وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

جزر الكوريل ومآلات “النزاعات المجمدة” في المحيط الروسي

السياسية:

توقيع اليابان على معاهدة “سان فرنسيسكو”، يضمن الموافقة على تخليها عن أي مطالبة بحقوقها في جزر الكوريل والمناطق جنوبي جزيرة “سخالين”.

التقى الرئيس الروسي رئيسَ الوزراء الياباني نحو 25 مرة، بين عامي 2007 و2020، في محاولة للتوصل إلى صيغة نهائية لحل هذا الملف، لكن من دون أي نتيجة.

أفرزت الحرب في أوكرانيا عدداً من النتائج الجيوسياسية والاستراتيجية على المستوى الدولي، إلّا أن تسخين “النزاعات الجغرافية المجمدة”، في عدة مناطق في العالم، يمكن اعتباره من أبرز هذه النتائج، بحيث أعادت المعارك الحالية في أوكرانيا إلى الأذهان، الملفات المتعلقة ببعض المعضلات التي طرأت على الوضع الدولي عقب الحرب العالمية الثانية، وظلت من دون حلول جذرية منذ نهاية الحرب حتى الآن، مثل ملف سلسلة جزر “الكوريل”، الذي ظل عقبة أساسية حيال التطبيع الكامل للعلاقات بين طوكيو وموسكو، وأدى إلى عدم توقيع الجانبين معاهدة سلام نهائية، تكتب نهاية رسمية لحالة الحرب التي استعرت بينهما خلال الفصل الأخير من الحرب العالمية الثانية.

عودة الأضواء مرة أخرى إلى هذا الملف، كانت من نتائج الوضع القائم حالياً في أوكرانيا،بحيث تسبب تموضع طوكيو في الزاوية المؤيدة لكييف في هذه الحرب، وانضمامها إلى الدول التي وقّعت عقوبات على موسكو، بإنهاء الأخيرة مشاركتها في المفاوضات بشأن جزر “الكوريل”، والتي كانت تجري – بصورة متقطعة – منذ خمسينيات القرن الماضي. التصعيد المفاجئ من جانب موسكو في هذا الملف، وإن كان مرتبطاً بصورة أساسية بموقف طوكيو المؤيد لكييف، إلّا أنه يرتبط برواسب تاريخية واستراتيجية ترسّخت خلال العقود الماضية، بشأن سلسلة الجزر التي تتزايد أهميتها بالنسبة إلى كِلا الطرفين، عاماً بعد آخر.

جغرافيا جزر الكوريل وتاريخها
تمتد سلسلة جزر “الكوريل” – التي تضم نحو 56 جزيرة – على مسافة 1200 كيلومتر، وتربط – على شكل قوس – بين الطرف الجنوبي لشبه جزيرة “كامتشاتكا” الروسية والطرف الشمالي الشرقي لجزيرة “هوكايدو” اليابانية، كما تشكل فاصلاً طبيعياً بين بحر “أوخوتسك” الروسي والمحيط الهادئ. تم اكتشاف سلسلة الجزر هذه عام 1634 على أيدي البحارة الهولنديين، وتبلغ مساحتها الكلية 10.5 آلاف كيلومتر مربع. وتتألف هذه السلسلة من سلسلتين متوازيتين من الجزر، هما السلسلة الكبرى والصغرى، وتضمان مجتمعتين نحو 30 جزيرة كبيرة، إلى جانب عشرات الجزر الصغيرة، التي تنقسم بدورها إلى قسمين، جزر الكوريل الشمالية، وجزر الكوريل الجنوبية.

قام اليابانيون باستيطان هذه السلسلة من الجزر خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لكن يمكن اعتبار عام 1711 بداية التنافس الروسي – الياباني في هذه الجزر، حين غزتها موسكو للمرة الأولى، وبحلول عام 1835، كانت كل جزر هذه السلسلة – عدا جزر الكوريل الجنوبية الأربع، وهي “أيتوروب” و”كوناشير” و”شيكوتان” و”هابوماي” – أصبحت تحت السيطرة الروسية. تم تأطير هذا الوضع قانونياً بين موسكو وطوكيو عام 1855، بعد أن وقعتا معاهدة “شيمودا”، التي أقرت سيادة روسيا على كامل سلسلة جزر الكوريل، عدا الجزر الجنوبية الأربع، التي احتفظت طوكيو بالسيادة عليها. إلّا أن موسكو تنازلت لاحقاً عن كل جزر الكوريل، بموجب معاهدة “سان بطرسبرغ”، التي وقّعتها مع اليابان عام 1875، وتنازلت بموجبها عن هذه الجزر في مقابل تأكيد سيادتها على جزيرة “سخالين” الاستراتيجية.

