وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

السبب الحقيقي للحرب على اليمن؟

 

بقلم: جورج ميجيل

(مجلة “تيليبوليس” الألمانية، ترجمة: نشوى الرازحي-سبأ)-

ما هو سبب هذه الحرب ؟ وما الهدف الذي يُراد الوصول إليه من خلالها ؟ وما هي المصلحة من هذه الإبادة الجماعية ؟ ولصالح من؟

كان لمقتل خاشقجي فائدة رغم كل شيء : فقد منح الإبادة الجماعية في اليمن المزيد من الاهتمام. حيث بات السكوت عن الطبيعة الخاصة لهذه الجريمة ضد الإنسانية غير ممكنا من حيث المبدأ. ويمكن لأي شخص مهتم بهذه الحرب، على سبيل المثال، أن يزود نفسه بالمعلومات من خلال مقالين كبيرين تم نشرهما في صحيفة نيويورك تايمز في عددها يوم 20 و26 اكتوبر2018.

الأسلحة الدقيقة التي تزود بها الولايات المتحدة بشكل رئيسي السعوديين وتديرها، تؤثر من حيث عدم التكافؤ على السكان المدنيين. إن تدمير المنشآت الإنتاجية وطرق نقل الغذاء المهم من أجل البقاء على قيد الحياة، كما تقول الأمم المتحدة، هو “أكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث.”

وأسلحة الحرب الاقتصادية غير المرئية ليست أقل  فتكا من أسلحة القتل المباشر: فالبنك المركزي في اليمن ، الذي تم نقله من صنعاء إلى عدن، أخذ يطبع الكثير من العملة الورقية بأمر من السعوديين ، الأمر الذي أدى إلى جعل ما يدخره الفقراء من مال بلا قيمة. وحتى إذا كان لا يزال هناك طعام للشراء، إلا أن معظم السكان في المناطق التي يحكمها الحوثيون في الشمال، بما في ذلك العاصمة صنعاء – والتي يقطنها نحو 80٪ من مجموع السكان اليمنيين – لم يعد باستطاعتهم شراء الطعام. ملايين اليمنيين معرضين لخطر الموت جوعا. يموت الأطفال هناك مثل الذباب.

“الحرب على اليمن”.. .بات الناس يسمعون هذه العبارة بكل وضوح بفضل مقتل خاشقجي حتى في أوساطنا وكذلك عبارة “الحرب الإقتصادية “.

كلا الأمرين يجعل هذا النوع من الحرب جرائم حرب واضحة وفقا لجميع المعايير المألوفة. ضخامة هذه الجرائم تجعل الصراخ يُسمع في السماء. فأين الدعوة إلى التدخل الإنساني ؟ إذا كان ينبغي تبرير مثل هذه التدخلات عموما فما هي المبررات الواضحة؟

لا أريد في هذا المقال نشر بانوراما الجحيم لهذه الحرب الدائرة منذ العام 2015. فهذا ما قد حاول فعله آخرون حتى وإن لم تكن منشوراتهم قد وجدت طريقها إلى وسائل الإعلام الكبرى. ولا أود أن أتكلم هنا كفيلسوف من أولئك الذين يعملون على تلبية الاحتياجات الضرورية في اليمن التي حتمها عليهم واجب التدخل الإنساني.

أنا تناولي في هذا الموضوع مختلف وبسيط للغاية. ونادراً ما قد تم التساؤل عنه حتى الآن ألا وهو ما الذي يقف وراء هذه الحرب؟ وما الهدف الذي يُراد بلوغه من خلالها ؟  وما هي مصالح هذه الإبادة الجماعية ؟ ولصالح من؟

في هذا السؤال البسيط أود أن اسلط الضوء من ناحية أخرى تماماَ عن السبب الفعلي لهذه الحرب كلها وكنت قد كتبت مقالا في الأيام الأولى من هذه الحرب في مجلة “تيليبوليس” ” تحت عنوان لما الحرب على اليمن الآن بالذات؟ بتاريخ 9 إبريل 2015 وقلت فيه أن المبررات الرسمية لهذا الهجوم السعودي لا يمكن تصديقها. وبقيت أبحث عن الإجابة للتساؤل حولها لكن دون جدوى إلى أن نشرت صحيفة الأهرام المصرية الأسبوعية مقالا بقلم حنان الهكري   Hanan al-Hakry (في عددها رقم 1415 بتاريخ 25 اكتوبر2018) تحت عنوان “احتياطي اليمن الضخم” لفت انتباهي ما كُتب في الفقرة 14 إلى 15، وهو ما من شأنه أن يلقي أضواء أخرى مختلفة تماما على هذه الحرب برمتها:

“علاوة على ذلك الاحتياطي الضخم من النفط الذي تم اكتشافه في منطقة الجوف بالقرب من الحدود مع المملكة العربية السعودية. فهو  احتياطي أكبر مما يتوفر في كل من السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة مجتمعة.

