وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ

د. طارق ليساوي*

كان في نيتي تخصيص سلسلة من المقالات المتخصصة عن التجربة التنموية الماليزية، لأن دراسة و استيعاب هذه التجربة الإسلامية الرائدة فيه فائدة لأغلب بلداننا العربية ، التي لازالت لم تستطع بعد التوصل إلى وصفة تمكنها من خلق دورة تنموية حميدة، لكن توالي الأحداث في وطني المغرب و إنغماسي مع فريق عمل برنامج إقتصاد× سياسة في الإعداد لحلقات البرنامج ، وجه تركيزي نحو الشأن المغربي و المغاربي و القضايا الأنية ، كما أن إستفسارات و ملاحظات القراء برأي اليوم اللندنية لها دور في تغيير بوصلة إهتمامي، فغالبا ما أفضل التحليل على المدى المتوسط و البعيد و التركيز على الكلي لا الجزئي، ربما أسعى لصياغة نموذج تنموي ووضع الخطوط العريضة لمشروع نهضوي يمكن لأبنائنا تنفيذه و الاستفادة منه مستقبلا، أما جيل الكاتب –ربما- فشل عمليا في تحقيق التغيير المنشود..ذلك أن بلداننا العربية من المحيط إلى الخليج تعيش وضعا مأساويا ليس له مثيل بين الأمم المعاصرة، نعم هناك بعض الاستثناءات، لكن مهما اختلفنا فإن العالم العربي تجمعه مجموعة من القواسم المشتركة التي تجعل منه فضاءا جغرافيا واحدا، لولا فشل النخب الحاكمة و خدمتها لأجندة القوى الغربية، و لولا حالة الشقاق المصطنع بين الأشقاء، و لولا الوطنية و القطرية المقيتة التي جعلت من التفتيت و التقسيم منهج عمل..

و من خلال دراستي العميقة للتجربة الماليزية، و جدت أنها أقرب لواقع أغلب البلاد العربية ، فهذه التجربة نجحت في خلق وئام داخلي بين مكونات مجتمع متعدد الأعراق و الديانات، كما نجحت في تحقيق التنمية الفعلية و الحفاظ على السيادة الوطنية، بعيدا عن إملاءات القوى العظمى و المؤسسات الدولية كالبنك الدولي و صندوق النقد الدولي، بل إنها لم تدخل في صدام مع القيم الإسلامية بل حاولت الاقتباس من الإسلام و الفقه الإسلامي حلولا عملية لكثير من مشاكلها، فكانت القيم و الأخلاق الإسلامية محور إهتمام من قبل مهندسي السياسات التعليمية، كما كانت المبادئ و الضوابط الاقتصادية التي جاء بها الإسلام و فصلها الفقهاء المسلمين طيلة القرون الماضية محل إهتمام و تطوير من قبل القيادة الماليزية ، فتم الاهتمام بالمعاملات التجارية و المالية الإسلامية و نظام الزكاة و التكافل الاجتماعي و الاستفادة من إدخار الحج لتوسيع خيارات الشعب الماليزي ، و البحث في كيفية تنزيل هذه المبادئ الإسلامية السامقة على أرض الواقع… ما يحدث على أرض ماليزيا هو إنصاف فعلي و عملي لرسالة الإسلام و لنبيه محمد عليه الصلاة و السلام..

و اليوم 12 ربيع الأول 1443 الموافق ل 19 تشرين الأول / أكتوبر 2021 يحتفل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، بذكرى مولد خير البرية، نبي الأمة والرحمة المهداة للبشرية جمعاء سيدنا و نبينا و قدوتنا محمد صل الله عليه وسلم، الذي بمولده أشرقت الأرض بنور ولادته، كيف لا وهو الرحمة المهداة، والنعمة العظيمة، والأمل المنتظر الذي أرسله الله عز وجل للناس أجمعين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) سورة الأنبياء107. فكان عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين كافة، وببعثته ورسالته ودعوته أزاحت ظلمات الجهل و الشرك و العبودية و الطغيان، وتبدلت الأرض غير الأرض و تغيرت النفوس التي أمنت بدعوته و إتبعت هداه عليه الصلاة والسلام ، فانتشرَ العدل و الإحسان بعد قرون من سيادة الظلم و الجور، و الكراهية و العداء، وساد نور الإيمان و العلم بدل ظلمات الجهل والشرك و العبودية لغير الله، فرسالته عليه الصلام والسلام جاءت لتخرج الناس من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد وحده لا شريك..