لم يتمّ تفعيل هذه الاتفاقية بصورة كاملة إلّا بعد أن انتصرت اليابان على الامبراطورية الروسية عام 1905، ووقعت معها معاهدة “بورتسموث”، التي أكدت فيها موسكو تنازلها عن كامل جزر سلسلة الكوريل، وبعض الأراضي الواقعة جنوبي جزيرة “سخالين”. خلال العقود اللاحقة، قامت الحكومة اليابانية بإعادة بناء المدن والبنى التحتية داخل جزر الكوريل، وتدفق في هذه الجزر آلافُ اليابانيين، الذين عملوا في الصيد والتعدين.

خسرت طوكيو مجدداً كامل سلسلة جزر الكوريل أواخر الحرب العالمية الثانية، بعد أن أعلن الاتحاد السوفياتي الحرب على الإمبراطورية اليابانية في الثامن من آب/أغسطس 1945، وتمكنت القوات السوفياتية، بعد معركة عنيفة مع القوات اليابانية في جزيرة “شامسو”، من السيطرة على كل جزر هذه السلسلة، لتحقق الهدف الأساسي الذي أعلنت الحرب على الإمبراطورية اليابانية من أجله، ألا وهو السيطرة على كل جزر الكوريل، وهو الهدف الذي وعدت واشنطن موسكو بمساعدتها على تحقيقه، وذلك خلال المباحثات التي ترافقت مع توقيع اتفاقية “يالطا” أوائل عام 1945.

النتيجة الميدانية السوفياتية في هذه المعركة، إلى جانب ما تضمنه إعلان “بوتسدام” الذي أصدره الحلفاء في تموز/يوليو 1945، شكّلا الأساس الذي استندت إليه موسكو لشرعنة سيطرتها على كل أنحاء سلسلة جزيرة الكوريل، ثم قامت بدمج هذه الجزر رسمياً في أراضي الاتحاد السوفياتي في شباط/فبراير 1947، وأصدرت قراراً يقضي بترحيل كل السكان اليابانيين إلى الداخل الياباني. لم يستمرّ صمت طوكيو طويلاً حيال هذا الأمر، وأعلنت الحكومة اليابانية، عام 1949، عدم وجود أي أساس قانوني لاتفاقية “يالطا”، وطالبت بالسيادة الكاملة على جزر الكوريل الجنوبية الأربع.

الكوريل في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية
ظلت طوكيو على موقفها هذا، على الرغم من قيامها بالتوقيع عام 1951، على معاهدة “سان فرانسيسكو” للسلام، والتي شكلت الإطار الأساسي للعلاقة بين اليابان والحلفاء عقب الحرب العالمية الثانية. توقيع اليابان على هذه المعاهدة، تضمّن الموافقة على تخلّيها عن أي مطالبة بحقوقها في جزر الكوريل والمناطق جنوبي جزيرة “سخالين”. هذا البند ارتكزت عليه موسكو من أجل تأكيد عدم سيادة طوكيو على هذه الجزر، في حين جادلت طوكيو في القول إن الاتحاد السوفياتي لم يوقع على هذه الاتفاقية، وإن الجزر الأربع التي تطالب بها اليابان، لا تتبع أرخبيل الكوريل. وبالتالي، لا يسري عليها هذا البند، وهو جدل ظل مستمراً حتى وقتنا الحالي.

خلال العقود اللاحقة، جرت محاولات من جانب كِلا الجانبين، من أجل إيجاد حل لهذه المسألة، وكانت البداية في توقيع كِلا البلدين عام 1956، اتفاقيةً لإعادة تأسيس العلاقات الدبلوماسية بينهما، وإطلاق الجهود لإنهاء حالة الحرب التي كانت تقنياً ما زالت مستمرة بينهما. تزامنت هذه الخطوة مع اقتراح سوفياتي من أجل إعادة الجزيرتين الأصغر حجماً من جزر جنوبي الكوريل، وهما جزيرتا “شيكوتان” و”هابوماي”، إلى اليابان، في مقابل تنازل طوكيو عن مطالبها في الجزيرتين الأكبر حجماً، “أيتوروب” و”كوناشير”.

