وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

لماذا لم ترسل الصين قوات لمساعدة حليفتها كازاخستان كما فعلت روسيا؟

السياسية:

قدمت الصين دعماً شفهياً قوياً لزعيم كازاخستان في حملته الدامية لقمع الاضطرابات العنيفة في بلاده، لكنها وقفت جانباً، بينما أرسلت روسيا قوات خاصة لاجتثاث الاحتجاجات. فلماذا لم ترسل بكين قواتها أيضاً لمساعدة هذه الدولة الحليفة؟

ما طبيعة العلاقة بين الصين وكازاخستان؟

تتمتع كازاخستان الغنية بالموارد، الواقعة على الحدود الغربية للصين بأهمية اقتصادية واستراتيجية لبكين وهي حلقة وصل مهمة في مبادرة البنية التحتية “الحزام والطريق” لتوسيع نفوذها التجاري والسياسي العالمي في التنافس مع الولايات المتحدة وحلفائها.

وتؤكد استجابة الصين للأزمة كيف تفضل التأثير في النتائج من خلال التأكيدات الشفهية وعروض المساعدة، دون الالتزام بإرسال قوات كما تقول وكالة The Associated Press الأمريكية.

تقول رنا ميتر، الخبيرة في الشأن الصيني من جامعة أكسفورد لوكالة AP: “التقارب المتزايد بين روسيا والصين يعني أنه يمكننا توقع المزيد من الدعم الخطابي لمشروعات موسكو الخارجية، لا سيما عندما تتعارض مع الأهداف الجيوستراتيجية الغربية”.

وأردفت: “ومع ذلك لا تزال الصين مترددة للغاية في نشر قوات جيش التحرير الشعبي خارج أراضيها، باستثناء مناطق مثل عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، لأنَّ ذلك سيتعارض مع تصريحاتها المستمرة بأنَّ الصين، على عكس الولايات المتحدة، لا تتدخل في صراعات الدول الأخرى”.

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وسَّعت الصين بثبات نفوذها الاقتصادي والسياسي في منطقة تعتبرها روسيا ساحتها الخلفية. وبصفتها أكبر دولة في آسيا الوسطى وأكثرها ثراءً، فإنَّ كازاخستان هي المفتاح، إذ تمثل حلقة ربط في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وتعمل سياساتها الاستبدادية كحصن ضد الحركات الديمقراطية في أوكرانيا وغيرها من الأماكن التي تسخر منها الصين وتصفها بأنها “ثورات ملونة” من تصميم الغرب.

ينظر الحزب الشيوعي الحاكم في الصين، الذي قمع بعنف المعارضة المؤيدة للديمقراطية في عام 1989، إلى هذه الحركات، سواء في جورجيا أو هونغ كونغ، على أنها تهديد لاستقراره. وفي رسالة إلى الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف في خضم الاضطرابات، قال الزعيم الصيني شي جين بينغ إنَّ بلاده “ستعارض بحزم القوى الخارجية التي تتسبب عن عمد في إحداث اضطرابات وتحرض على ثورة ملونة في كازاخستان”.

برغم ذلك، يقول ستيف تسانغ، مدير معهد الصين في جامعة مدرسة لندن للدراسات الشرقية والإفريقية، إنَّ تأثير الصين في آسيا الوسطى يظل محدوداً، وقد تشعر كازاخستان بعدم الارتياح بشأن دعوة القوات الصينية؛ نظراً لمعاملة الصين القاسية للعرقية الكازاخستانية والأقليات المسلمة الأخرى داخل حدودها.

وأضاف تسانغ: “أحد العناصر المهمة في السياسة الخارجية للصين في عهد شي هو جعل العالم آمناً للدول الاستبدادية ووقف الثورات الملونة من الانتشار”، حسب تعبيره.

تتعهد الصين في كثير من الأحيان بالانتقام من أي انتقاد لسياساتها، خاصة عندما يكون الجناة الولايات المتحدة وحلفاءها. لكنها أكثر ودية مع المستبدين، لأنهم يتعهدون بعدم التدخل وبالتعاون مع من في السلطة، بغض النظر عن سجلاتهم في حقوق الإنسان والفساد.

ويتجلى ذلك في تعاملها مع الأنظمة التي ينتقدها الآخرون، من القادة العسكريين في ميانمار إلى فيكتور أوربان المجري. وفي حين أنها لا تعترف بطالبان، فإنها تحمي رهاناتها في أفغانستان من خلال العمل مع حكام البلاد الحاليين، على الرغم من تبنيهم لشكل الإسلام الراديكالي الذي سعت بكين لمنعه من التسلل إلى منطقة شينغيانغ المضطربة ذات الأغلبية المسلمة، التي تشترك في حدود ضيقة مع أفغانستان وأكبر بكثير مع كازاخستان.

