وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

حرب اليمن – حرب امبريالية الولايات المتحدة

السياسية – متابعات :

بقلم: جورج ميغلي*(مجلة “تيليبوليس” الألمانية، ترجمة: نشوى الرازحي-سبأ)-
الحرب في اليمن ليست حرباً سعودية إماراتية وإنما هي واحدة من حروب الولايات المتحدة الأميركية في المقام الأول.
حرب اليمن هي نفس حروب أميركية سبقت ضد العراق (بدءا من العام 2003)، ليبيا (2011) وسورية (بدءا من العام 2011)- وكذلك الحرب القادمة في الشرق الأوسط التي خططت لها أميركا (التي خُطط لها في أحد أعوام القرن العشرين ومازالت عملية التتبع لمعرفة العام بدقة قائمة). حرب اليمن هي مثل هذه الحروب أيضا، حرباً امبريالية، أي أنها حرب تقودها أمبريالية وتلك الأمبريالية هي الولايات المتحدة على وجه التحديد من أجل أن تضمن لنفسها تحقيق مزيد من أهداف بسط الهيمنة الاستراتيجية. بعبارة أخرى، حرب اليمن هي ليست حرباً سعودية إماراتية بالمقام الأول وإنما هي “حرب أميركية خالصة”
هذة هي الأطروحة الرئيسية التي لخصت التوضيح للحرب على اليمن الذي أصدرته المؤسسة البحثية السويسرية (إس بي آر SPR) وتحليلات أخرى على نحو واضح.
ما الذي يمكن أخذه بالاعتبار من “توضيح الحرب” هذا؟
الولايات المتحدة الأمريكية – هي إمبريالية
معروف أن الهدف النهائي للإمبريالية هو الحفاظ على الذات. وبالتالي يكون النهج المُتبع في سلوكيات المُسيطر: إفعل كل ما من شأنه أن يضمن بسط الهيمنة على الدول الأخرى. تلك الدول الأخرى التي هي إما دولاً عميلة أو تلك التي ما زالت بحاجة إلى القيام بذلك من وجهة نظر الدولة الامبريالية.
كما تتبع الإمبريالية منطق إما – أو. إما صديق (دولة عميلة) أو عدو. والقول الدارج لهذا المنطق هو: من ليس معنا فهو ضدنا.
زبيغنيو بريسيسينكسي واحد من أكثر الاستراتيجين الأميركيين تأثيراً في العقود الأخيرة، سمّى الدول العميلة ذات الانفتاح الوحشي بـ “الدول الأجيرة”.
حرب اليمن كحرب امبريالية للولايات المتحدة:
من هذا التوضيح البسيط، يكون منطق الحرب الإمبريالية هذا، بالإضافة إلى بعض الحقائق حول الدول المعنية، هو في الأساس كل ما نحتاجه لفهم الحرب اليمنية. على الأقل وفقا لنهج توضيح مؤسسة إس بي آر SPR.
ولكن ما الذي قدمه هذا النهج من أجل فهم أفضل لحرب اليمن؟ أعتقد أنه قدم الكثير.
والأهم من ذلك، أن هذا النهج قدم لنا منظورا يمكننا من خلاله أن ننظر إلى حرب اليمن على نحو أشمل. حيث كانت جميع التفسيرات التي اطلعنا عليها حتى الآن جزئية:
1ـ الخوف السعودي (جنون الارتياب) من تهديد إيران المزعوم عن طريق الحوثيين الشيعة؟ (التفسير الذي من خلاله تم التبرير لشن الحرب على اليمن الآن؟
2ـ احتياطي ضخم من النفط والغاز في اليمن ما يزال سري حتى الآن؟ (التفسير الذي قيل بأنه السبب الحقيقي للحرب على اليمن.).
3ـ موقع اليمن المهم جغرافياً وبحرياً؟ (التفسير الذي يتحدث عن أن موقع اليمن هو السبب الحقيقي للحرب.
جاء بيان SPR بتوضيح للحرب أكثر شمولية: حيث راعى جميع التفسيرات الجزئية المذكورة أعلاه وربط فيما بينها على نحو متسق؛ وهذا التفسير هو أيضا هيكلي: كل امبراطورية، كل نظام دولة، يتبع المنطق أعلاه وفي نفس الوضع مثل الولايات المتحدة، سيكون رد فعله بنفس الطريقة مثل الولايات المتحدة كونها قدمت مساعدتها للتابعين لها في إبريل 2015 حول الوضع في اليمن: باستخدام القوة العسكرية.
هذا يعني في الأساس أن هيمنة إمبريالية (الولايات المتحدة الأمريكية) هي ما يقف وراء الحرب على اليمن. و “حزب الحرب الرسمي” (السعوديون والإماراتيون وما إلى ذلك) هم المنفذون – وفي هذه الحالة من الواضح أن يكون من المفضل أن من يقوم بذلك هو فقط من يلتزم بواجب التبعية. وقد كانت تلك هي العملية المألوفة منذ عهد أوباما- وهذا يعني القيادة عن بعد. وكانت حرب ليبيا تمثل هذه الحرب عن بعد. حيث كانت الولايات المتحدة الأميركية هي القائد العسكري الأعلى وفرنسا وبريطانيا وتحالف عربي هم من يتولون دور تنفيذ العمل القذر (القصف). والشيء نفسه يحدث في اليمن.
لكن كيف يتلاءم اليمن مع مخطط المنطق الإمبراطوري؟ وهل كانت يمن 2015 دولة عميلة للولايات المتحدة؟
