص في شؤون منطقة الشرق الأوسط وحائز على جائزة ألبير لوندر عن عطر العراق الصادر عن دار “آرت – “Arte  للنشر عام 2018.

*      المادة الصحفية تم ترجمتها حرفياً من المصدر وبالضرورة لا تعبر عن رأي الموقع