وتحتفظ الصين عموماً بالعمل العسكري وغير ذلك، في الحالات التي يُنظَر فيها إلى أمنها على أنه مهدد بدرجة كبيرة، كما في الحرب الكورية 1950-1953، أو مؤخراً، في حوادث العنف على طول حدودها المتنازع عليها مع الهند، وخاصة مع تايوان، التي تهدد بكين بغزوها إذا لم توافق على الاتحاد معها. 

وردت بكين برد انتقامي تجاري ودبلوماسي لا يرحم ضد ليتوانيا عندما خرجت الدولة الصغيرة المطلة على بحر البلطيق عن التقاليد الدبلوماسية بالسماح لتايوان بفتح مكتب تمثيلي في فيلنيوس تحت اسم “تايوان” بدلاً من “تايبيه الصينية”.

كيف تنظر الصين للتحالفات العسكرية؟

نُشِرَت قوات عديدة في كازاخستان، معظمها من روسيا، الأسبوع الماضي بموجب منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهي مجموعة من 6 دول سوفييتية سابقة، بناءً على طلب الرئيس الكازاخستاني في خضم أعمال عنف غير مسبوقة. لكن الصين تتجنب رسمياً مثل هذه التحالفات الأمنية، على الرغم من أنَّ منظمة شنغهاي للتعاون، التي تهيمن عليها بكين وموسكو، لديها عنصر أمني يقتصر حالياً على التدريب المشترك والمهام غير القتالية الأخرى.

ويقول خبير الأمن الدولي الصيني لي وي، إنه على عكس منظمة معاهدة الأمن الجماعي، “لا يوجد اتفاق بشأن إرسال قوات من الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون”. بالإضافة إلى ذلك تتمسك الصين بالمبدأ الأساسي المتمثل في عدم استخدام القوة في الدول الأخرى.

لكن تظل عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة هي الاستثناء النادر، إذ تسارع الصين إلى الإشارة إلى أنها أكبر مساهم بقوات في مثل هذه المهام من بين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ونظراً للقوة المتزايدة للجيش الصيني يتوقع بعض الخبراء أن تصبح بكين أكثر قابلية للتدخلات العسكرية في المستقبل. وفي هذا الصدد تشير رنا ميتر، الخبيرة في الشأن الصيني من جامعة أكسفورد، أيضاً إلى “المنطقة الرمادية” المتنامية لشركات الأمن الخاصة الصينية التي يمكن استخدامها لحماية المصالح الصينية “دون أي تدخل حكومي رسمي”.

يمكن القول إن النفوذ الصيني في آسيا الوسطى يتصاعد بشكل لا يغضب موسكو، خاصة أن مصلحة بكين الأساسية في المنطقة متطابقة مع روسيا ومع الأنظمة الاستبدادية بدول آسيا الوسطى، وهو عدم تصاعد شعور إسلامي أو “قومي تركستاني” (تركستان مصطلح يطلق على آسيا الوسطى بما في ذلك في منطقة الإيغور ويعني وطن الأتراك).

لأن هذه التوجهات القومية التركستانية أو الإسلامية من شأنها أن تؤثر على إقليم الإيغور المجاور، الذي يشترك مع جمهوريات آسيا الوسطى ومنها كازاخستان في الانتماء للإسلام والأصول العرقية التركية، والمعاناة من الحكم الشيوعي.

وشاركت الصين وروسيا مع دول آسيا الوسطى الإسلامية في تأسيس منظمة أمنية وسياسية واقتصادية هي منظمة شنغهاي. وتأسست هذه المنظمة عام 2001 في شنغهاي، على يد قادة ست دول آسيوية؛ هي الصين، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وروسيا، وطاجيكستان، وأوزبكستان. وقع ميثاق منظمة شنغهاي للتعاون في يونيو/حزيران 2002، واتسعت بعد ذلك لتضم الهند وباكستان ثم إيران في عام 2021.

وتعد الصين واحدة من أكثر دول العالم المعنية باستمرار النظام الحالي، في كازاخستان، بشكله الحالي، فأي تغيير في النظام أو تطور في تركيبته نحو مزيد من الانفتاح قد يؤدي إلى صعود الشعور الإسلامي أو التركستاني الذي يربط بين شعوب المنطقة والإيغور، خاصة أن إقليم شينجيانغ الصيني الذي يوجد به الإيغور يضم أقلية كازاخية مسلمة ذات وزن وهي تتعرض للاضطهاد الصيني مع الإيغور.

عربي بوست