الجواب: حتى نهاية العام 2014، أي بعد انسحاب صالح بعد حكم دام لسنوات طويلة وثم بعد استقالته في ظل حكم خلفه هادي كان واضح تماماً أنه “نعم”
وقد جعل توضيح مؤسسة SPR من الكلمة التي ألقاها الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية سي آي إيه، جون بينون أمام مجلس العلاقات الخارجية دليلا على ذلك. ومع تولي جماعة مناهضة للولايات المتحدة ومناهضة لإسرائيل الحكم في سبتمبر 2014 من الواضح أن الجواب أصبح على السؤال “كلا”. سيطر الحوثيون على الحكومة الجديدة و (آنذاك) لم يكن بالإمكان شراؤهم لا بالمال السعودي الوفير ولا بغيره. ولم يكن بالإمكان اكتسابهم كعملاء. وبالتالي لم يكن بالإمكان سوى اتخاذ “العمل العسكري” ضدهم.
ولم يكن هذا “العمل العسكري” عملاً أميركياً مباشراً بل كان مجرد نشاط غير مباشر لما يسمى بـ العملاء (الذين ينفذون كل ما هو ضروري للإمبريالية وعلى نفقتهم الخاصة أيضا).
ومع ذلك، من المهم إجراء تقييم لاحق لهذه الإجراءات: حيث تعتبر الجهات الفاعلة بصورة غير مباشرة – المجرمين عن بعد – هم الجناة. فمن وجه بالقتل هو من يتحمل ذنب القتل.
ولكن لما لم يُسلط الضوء على عمليات القتل الواسعة في ليبيا ومنذ أكثر من ثلاث سنوات أيضا في اليمن إلا عندما قُتل الصحفي السعودي خاشقجي.
أو العكس: ما الذي فعله القائد عن بُعد في مقتل شخص يدعى خاشقجي عندما قام عميل بفعل ما لا يتوافق مع ما تريده الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي ودول أخرى عميلة للولايات المتحدة ولا يُقاس به في زمن الحرب وزمن مكافحة الإرهاب يوماً بعد يوم؟
ولماذا بات يتعين على محمد بن سلمان أو عميل غيره أن يشعر بأنه ارتكب خطأ في حال كهذه؟ هل لأن الأمير الأمير الحركي الشاب لم يمتثل تماما لسيده الغربي وهيمنته؟
إن التمعن في منطق الحروب الامبريالية يجعلنا ننظر إلى حرب اليمن من زاوية أخرى بالإضافة إلى المقاربات التفسيرية السابقة.
حرب اليمن- من زاوية جديدة
لماذا تم شن هذه الحرب من قبل السعوديين في أبريل 2015؟ كانت إجابتي على هذا السؤال في العام 2015 كالتالي: لأن افتتاح الحرب كان قبل إبرام اتفاق نووي في جنيف مع إيران بخمس دقائق بإشارة واضحة إلى إدارة أوباما وغيره من الموقعين على اتفاقية جنيف، كون المملكة العربية السعودية ليست مُلزمة بهذه الاتفاقية وكي لا يتم حصر عملياتها ضد الحوثيين على وجه الخصوص.
وكمبادرة بدأتها الإمبريالية نفسها أو، كما سنفترض، على الأقل إجراء تمت التغطية عليه ، فإن الإجراء نفسه يكتسب بعداً هاماً أعمق بكثير. على سبيل المثال ، كتهديد أمريكي لإيران ، حيث أنه في حالة حدوث أي انتهاك محتمل لهذه الاتفاقية، فإن الحلفاء السعوديين – إلى جانب شريك إسرائيل المرفوض نوعا ما – سيكونون أكثر استعداداً للرد. إن مثل هذه السياسة الإمبريالية المهيكلة ليست أكثر من استراتيجية مزدوجة معتادة وهي إستراتيجية كانت الولايات المتحدة فيها بطل العالم الذي لا يهزم لفترة طويلة في الشرق الأوسط.
لقد سُدت الفجوة التفسيرية التي كانت قائمة حتى الآن في حرب اليمن وذلك بفضل منطق الحروب الإمبريالية وقبل كل شيء من الناحية الجيوسياسية.
ودائما تكون الامبريالية هي التي تحدد مدى أهمية الناحية الجيوسياسية وليس أتباعها من الحكام المستبدين. وبالتالي تكتسب بفضل هذا المنطق وبضربة واحدة أيضا عمقاً جيوستراتيجيا (مثل بسط النفوذ على طرق نقل الغاز والنفط.
تركز الاستراتيجية الجغرافية للعقود القادمة على التوتر بين الولايات المتحدة والصين (وربما الصين بلإضافة إلى روسيا). عندئذ فقط سوف نفكر في الدور الذي تلعبه إيران – باعتبارها المورد الرئيسي للطاقة في الصين – ونفكر في دورها المركزي في فهم أعمق لموقف الحرب في اليمن. وهذا بدوره يوضح تماماً كيف كان لمسألة التمييز بين السنة والشيعة في نهاية المطاف أهمية أولية و – و بناء عليها فهم ما وراء الطريقة الدعائية البحتة – في هذا السياق.
الخلاصة: لقد وضح لنا منطق الحروب الامبريالية كيفية التوصل إلى فهم حرب اليمن وتكوين صورة شاملة حولها.
ــــــــــــــــــــــــ
* جورج ميغلي هو محلل وفيلسوف ألماني