تحتفل الأمة بذكرى المولد النبوي، لكنه إحتفال يجانب الصواب في الغالب، فالإحتفال لا يكتمل و لا يتحقق فعلياً، بإنشاد القصائد في مدحه، وإعداد ما لذ و طاب و لبس الجديد، و لكن الإحتفال بذكرى مولده يتحقق بإتباع هديه و الإلتزام بما أُنزِلَ عليه من رب العالمين … فذكرى المولد النبوي ليست مجرد مناسبة لمولد رجل عظيم غير وجه العالم فحسب، بل إنه ذكرى لمولد أمة، فبولادته عليه الصلاة والسلام ولدت أمة العرب من جديد.. فكانت هذه الأمة الخميرة التي نشرت نور الإسلام إلي جهات العالم الأربع و نشرت الفضيلة والعدل والسلام.. و حاربت الظلم والطغيان.. قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أمّة أُخْرِجَتْ للنْاسِ) (آل عمران 110) وما ارتفعت هذه الأمة وما شُرِّفت إلاّ بهِ صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلىْ المُؤْمِنيْنَ إذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلوُ عَلَيْهِمْ آيْاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ). (آل عمران/164)..

لكن حال الأمة اليوم بعيد كل البعد عن هذه الخيرية، و الوصف العظيم الذي شرفها الله به، لأنها إبتعدت عن شروط و ضوابط الخيرية فقد تركت قطاعات واسعة منها، الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، وإختارت السير عكس الإتجاه الذي خطه النبي محمد عليه الصلاة و السلام بوحي من الله تعالى: (قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبّوُنَ اللهَ فإتّبِعُوُنِيْ يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) (آل عمران 31)… فقد جعل سبحانه وتعالى طاعة رسوله من طاعته عز وجل (مَنْ يُطِعِ الرَسُوُلَ فَقَدْ أَطاعَ اَللهْ) (سورة النساء 80)، فلا يحصل الإيمان ولا يكتمل إلا بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم و إتباع هديه: (لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتّىّ أكوُنَ أحَبُّ إليْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدهِ وَالناسِ أَجْمَعيْن) رواه البخاري ومسلم..

فالأمة العربية و الإسلامية تخلد ذكرى المولد النبوي و هي في حالة تؤكد أنها بعيدة عن هديه و منهجه عليه الصلاة و السلام، فاليمن يعاني ويلات القصف و التشريد و التدمير و بأيدي و أموال مسلمة، و يعاني أهله الجوع و عودة أمراض الفقر، التي لم نعد نسمع بها إلا في بلدان العالم الإسلامي، والعراق تم تدميره من قبل الغزاة و الخونة و تفقير شعبه، لبنان على حافة الانفجار و اندلاع حرب أهلية لا قدر الله، العلاقة بين المغرب و الجزائر يغلب عليها القطيعة و الاتهامات و قصف البيانات، حرب مسعورة على الإرهاب هذا الشبح المجهول الذي لا نرى له قادة يقتلون أو يأسرون، جل ما نسمعه و نراه في وسائل الإعلام سفك لدماء مدنيين، و تدمير لبنية تحتية ومدن شيدت بتضحيات وجهود عموم المواطنين، نفس الأمر في سوريا التي فرغت من أهلها، و تحولت من بلد يحتضن أهله المهجرين إلى شعب مهجر في أقاصي الأرض..

ولا يعني أن مأساة الأمة محصورة في هذه البلدان، بل خارطة الدم و المآسي تشمل غالبية البلدان العربية وجزءاً من البلاد الإسلامية، و أس هذه المآسي هو الاستبداد و الظلم والابتعاد عن الحق و العدل في الحكم و في إدارة النزاعات، وهو نفس ما عاناه النبي و صحابته في بداية دعوته في مكة و قبل الهجرة النبوية، فسادة قريش اعتبروا أنهم على حق، و أن هذه الفئة التي دخلت في الإسلام هي فئة باغية تهدد مستقبل قريش و أمنها.. فكما تعرض المسلمون في بداية البعثة النبوية إلى التقتيل والتعذيب و التنكيل و السجن والحصار، فكذلك اليوم نجد أن من يحمل فكرة الإصلاح و التغيير بالاعتماد على التصور الإسلامي، و المنهج النبوي، يعرض لكل هذه المضايقات..