كان الهدف الأساسي للاقتراح السوفياتي، هو فكّ الارتباط بين اليابان والولايات المتحدة الأميركية، لكن اليابان رفضت – بإيعاز أميركي – هذا العرض، وأصرت على موقفها السابق الذي أعلنته عقب الحرب العالمية الثانية، وهذا أدى إلى تفاقم التوتر بين الجانبين، وخصوصاً فيما يتعلق بحقوق الصيد في بحر أوخوتسك وقبالة سواحل المقاطعات السوفياتية، وكذلك ملف إعادة أسرى الحرب اليابانيين، ووصل التوتر إلى ذروته عام 1960، بتوقيع كل من واشنطن وطوكيو، المعاهدة الأمنية الأستراتيجية بينهما، والتي في إثرها سحبت موسكو أقتراحها السالف ذكره، وأعلنت أنها لن تسلّم جزيرتي “هابوماي” و”شيكوتان”، ما لم تقم اليابان بإلغاء هذه المعاهدة، علماً بأن موسكو حاولت عام 1964، إقناع طوكيو بإنهاء هذه الاتفاقية، وإخراج القوات الأميركية من أوكيناوا، في مقابل إعادة هاتين الجزيرتين إليها، لكن لم تفلح في هذه المحاولة.

تكررت محاولات حل هذا الملف خلال سبعينيات القرن الماضي، الذي شهد تحسناً ملحوظاً في العلاقات بين الاتحاد السوفياتي واليابان، فلقد أظهرت الوثائق الدبلوماسية التي رفعت عنها السرية العام الماضي، أن الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف، قام بطرح الاقتراح السابق نفسه، والمتعلق بإعادة جزيرتين من جزر جنوبي الكوريل الأربع إلى اليابان، في مقابل توقيع طوكيو على معاهدة مع موسكو، تقر فيها بالوضع القائم في الكوريل، خلال القمة التي جمعته ورئيسَ الوزراء الياباني، تاناكا كاكوي، عام 1973، وهو ما كرره لاحقاً وزير الخارجية السوفياتي، أندريه غروميكو، خلال زيارته العاصمة اليابانية في كانون الثاني/يناير 1976، بهدف البحث عن نقطة مشتركة لإعادة إطلاق مباحثات السلام مع طوكيو، لكن كان الرد الياباني في الحالتين هو الرفض، فبدأت موسكو عام 1979 إعادة تأهيل المواقع العسكرية الموجودة في الجزر الأربع، وحشدت قوات كبيرة في عدة جزر في الكوريل، مثل “إيتوروفو” و”كوناشيري” و”شيكوتان”.

وعلى الرغم من “المرونة” التي شابت الأداء السوفياتي الخارجي، خلال المرحلة الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي، فإن تشدُّد موسكو تجاه هذه القضية ظل طاغياً خلال حقبة ميخائيل غورباتشوف، ما عدا محاولة تمت خلال الأشهر الأخيرة من عمر هذا الاتحاد، تواصل فيها المسؤولون السوفيات مع الحكومة اليابانية، وعرضوا عليها اقتراحاً يقضي بتأجير جزر الكوريل الجنوبية الأربع، وجزء من جزيرة “سخالين” لليابان، او تجديد الاقتراح السابق بإعادة جزيرتين من جزر جنوبي الكوريل الأربع إلى اليابان. لكن إصرار الأخيرة على الحصول على الجزر الأربع كاملة، أجهض هذه الاقتراحات.

موسكو والنظرة الحديثة إلى جزر الكوريل
استمرّ التشدد الروسي في هذا الصدد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بحيث لم يتخذ الرئيس الروسي بوريس يلتسين موقفاً مغايراً فيما يتعلق بهذه القضية، على الرغم من تقديم اليابان مساعدات مالية كبيرة إلى روسيا، وهذا ظهر بصورة كبيرة خلال زيارته طوكيو في تشرين الأول/أكتوبر 1993، بحيث لم تسفر هذه الزيارة عن أي جديد فيما يتعلق بهذه القضية.

