وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

لماذا لا يجب على موسكو أن تراهن على “يالطا ثانية”؟

السياسية:

قد تجبر روسيا والصين الولايات المتحدة على التخلي عن السياسة التوسعية، إلّا أنّ العودة الى مؤتمر يالطا، عام 1945 غير مرجّحة.

الكاتب الروسي، ألكسي فينينكو، يتحدث في مقالٍ له عن مشروع “يالطا الجديدة” الذي يتمحور حول إمكانية توقيع اتفاقية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين، وتقسيم مجالات النفوذ.

وفيما يلي نص المقال الذي نقله إلى العربية فهيم الصوراني:

في الآونة الأخيرة، بدأ المحللون السياسيون الروس مناقشةَ مشروع “يالطا الجديدة”، الذي يتمحور حول إمكان توقيع اتفاقية بين القوى العظمى في العالم المعاصر (الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين)، وتقسيم مجالات النفوذ، ووضع قواعد جديدة للعلاقات فيما بينها.

عبارة “يالطا الجديدة” (أو كما يقولون، “يالطا الثانية”) تشير إلى مؤتمرة ا يالطا الذي عُقد في شباط/فبراير 1945، حينما وضعت القوى الثلاث المنتصرة في الحرب – الاتحاد السوفياتي وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة – خطوطاً فاصلة في أوروبا، وجزئياً في القارة الآسيوية. وعلى مدى الأعوام العشرة الماضية، رفضت جميع الإدارات الأميركية “يالطا الجديدة”، بحجة أن السياسة الأميركية لا تقبل فكرة مناطق النفوذ. إن فكرة “يالطا الجديدة” تتلخّص في أن موسكو وبكين ستكونان قادرتين على إجبار واشنطن على مثل هذه الاتفاقية من أجل استقرار النظام العالمي.

للوهلة الأولى، تبدو هذه الفرضية منطقية. وكما يقول المنظّر العسكري الألماني، كارل فون كلاوزفيتز، فإن الحرب هي استمرار للسياسة، لكن بوسائل أخرى. ربما ستُجبر العملية الروسية في أوكرانيا (وربما العملية الصينية الافتراضية المستقبلية في تايوان)، بالفعل، الولايات المتحدة على تقديم تنازلات والتخلي عن سياسة التوسع العالمي. ربما تكون نهاية السلسلة الحالية من الحروب المحدودة، التي بدأت بعد انهيار المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي، هي تطوير نوع من الاتفاق بين الدول. ومع ذلك، من غير المرجَّح أن تشبه هذه الاتفاقية مؤتمر يالطا، عام 1945.

يتباين الوضع الحالي تبايناً جوهرياً عن المرحلة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، نتيجة أربعة أسباب على الأقل. فآنذاك، كان الاتحاد السوفياتي وبريطانيا والولايات المتحدة حلفاء رسميين. أمّا اليوم، فإن الولايات المتحدة وروسيا هما قادتا الكتل العسكرية السياسية، التي يُعادي بعضُها بعضاً. كما لا تمتلك القوى الكبرى الثلاث في العالم المعاصر عدواً مشتركاً، كما كانت عليه الحال مع دول المحور، خلال الحرب العالمية الثانية.

علاوة على ذلك، عملت دول التحالف المناهض لهتلر، معاً، على مشروع نظام عالمي جديد منذ عام 1941، بينما تمتلك جميع القوى العظمى اليوم رؤية متباينة وغير متوافقة حيال المستقبل. كما كانت قوى التحالف المناهض لألمانيا تبني نظاماً عالمياً جديداً بصورة أساسية، يقضي على بقايا نظام فيينا للقرن التاسع عشر. أمّا في الوقت الحاضر، فما زلنا نعيش في نظام يالطا، وعلى أساس بنيته، سياسياً واقتصادياً وقانونياً.

وضعت الحرب العالمية الثانية جميع النقاط على الحروف، وانتهت باستسلام قوى المحور الخاسرة، وتصفية مجمّعاتها الصناعية العسكرية، وإعادة تشكيل أنظمتها السياسية بالكامل. ولم تُطرَح في قمة يالطا أسئلة، من قَبيل: مَن ربح ومَن خسر. إن الحلقة الجديدة من الحروب المحدودة، والتي ما فتئت تطول وتكتسب زخماً منذ عام 1990، لم تضع حلولاً لهذه المشكلة.

وحتى مع النجاحات العسكرية الكبرى لروسيا والصين (افتراضياً)، لا تزال الولايات المتحدة قوة عسكرية عظمى، ويظل الناتو أكبر كتلة عسكرية سياسية. سيكون الاتفاق – على الأرجح – بداية لمرحلة جديدة في الصراع بين الدول، وليس انتقال النظام العالمي إلى نوع مغاير جوهرياً.

في مثل هذه الحالة، لن تشبه اتفاقية محتملة بين القوى العظمى “مؤتمر يالطا” عام 1945، بل “مؤتمر برلين” عام 1878. فرسمياً، أنهى هذا المؤتمر الحرب الروسية التركية عام 1877، وهي في الواقع، نهاية فترة الحروب من عام 1853 إلى عام 1878؛ من حرب القرم إلى الحرب الروسية التركية.