فهل هذا الأمر حقيقي ؟ إذا كان كذلك فبدون أدنى شك، ستصبح “أفقر جميع الدول العربية” واحدة من أغنى بلدان العالم. كان عدم تقبلي لفكرة شن التحالف العسكري بقيادة السعودية وبمشاركة دول غنية (إلى جانب السعودية الكويت والإمارت العربية المتحدة والبحرين وقطر والمغرب والسودان والسينغال وبدعم حاسم من كل الولايات المتحدة الأميركية وإنجلترا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا) حرباً على بلد لا يوجد فيه شيئا من  الناحية الفعلية ، كان عدم تقبلي للفكرة يستند على قاعدة خاطئة.

فالبلد الفقير المجاور للسعودية ليس فقيرا. ففي جوفه كنوز أكبر من تلك التي كانت في جوف الدول الخليجية الثلاث المملكة العربية السعودي والكويت والإمارات.

فهل هذا صحيح ؟ إذا كان الأمر كذلك ، فإن الحديث السابق عن أن اليمن دولة فقيرة يجب تنقيحه على الفور في كون تلك الثروة المعدينة الضخمة تلك تخص اليمن.

لكن يرى حكام المملكة العربية السعودية – و حكومات أخرى – هذه الحقيقة بشكل مختلف. وعلى أية حال، هناك تقارير تفيد بأن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة اتفقتا منذ فترة طويلة على عدم السماح لليمن أن يقوم بالاستخراج الكامل للنفط والغاز الخاصة به. وقد قامت الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال بشحن أول شحنة من الغاز المُسال من حقل الغاز في مأرب عبر أنبوب رئيسي يوصل امدادات الغاز إلى معبر في العام 2009 و منذ العام 2015 توقف الإنتاج بسبب الحرب.

وعليه ينبغي أن يتضح لنا أن الحوثيين لم ولن يلتزموا بهذا الحظر. ولذا وجب إنهاء حكمهم ووجودهم بكافة الوسائل. وإذا ما دعى الأمر، أيضا عن طريق شن الحرب عليهم.

ومن شأن هذه الفرضية أن تفسر لنا على الفور سبب قيادة المملكة العربية السعودية بكل ما أوتيت من قوة لتحالف عسكري  ضد دولة من الواضح أنها ضعيفة تعتمد على الفتات الذي يرميه إليها السعوديون وعينت هادي قليل الحلية رئيسا عليها. أي شخص فكر حتى الآن مليا في هذه النقطة سيهتدي بالفعل إلى التفسير البسيط والمثير للذعر في ذات الوقت: هادي هو الضمان لشركة أرامكو السعودية / الأميركية بأن تصل إلى النفط اليمني.. وتعتمد “قوة” موقف هادي بالكامل على أساس هذا الضمان.

وبانسجام تام لعبت وسائل الإعلام دوراُ في ذلك من خلال تداولها إلى الآن العبارة “رئيس حكومة اليمن المعترف بها دوليا”. ولكن يبقى ذلك كله مجرد خيط صغير من سجادة التساؤل الكبير حول السبب الحقيقي لشن هذه الحرب؟

عموماً، لماذا لا يُسمح لليمن أن تستغل موارد الغاز والنفط اليمنية وتستخرجها بنفسها؟ ولما فُرض هذا الحصار (عن طريق هادي وضد الحوثيين خصوصا) بمساعدة من حرب شُنت منذ أكثر من ثلاث سنوات ولم تنته بعد؟ هذا السؤال ما هو إلا افتتاح لعدد كبير من الأسئلة ذات الصلة.

على الرغم من أن السياسة المألوفة التي تعتمد على المصالح الغربية من تحسين أسعار النفط توضح الكثير، إلا أنه بمجرد أن ننظر إلى الإعداد الكبير لمثل هذه الحروب كما في العراق وليبيا، نتوصل إلى أن تدمير اليمن تماما وإعادته إلى العصر الحجري لم يكن كافياً بالنسبة للتحالف العسكري بقيادة السعودية بأي حال من الأحوال- على غرار النموذج الأميركي المعروف.

وبالطبع كل من بدأ بالتفكير حول مثل هذا التفسير الواضح يجد أن هناك حلقة مفقودة في سياق لغز اليمن ولكن هذه الحلقة المفقود بإمكان أي شخص عادي فلسفي مثلي العثور عليها بسرعة: إنها النفط والغاز اليمني. فهناك موارد معدنية وأحفورية أخرى لا حدود لها.