بعد هذه الفترة، ظل ملف جزر الكوريل على حاله، على الرغم من منح روسيا عدة تسهيلات لليابان فيما يتعلق بجزر الكوريل الجنوبية، منها السماح لليابانيين الراغبين في زيارة الجزر، بدخولها من دون تأشيرات، كما سمحت للصيادين اليابانيين بالصيد في المنطقة الروسية الاقتصادية، لكن هذا الوضع لم يدم طويلاً، بحيث عادت التوترات إلى التصاعد ببطء بين الجانبين، وخصوصاً على خلفية أنشطة الصيد اليابانية في هذه المنطقة، والتي بدأت وحدات حرس السواحل الروسية في التضييق عليها منذ عام 2006.

بدأت موسكو، مطلع عام 2011، تنفيذ استراتيجية جديدة تعتمد على توسيع الوجود العسكري في الجزر الأربع المتنازع عليها، وكذلك تعظيم الاستفادة الاقتصادية من هذه الجزر الغنية بالموارد الطبيعية. تمثل هذه الجزر موطئ قدم مهماً للجيش الروسي في المحيط الهادئ، وتمثل نقطة ارتكاز تسمح بالاستفادة من المضائق غير المتجمدة الموجودة في هذا النطاق، مثل مضيقي “فريز” و”كاثرين، بحيث يُعَدّ الأول الممر البحري الأساسي للقطع البحرية وسفن الشحن الروسية المنطلقة من موانئ جزيرة “ساخالين” ومحيطها، ناهيك باعتبار هذه الجزر بمثابة بوابات حماية لبحر “أوخوتسك” الداخلي، الذي ستفقد موسكو – في حالة تخليها عن هذه الجزر – حقوقها في هذا النطاق البحري. يُضاف إلى ما سبق احتواء هذه الجزر على ثروة سمكية متنوعة، واحتياطيات كبيرة من الغاز والنفط، تتراوح التقديرات الخاصة بها بين 400 و500 مليون طن، بالإضافة إلى المعادن النادرة التي تحتوي عليها جزر الكوريل، وخصوصاً جزيرة “أيتوروب”.

لذا، سارت موسكو منذ زيارة رئيس الوزراء السابق ديمتري مدفيديف لجزر الكوريل الجنوبية عام 2011، قُدُماً نحو تحقيق هذه الأهداف، بالتوازي مع مساعي مشتركة مع طوكيو لحل هذه الأزمة. خلال زيارة مدفيديف السالف ذكرها، أصدر امراً يقضي بنشر أسلحة متطورة في جزر الكوريل الجنوبية، وتعزيز الفرقة الثامنة عشرة، وهي القوة العسكرية الروسية الأساسية التي تتمركز في جزر “أيتوروب” و”كوناشير” و”سيكوتان”، بحيث تلقّت هذه الفرقة مزيداً من الجنود والعتاد ووحدات الدفاع الجوي والساحلي منذ ذلك التوقيت حتى الآن، ويقدَّر تعداد الجنود الموجودين في هذا النطاق بنحو 3500 جندي.

بداية هذا التعزيز كانت عام 2016، بوصول وحدات الدفاع الساحلي الصاروخية من نوعي “باستيون” و”بال” إلى جزيرتي “كوناشير” و”أيتوروب”، وتمركزها بصورة قتالية فيهما، بالتزامن مع تأسيس أسطول المحيط الهادئ الروسي عدة مرافق للصيانة والإعاشة خاصة بهذه المنظومات، التي تم تعزيزها أواخر عام 2021، بمنظومات إضافية من نوع “باستيون”، التي يصل مداها إلى 450 كيلومتراً. على مستوى الدفاع الجوي، خدمت في هذه الجزيرة منذ عام 2016، منظومات الدفاع الجوي “تور-أم” و”بوك-أم”، وتم تعزيزها أواخر عام 2020، ببطاريات الدفاع الجوي البعيدة المدى “أس-300 في4”.

ما سبق يُضاف إلى عمليات التحديث والإنشاء المستمرة للمواقع العسكرية الجديدة في الجزر الأربع، وهو ما أثار عام 2018 احتجاج طوكيو، التي سبق واحتجّت على قيام أسطول المحيط الهادئ الروسي، بإرسال بعثة إلى جزر الكوريل الجنوبية، للبحث في إمكان إنشاء قاعدة بحرية في جزيرة “ماتوا”، وهو ما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنه جارٍ بالفعل عام 2017. على مستوى التدريبات العسكرية، درجت القوات الروسية على تنفيذها بصورة دائمة في هذا النطاق، كان أبرزها تدريبات تمت في أيلول/سبتمبر الماضي وأخرى تمت الشهر الجاري، شارك فيها عشرة آلاف جندي، واثنتا عشرة قطعة بحرية، وأكثر من ثلاثين طائرة.