قسّم مؤتمر برلين البلقان إلى مناطق نفوذ، وجلب السلام إلى أوروبا على مدى الأعوام الـ 35 التالية: اي حتى بداية حروب البلقان في عام 1912، والتي تصاعدت إلى الحرب العالمية الأولى.

لم تُرضِ قراراتُ “مؤتمر برلين” أياً من الجانبين. اعتقدت روسيا أنها حُرمت من الانتصار (على الرغم من أن بسمارك قال إنه “لم تعرف روسيا مثل هذه النجاحات من قبلُ كتلك التي ضمنها لها مؤتمر برلين”). كما شعرت الإمبرطورية النمساوية المجرية بأن روسيا انتهكت اتفاقيات ما قبل الحرب، وكانت تضغط عليها للخروج من البلقان. أمّا ألمانيا، ففي مواجهة العداء النمساوي الروسي، اتخذت خياراً لمصلحة فيينا، وليس سانت بطرسبرغ (عاصمة روسيا آنذاك)، الأمر الذي شكّل مقدمة للحروب العالمية في القرن العشرين. أمّا بريطانيا، فشعرت لأول مرة بأن الترادف النمساوي الألماني، في الواقع، سيٌزيلها من أوروبا القارية.

لم يكن هناك رابحون وخاسرون واضحون: شعر الجميع بالإهانة والاستعداد للانتقام. لذلك، بعد “مؤتمر برلين”، أصبحت العلاقات الدولية ملائمة لتشكيل التحالفات العسكرية السياسية، في ظل التطور المتسارع للمفاهيم العسكرية والتسليح.

أصبح “مؤتمر برلين” نقطة الانطلاق للحروب العالمية المقبلة، بعد أن أجّلها 35 عاماً. نَأَتْ روسيا بنفسها عن ألمانيا، ودخلت في صراع مع الإمبراطورية النمساوية المجرية. وكانت نتيجة النزاع التاريخي بين روسيا والمانيا هي تقسيم أوروبا إلى كتلتين: الكتلة النمساوية الألمانية، والكتلة الفرنسية الروسية، التي اندمجت لاحقاً في وفاق ثلاثي، بمشاركة بريطانيا العظمى.

كان السلام الذي وسعه “مؤتمر برلين” لا يزال نمساوياً (نسخة فيينا)، فلقد هيمنت عليه تقريباً القوى المنتصرة نفسها في حروب نابليون. لكن الصيغة النمساوية “الممدّدة” لم تعد تلائم أحداً، وأصبحت القوى العظمى تستعد لمعركة جديدة أكثر جدية.

كما أن المناخ النفسي تغيّر أيضاً. كانت نهاية القرن التاسع عشر وقت التأكيد التدريجي لفكرة حتمية الحرب العالمية. وكما قال أحد أبطال روايات الكاتب السوفياتي، فالنتين بيكول، مردِّداً كلام الكاتب الفرنسي مارسيل بروست: “لم يتفاجأ الناس في حِقبتي المحمومة لماذا لم تبدأ الحرب اليوم، بل فوجئوا لماذا لم تبدأ بالأمس!”.

لقد ساهم في تعزيز هذا الاتجاه صعودُ الشوفينية في عموم أوروبا، وهي الأيديولوجيا التي تفترض إلزامية الكراهية، ليس فقط ضد الحكومات، بل ضد شعوب الدول المعادية بأكملها. وأصبح إحراق رموز الدول المعادية، كمجسَّمات برج إيفل أو بوابة براندنبورغ، وسيلةَ تسلية عادية للعواصم والمقاطعات الأوروبية.

بعد الحرب العالمية الثانية، بدا هذا العالم كأنه شيء من الماضي. لكن، بناءً على الأحداث الأخيرة، بدأ العودةَ بنشاط.

إن انتظار “يالطا الجديدة” في وقتنا الحالي ليس بالأمر الواقعي. بالنسبة إلى “يالطا”، هناك حاجة إلى حروب شاملة، تقضي على عالم الماضي وتخلق عالم المستقبل. إن الحروب المحدودة، عاجلاً أو آجلاً، تنتهي بـ”مؤتمر برلين جديد”، يجلب سلاماً طويل الأمد مع التحضير لحرب جديدة. الاتفاق المستقبلي للقوى العظمى من المرجّح أن يُطيل عمر نظام “يالطا”، كما فعل “مؤتمر برلين” فيما يتعلق بالنسخة النمساوية. لكن هذا سيكون ولادة جديدة في المرحلة الأخيرة من تطورها، إذ إن من الممكن تماماً أن يكرّر نظام “يالطا”، في جولة جديدة من التطور، مسارَ ترتيب فيينا الذي سبقه: “من نابليون إلى سراييفو”.

* المصدر : المادة الصحفية نقلت من موقع الميادين نت