وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

هل يعود سعد الحريري إلی المعادلات السياسية اللبنانية؟

السياسية :

قبل يوم واحد من الانتخابات النيابية اللبنانية، وفي أعقاب مقاطعة الانتخابات من قبل رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري، وكذلك الحالية، تُثار تساؤلات حول ما إذا كان سيناريو عام 1992 الذي قاطع فيه المسيحيون الانتخابات اللبنانية أم لا سوف يتكرر هذه المرة ؟ وكيف ستكون اثاره على الساحة السياسية اللبنانية؟

فبعد انتهاء الحرب في لبنان والمصادقة على معاهدة الطائف عام 1990، دعا مسؤولون لبنانيون جدد إلى انتخابات نيابية بعد توقف دام 20 عامًا. وهكذا جرت الانتخابات النيابية عام 1992 وقاطعها المسيحيون، لأنهم اعتقدوا أن هذه الانتخابات ستجرى في وضع يقوم فيه الممثلون الحقيقيون بتهميشهم. في الواقع، في ذلك الوقت، كان المسيحيون قادرين على فرض مقاطعتهم الانتخابية في معظم أنحاء لبنان. لكن اليوم، يبدو أن أنصار تيار المستقبل يحاولون تكرار تجربة مقاطعة انتخابات 1992 اللبنانية، معتقدين أن هذه المقاطعة يمكن أن تنعش الحياة السياسية لسعد الحريري وتعيد مكانته كزعيم سياسي لا بديل له بين السنة. لكن في الواقع، إن المقاطعة الشاملة للانتخابات اللبنانية من قبل السنة في هذه المرحلة لن تكون ممكنة مثل مقاطعة المسيحيين عام 1992، للأسباب التالية:

الف) رغم إعلان سعد الحريري عدم خوض أي من نواب تيار المستقبل في الانتخابات باسم هذا التيار، فقد تم ترشيح العديد من قادة تيار المستقبل وممثليه السابقين لخوض الانتخابات النيابية اللبنانية، بمن فيهم “فؤاد السنيورة “. حيث شن رئيس الوزراء اللبناني الأسبق “فؤاد السنيورة”، بدعم من السعودية، حملة كبيرة لجذب أصوات السنة وكذلك قام بدعاية اعلامية كبرى ضد “حزب الله”. ورغم أن النواب المذكورين لم يشاركوا في الانتخابات باسم تيار المستقبل إلا أنهم اكتسبوا مصداقيتهم من هذا التيار. وتسعى قوى 14 آذار، المدعومة من سعد الحريري، وتحديداً حملة حزب القوات اللبنانية بقيادة “سمير جعجع”، بدعم من السفارتين الأمريكية والسعودية، إلى الحصول على أقصى عدد من المقاعد النيابية.

ب) بسبب الدعم الخارجي المادي والسياسي الواضح وبعض التحركات الدبلوماسية غير المسبوقة في لبنان، فإن تكرار تجربة مقاطعة انتخابات هذا البلد على غرار انتخابات 1992 بعيد عن المتوقع. ولقد زار السفير السعودي “وليد البخاري”، الذي عاد إلى بيروت قبل نحو شهر فور وصوله لبنان، مختلف أنحاء البلاد، ولا سيما المناطق السنية، ودعا القادة والسياسيين السنة إلى دعوة الناس للتصويت. كما قدم السفير السعودي اقتراحات مالية وسياسية للناخبين للتصويت للقوائم التي تدعمها السعودية، وخاصة المحسوبة على حزب القوات اللبنانية وفؤاد السنيورة.

إن الأموال المشبوهة التي تم جلبها من الخارج خلال الحملات الانتخابية في لبنان تأتي في إطار تحريض الناس على المشاركة في الانتخابات، وقد تؤثر على العديد من أنصار تيار المستقبل. وحسب مصادر مطلعة، فقد دخلت الأموال إلى لبنان من السعودية وبعض دول الخليج لتحريض السنة اللبنانيين على الذهاب إلى صناديق الاقتراع والتصويت لحزب القوات اللبنانية.