على المستوى الاقتصادي، أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أيلول/سبتمبر الماضي، عزم موسكو إنشاءَ منطقة حرة لمدة 10 أعوام، على جزر الكوريل، ، بهدف تشجيع الاستثمار الخارجي، علماً بأن موسكو استضافت في نيسان/أبريل الماضي، مؤتمراً دولياً للاستثمار في جزر الكوريل. سبق أن أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي، يوري تروتنيف، في آب/أغسطس الماضي، عن خطة تنموية خمسية، تستهدف النهوض بالبنيتين التحتية والاقتصادية لهذه الجزر، وهي خطة مبنية على الخلاصات التي توصّل إليها مسؤولون روس سبق أن زاروا هذه الجزر، مثل زيارة نائبَي رئيس الوزراء الروسي، ديمتري غريغورينكو ومارات خوسنولين، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ورئيس الوزراء السابق، ديمتري مدفيديف، في آب/أغسطس 2018، وزيارة رئيس الوزراء الحالي، ميخائيل ميشوستين، في تموز/يوليو الماضي.

التعقيدات الأخيرة لهذا الملف
على الرغم من مضي موسكو قُدُماً في المسارات السالف ذكرها خلال العقدين الأخيرين، فإنها حاولت التوصل إلى حلول مع طوكيو، بحيث التقى الرئيس الروسي رئيسَ الوزراء الياباني، شينزو آبي، نحو خمس وعشرين مرة، بين عامي 2007 و2020، في محاولة للتوصل إلى صيغة نهائية لحل هذا الملف، لكن لم تفلح هذه اللقاءات في التوصل إلى أي نتيجة، على الرغم من تحقيق بعض التقدم في هذا الإطار، خلال لقائهما في سنغافورة عام 2018، وحينها تم الاتفاق على تسريع وتيرة مفاوضات السلام بين الجانبين، على أساس الإعلان المشترك الصادر عام 1956. في أيار/مايو 2019، زار وزيرا الدفاع والخارجية الروسيان طوكيو، في محاولة للبناء على ما تم التوافق عليه في سنغافورة، لكن لم يصلا إلى أي جديد في هذا الصدد، ودخول الملف فعلياً في مرحلة من الجمود، لم يحركها الاتصال الهاتفي الذي جمع، في تموز/يوليو الماضي، الرئيسَ الروسي ورئيسَ الوزراء الياباني السابق يوشيهيدي سوجا، والذي تضمّن الاتفاق على ما تم التوافق عليه سابقاً بين بوتين وشينزو آبي.

موقف هذا الملف ازداد تعقيداً عقب إعلان موسكو مؤخراً، الانسحابَ من مباحثات السلام مع اليابان بشأن هذه الجزر، وخصوصاً بعد أن كانت ردود الفعل اليابانية على هذا الإعلان متشددة بصورة لافتة، بحيث تحدّث رئيس الوزراء الياباني الحالي، فوميو كيشيدا، في آذار/مارس الماضي، عن أن الجزر الأربع هي جزء لا يتجزأ من الأراضي اليابانية، وهي صيغة تجنب من سبقوه في منصبه أستخدامها كى لا تتأثر العلاقات مع موسكو.

هذه الصيغة وردت أيضاً في الكتاب الأزرق الخاص بالخارجية اليابانية، والذي صدر منذ أيام، وهو تصرف، إذا أضفناه إلى حديث وزير الخارجية الياباني، هيديكي أوياما، في اليوم الثاني من العمليات الروسية في أوكرانيا، عن أن روسيا “تحتل الجزء الجنوبي من جزر الكوريل، منتهكة القانون الدولي”، يتضح لنا أن هذا الملف – المتجمد منذ عقود – أصبح فوق نيران التسخين التدريجي، والتي قد تفتح الوضع الاستراتيجي في المحيط الهادئ، على احتمالات قد تحمل في بعض زواياها، ملامح بعض الجبهات التي كانت نشطة خلال الحرب العالمية الثانية.
* بقلم : محمد منصور
* المصدر : المادة الصحفية نقلت من موقع الميادين نت