وحتى لو كان هناك بيانات دقيقة حول قمة عربية ستعقد (في وقت من الأوقات) بخصوص النفط السعودي (يعني ذلك أن مؤشر انتاج النفط يتجه إلى الأسفل) فإن ذلك من البديهي أنه ينطوي على أحد أسرارعمل  شركة أرامكو، أحد أكبر الشركات المنتجة للنفط في العالم)، فإن الفكر السليم سيخبرنا بأنه يتعين على الحكومة المرتقبة أن تعمل بشكل جيد للإعداد للتخلص التدريجي الوشيك من انتاجها من النفط والغاز في  الوقت المناسب.

وقد أطلق على مثل هذا النموذج الرؤية الاستشرافية الحكيمة (رؤية 2030). ووفقا لهذه الرؤية يجب أن يصبح اقتصاد المملكة العربية السعودية مستقلاً بشكل متزايد عن صناعة النفط. إن حجم برنامج “التحديث” هذا (الذي يمكن أن يشار إليه لفترة وجيزة باسم “برنامج دبي”) يتطلب شيئاً واحداً قبل كل شيء: الوقت – الكثير من الوقت. وبالتالي، إذا كان الوقت (اعتمادا على ذروة النفط وإنشاء فرص جديدة للربح- مثل السياحة بالبحر الأحمر، ومراكز الاستثمار، والأحداث الرياضية الضخمة، وما إلى ذلك) يجب أن يكون فقط في إطار الخطة بي B – وتتمثل على سبيل المثال باللجوء إلى موارد اليمن “الغنية” ، والتي ما تزال حتى الآن مجرد احتياطيات.

يعتمد مستقبل المملكة العربية السعودية على جدوى هذه الرؤية عام 2030، وفقًا للعلاقات العامة الخاصة بها. وبالتالي فإن مستقبل هذا في أيدي الذين تقع المسؤولية على عاتقهم في المقام الأول في أمر تحقيق “النجاح” في حرب اليمن وتحقيق هذه الرؤية على حد سواء. وهذه المسؤولية تولاها ولي العهد ذو الحيوية، الأمير محمد بن سلمان.

يمكن الآن طرح سؤالي المركزي في مصطلحات محددة: لماذا تعتبر الإبادة الجماعية الحالية في اليمن عقلانية من وجهة نظر محمد بن سلمان  ومبررة من الناحية الاستراتيجية؟

إن إجابتي القاطعة باختصار هي: لأنه – وكثيرون غيره ممن يمكنهم الاعتماد عليه في هذه الإبادة الجماعية – يدركون أنه بدون هذه الحرب ، فإن أهم ركيزة لقوة مملكته (ضمان إمدادات النفط من الاقتصاد العالمي) من الممكن أن تسقط. ومن شأن وجود دولة يمنية غنية لا يرضخ فيها الحوثيين لما تمليه عليهم السعودية وأميركا، أن يكون مغيراً للعبة الاقتصاد العالمي. وهذا الخيار يجب تجنبه وبكافة الوسائل من خلال استغلال الكلمة السحرية “الاستقرار”. واشتملت تلك الوسائل على ما هو أشد تطرفا ألا وهو الإبادة الجماعية.

وأنا على يقين بأنه ليس فقط محمد بن سلمان بل كل الحكومات في العالم على علم مطلق بهذه الفرضية الحقيقية التي توصلتُ إليها قبل بضعة أيام والمتمثلة بالاحتياطي الضخم من النقط والغاز المباركين. وبناء على ما سبق فإنه حتى هذا السبب الحقيقي للحرب على اليمن ، مستوى لم يكن سراً على مستوى السلطة.

وهذا بدوره لا يوضح شيئاً آخر على الإطلاق غير أن الإبادة الجماعية مقابل الاستقرار.

حسنا، بدأت أفهم ببطء. …

وأنتم ايضا؟

ملاحظة : لجعل الأمور تبدو أكثر وضوحا: تعتمد حجتي أعلاه على التكهنات التي لا أستطيع التحقق من صحتها بنفسي. لذلك ، يجب أن تُفهم هذه المساهمة على أنها دعوة إلى أولئك الذين لديهم خيارات تحقق أفضل في هذا الموضوع ، أي للخبراء المعنيين أو إلى الصحفيين الاستقصائيين – حالما توفرت لديهم بعض الحقائق. هل تتوافق فرضيتي هذه مع الحقيقة ؟ أم أنها مجرد حيلة خفية من الحوثيين، أو الإيرانيين ، أو الروس ، أو أي شخص آخر؟

فيما يلي بعض أهم مصادر المعلومات التي أجدها أكثر أهمية. أولاً ، تأكيد الفرضية المذكورة أعلاه من وجهة نظر يمنية. التالي : احتياطيات اليمن من النفط والغاز في الجوف حقيقة تم تأكيدها من خلال تقرير عن أن المملكة العربية السعودية قامت بسرقة 65٪ من نفط اليمن بالتعاون مع شركة توتال وأكد التقرير أن اليمن يتربع على منجم من النفط.