وفي ظل الوضع الحالي الذي تم فيه تهميش دور تيار المستقبل وشخص سعد الحريري في الساحة السياسية اللبنانية، تعتزم هذه الحركة استخدام كل الوسائل والتسهيلات المتاحة لتحقيق أهدافها واستعادة مكانة سعد الحريري. كما أن مقاطعة سعد الحريري وتيار المستقبل للانتخابات النيابية اللبنانية تجري في نفس السياق. لكن الحقيقة أنه حتى لو فرض اللبنانيون السنة مقاطة شاملة على الانتخابات النيابية اللبنانية، فلا يمكن للحريري العودة إلى المعادلة السياسية اللبنانية إلا إذا سمحت السعودية بذلك. وتجربة مقاطعة المسيحيين للانتخابات اللبنانية عام 1992 تظهر أنهم فشلوا في تحقيق أهدافهم في هذا الصدد ولم يكترث أحد بمقاطعة المسيحيين، فعادوا وشاركوا في انتخابات عام 1996.

الآن، إضافة إلى المؤامرات التي أطلقها حزب القوات اللبنانية بقيادة “سمير جعجع” ضد “سعد الحريري” في السعودية، سوف يضطر الحريري إلى دفع ثمن غضب السعوديين بسبب فشل مساعيه ضد “حزب الله”. الحقيقة أن “سعد الحريري” حاول جاهداً تجاوز هذا الغضب السعودي بمساعدة دولية، والآن مهما ضغط على مقاطعة الانتخابات النيابية اللبنانية، لا يزال غير قادر على منع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من القضاء على الحياة السياسية لسعد الحريري.

لقد صرحت شخصيات مقربة من الرياض في لبنان أن استياء السعودية من الحريري سيزداد إذا دعا إلى مقاطعة الانتخابات مرة أخرى. ومن ناحية أخرى، أفادت مصادر مطلعة بأنه بعد أيام قليلة من لقاء الشخصيات اللبنانية مع السفير السعودي، كرر البخاري تصريحاته بشكل أوضح وأعلن أن السعودية قد تطلب من الإمارات إبلاغ الحريري قبل الانتخابات بضرورة مشاركته. ولهذا فقد انتشر أنصاره في الانتخابات ولكن المضحك أن أنصار سعد الحريري مزقوا صور المرشحين السنة في بيروت بعد أيام قليلة من تصريحات وليد البخاري.

ولقد لجأت المملكة العربية السعودية الى رفع سقف خطابها الاعلامي ضد الحريري، بعدما لمست ان مفتاح النجاح في الانتخابات النيابية عند السنة في جيب “الشيخ سعد”. وعرف السفير السعودي في لبنان وليد البخاري الواقع الانتخابي السني، وسط التوجه الى مقاطعة واسعة تضامناً مع الحريري. رغم كل الاشارات السعودية، يتصلب الناخبون السنة رفضاً لاختيار لوائح تضم مرشحي حزب القوات، ايضاً لشعورهم ان رئيس القوات سمير جعجع “طعن الحريري سياسياً”. لم تستطع الرياض اقناع السنة بغير ذلك. ثمة حقيقة واضحة يجب على السعودية ان تعترف بها، وهي ان مسار الانتخابات النيابية عند السنة رهن موقف الحريري، فإذا استمر صمته ستنخفض نسبة الاقتراع، واذا ادلى بموقفه جذب الناخبين الى قراره.

ومنذ العام 2009، شكّل الحريري 3 حكومات، آخرها بعد انتخابات 2018 التي انتهت بتراجع حجم كتلته النيابية بنحو الثلث، وأرجع البعض انخفاض شعبيته حينها إلى تنازلات سياسية قدمها وبررها بالحفاظ على السلم الأهلي في مواجهة تنامي نفوذ “حزب الله”. وأحدث عزوف الحريري صدمة على الساحة السياسية وداخل طائفته. لكن دار الفتوى، المرجعية السنية الأعلى في البلاد، حذّرت مؤخراً من “خطورة الامتناع” عن الاقتراع ودعت إلى المشاركة الفعلية الكثيفة. ويتنافس على المقاعد السنية في مجلس النواب مرشحون من تيار المستقبل لم يمتثلوا لقرار الحريري، وآخرون مدعومون من رؤساء حكومات سابقين، ومرشحون مستقلون ومن مجموعات المعارضة التي أفرزتها احتجاجات 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2017، إضافة إلى مرشحي سنة آخرين.

* المصدر : الوقت التحليلي
* المادة تم نقلها حرفيا من المصدر ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع