وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

“سباق التسلّح في إنتاج البطاريات”.. كيف احتكرت الصين صناعة السيارات الكهربائية في العالم؟

السياسية:

في خضم تحوّل العالم إلى السيارات الكهربائية، تتسابق الشركات من أجل تأمين وتقوية مواقعها على سلسلة توريد البطاريات، بدءاً باستخراج المعادن ومعالجتها ووصولاً إلى تصنيع البطاريات والسيارات الكهربائية.

وقد بدأ القطاع يتحرك باتجاه التكامل الرأسي، حيث تُسيطر شركةٌ واحدة على مجموعة من الخطوات بطول سلسلة التوريد، لضمان استمرار التوريد وتحسين الشفافية في بعض الحالات. وحين نتحدث عن ما يُوصف بـ”سباق التسلّح في مجال البطاريات”؛ تحل الصين في المركز الأول. فكيف ذلك؟

الصين.. سوق السيارات الكهربائية الأكبر بالعالم

تُعتبر الصين أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم بإجمالي مبيعات بلغ 1.3 مليون سيارة كهربائية العام الماضي، أي تُشكل أكثر من 40% من إجمالي مبيعات السيارات الكهربائية حول العالم، كما تقول صحيفة The Guardian البريطانية. وتُسيطر شركة تصنيع البطاريات الصينية CATL على نحو 30% من سوق بطاريات السيارات الكهربائية في العالم. 

بينما قدّرت شركة توريد الكوبالت Darton Commodities أنّ مصافي التكرير الصينية ورّدت 85% من إنتاج العالم من الكوبالت الجاهز للاستخدام في البطاريات العام الماضي. والكوبالت هو المعدن الذي يُعزّز استقرار بطاريات أيون الليثيوم.

ويأتي معظم خام الكوبالت من جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تُهيمن الشركات الصينية على نحو 70% من قطاع التعدين. وفي أغسطس/آب، أعلنت شركة التعدين الصينية العملاقة China Molybdenum Company (CMOC) عن استثمارٍ بقيمة 2.5 مليار دولار لمضاعفة إنتاج النحاس والكوبالت داخل منجم تينكي فونجوروم، الذي يُعتبر من أكبر المناجم في الكونغو بالفعل. وجاءت تلك الخطوة عقب شراء الشركة حصة نسبتها 95% في منجم كيسانفو القريب للنحاس والكوبالت، وذلك مقابل 550 مليون دولار.

بينما تمتلك العملاقة الصينية الأخرى Huayou Cobalt حصةً في ثلاثة مناجم نحاس وكوبالت داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تُعتبر طرفاً رئيسياً في كل خطوات سلسلة توريد الكوبالت، بدءاً بالمناجم ومصافي التكرير ووصولاً إلى إنتاج البطاريات.

تُعتبر الصين أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم بإجمالي مبيعات بلغ 1.3 مليون سيارة خلال عام 2020/ رويترزالتنافس على المعادن في إفريقيا ثمنه كبير

لكن هيمنة الصين على مناجم النحاس والكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية لها ثمنها بالطبع، بناءً على مزاعم العمال الكونغوليين الذين يعملون في تلك الشركات، كما تقول صحيفة الغارديان.

حيث زعم العاملون في مناجم Sicomines، التي يملك اتحاد شركات تعدين صينية الحصة الأكبر فيه، أنهم يتقاضون أجوراً أقل من العاملين الصينيين نظير أداء نفس الوظائف. كما قالوا إنهم يتعرضون لمعاملة مُهينة على يد المشرفين الصينيين.

في حين قال مارك دوميت من منظمة العفو الدولية: “تكمُن المشكلة في رفض الكثير من شركات التعدين الصينية أن تتحلّى بالشفافية حول عملياتها، لكن قضايا حقوق الإنسان في مناجم الكوبالت بجمهورية الكونغو الديمقراطية لم تبدأ على يد الصينيين. حيث تتمتّع جمهورية الكونغو الديمقراطية بتاريخٍ طويل مع الشركات الأجنبية التي تصل إلى البلاد، لتستغل مواردها دون مساءلة”. 

ويضيف دوميت للصحيفة البريطانية: “تشعر منظمة العفو الدولية بالقلق الشديد إزاء التأثير المحتمل للتعدين -من أجل تصنيع بطاريات السيارات- على مختلف المجتمعات حول العالم. إذ يُمكن أن يكون التأثير المحتمل مدمراً في حال لم تستغل العلامات التجارية الكبرى نفوذها للمطالبة بأن تكون سلاسل التوريد العالمية الجديدة تلك قائمةً على مبادئ تحترم حقوق الإنسان والبيئة”.

وعلى الجانب الآخر، تستشهد شركات التعدين الصينية بالإسهامات التي ساعدت بها المجتمعات المحلية وزادت بها إيرادات جمهورية الكونغو الديمقراطية، رغم أنها تعمل وسط بيئة مليئة بالتحديات.

ويقول المحلل كريستيان-غيراود نيما بيامونغو إنّ قوانين العمل لا تُحترم دائماً، كما أن الفساد مستشرٍ في البلاد عموماً، ما قد يخلق بيئةً تُتيح للشركات عدم الالتزام بالقواعد.

الصين أصبحت الآن أكبر منتج للنيكل حول العالم أيضاً

وبدأت شركات تصنيع السيارات والبطاريات في تقليل نسبة الكوبالت داخل بطارياتها، ويرجع ذلك جزئياً لرغبتها في تجنّب المخاطر القانونية والمتعلقة بالسمعة التي ترتبط بالكوبالت الخاص بجمهورية الكونغو الديمقراطية. 

حيث باتت الشركات تنظر إلى البطاريات الغنية بالنيكل باعتبارها مستقبل الصناعة، لكن الشركات الصينية التي تُهيمن على تعدين الكوبالت في الكونغو -Huayou Cobalt وCMOC- بدأت هي الأخرى تزيد استثماراتها في مجال استخراج النيكل ومعالجته بإندونيسيا، التي تمتلك أكبر احتياطيات النيكل في العالم بنحو 72 مليون طن. ما يعني أن الصين أصبحت الآن أكبر منتج للنيكل في الأسواق العالمية، متفوقةً بذلك على منافسيها في أوروبا والولايات المتحدة.

إذ يقول بول غينتينغ، المدير التنفيذي لمنظمة حماية البيئة غير الحكومية Action for Ecology and People’s Emancipation، من إندونيسيا: “ستكون الصين أكبر أقطاب هذا المجال لأنها على اتصال بالسوق الإندونيسي، كما تقوم الشركات الصينية بتصدير النيكل بأسعار أقل من نظيرتها الأوروبية، نظراً لشهرتها بالعمالة الرخيصة”.

بينما شهدت الفترة الأخيرة جهوداً لصد الهيمنة الصينية، بدايةً من جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث قال رئيس البلاد فيليكس تشيسكيدي خلال زيارةٍ إلى مدينة كولويزي، التي تقع في قلب مناطق تعدين النحاس والكوبالت بالكونغو: “يأتي الناس إلى الكونغو بجيوبٍ خاوية، ويرحلون من هنا وهم مليارديرات. لكننا نظل فقراء”.

كما أعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية مؤخراً عن مراجعة مجموعة من أكبر عقود التعدين في البلاد، ومنها صفقة بقيمة 6.2 مليار دولار منحت اتحاد شركات صينية السيطرة على مناجم Sicomines عام 2007.

في أوروبا أيضاً، بدأت الشركات تسير على خطا الصين. إذ من المتوقع أن تمتلك القارة 28 مصنعاً لإنتاج بطاريات أيون الليثيوم بنهاية العقد الجاري، مع زيادة متوقعة في قدرة الإنتاج عن معدلات عام 2020 بنسبة 1440% وفقاً Darton Commodities. وسيأتي هذا النمو مدفوعاً بجهود شركات مثل Britishvolt الإنجليزية Northvolt السويدية، إلى جانب شركات آسيوية أخرى تُوسّع عمليات إنتاجها في أوروبا.

ومع ذلك، لا تُواكب الاستثمارات الأوروبية في التعدين وإنتاج البطاريات نظيرتها الصينية بحسب محلل Darton Commodities أندرياس غيربينز. حيث قال: “ستفقد الصين جزءاً من هيمنتها في النهاية. لكنها ستظل من أكبر أقطاب الصناعة”.

ومن ناحية أخرى، تتخلّف الولايات المتحدة عن الركب كثيراً رغم استثمارها 174 مليار دولار “من أجل كسب سوق السيارات الكهربائية”، وفقاً لميزانية البنية التحتية التي أعلنها الرئيس جو بايدن بقيمة تريليوني دولار في أبريل/نيسان.

إذ  قال سايمون مورس، الرئيس التنفيذي لشركة Benchmark Mineral Intelligence، أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأمريكي في يونيو/حزيران إنّ الصين تبني مصنعاً ضخماً للبطاريات كل أسبوع، بينما تبني الولايات المتحدة واحداً كل أربعة أشهر.

وحذّر مورس قائلاً: “يتشكّل حالياً اقتصادٌ عالمي جديد لبطاريات أيون الليثيوم. لكن أي طموحات بأن تكون الولايات المتحدة رائدة في هذا المجال لن تُحرز سوى تقدمٍ بطيء، بينما تتفوّق علينا الصين وأوروبا”.

عربي بوست