فالأمة العربية والإسلامية تخسر بالإبتعاد عن هدي وروح ما جاء به النبي محمد عليه الصلاة و السلام.. فالأمة في تيه لأن أمرها بيد مستبدين همهم مصالحهم ضيقة الأفق، ومن أجل هذه المصالح لا يتورعون في تدمير أوطانهم، وسفك دماء شعوبهم، قصة مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وجهاده من أجل نشر الإسلام و إعلاء راية الحق، ومعاناته من طغيان و تجبر سادة الكفر في مكة و المدينة تتكرر و بحجم أكبر، فالأمة التي كان قوامها في بداية الدعوة الإسلامية عشرات الرجال و النساء، أصبح تعدادها اليوم حوالي المليارين، وفي ذلك تأكيد على أن محمد عليه الصلاة والسلام، كان على حق بينما “أبو جهل” و بطانته كانوا على ظلال، و “أبو جهل” مات كشخص لكن استمر كفكرة، و لازالت روحه تتجسد في هؤلاء الطغاة العرب الذين رفعوا شعار ” أنا ربكم الأعلى ” و “ما أريكم إلا ما أرى” هذه الفرعونية السياسية التي عبر عنها “أبو جهل” في مواجهة الدعوة الجديدة، عبر عنها اليوم حكامنا الذين رفعوا السلاح والعتاد، ووظفوا كل إمكانيات شعوبهم لتدمير شعوبهم وأوطانهم، بل قام بعضهم بالتدخل في مصائر شعوب أخرى، و ما تعانيه مصر و سوريا و ليبيا و اليمن و تونس هو نتاج لهذه الفرعونية و الاستبداد الذي طبعت سلوك بعض حكام الخليج…

من المؤكد أن الحق سينتصر على الباطل، فكما انتصرت دعوة محمد عليه الصلاة والسلام ،على جبروت و طغيان كفار مكة قبل الفتح، فكذلك سينتصر أهل الحق على أهل الباطل، فمهما ضاقت السبل بأفراد الأمة الاسلامية، فينبغي التمسك بمنهج النبي محمد عليه السلام، لأنه المنهج الأمن في الدنيا و الآخرة، كما انه الأمل الذي فيه خلاص هذه الأمة، مما تعانيه من طغيان وتشرذم، وعنف دموي ومعنوي لاغاية له، إلا كبح جماح نهضة الأمة و ضمان تأخرها لعقود أخرى..

فذكرى مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام و سيرته العطرة وكفاحه من أجل نصرة الحق و إعلاء كلمة التوحيد ليست مجرد أحداث تاريخية فحسب، بل هي منهج حياة على كل حر مسلم أو غير مسلم أن ينظر إليها بتمحيص و تدقيق لإستخلاص الدروس و العبر، للهروب من دوائر الباطل التي تحاصر كل فرد منا في كل زمان ومكان، هروبا إلى الحق الذي جاء به محمد عليه الصلاة و السلام، و كفر بالطواغيت التي تتجسد في صور و وجوه ظاهرها الصلاح وباطنها الفساد والشر قال تعالى : (لا إكراه فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (256)البقرة..

فإتباع هدي محمد عليه الصلاة و السلام يعد بحق المستقبل الذي يتطلع إليه أغلب المسلمين، مستقبل يستند إلى احترام إرادة الإنسان وكرامته و إنسانيته و حريته في الاعتقاد، فرسالة محمد عليه الصلاة و السلام و المنهج الذي أسسه في المدينة المنورة و إقتدى أثره الخلفاء الراشدين فيما بعد، شكل تجربة سياسية واجتماعية وإنسانية، لم يشهد لها التاريخ من قبل مثيلا، و لازالت هذه التجربة القائمة على العدل و المواطنة والتسامح و العدل و التعددية السياسية والفكرية، تحرك وجدان كل إنسان حر يسعى لخير أهله ووطنه و بني جنسه … “هذا بيان للناس وهدى و موعظة للمتقين” (الآية 138 آل عمران) ..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..

* المصدر : رأي اليوم
* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي الموقع