وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

هل تتحكم الصين في أسواق النفط؟

السياسية:

كانت الصين وما زالت من كبار منتجي النفط في العالم، حيث تنتج حالياً نحو أربعة ملايين برميل يومياً، كما أن الشركات الصينية تنتج كميات إضافية في عدد من الدول. كان إنتاج النفط في الستينيات صغيراً، فإنه حقق قفزات عالية في السبعينيات والثمانينيات بعد الارتفاع الكبير في الأسعار في السبعينيات. واستمر بالزيادة مع الانفتاح الاقتصادي الذي سمح بنقل التقنية، واكتساب الشركات الصينية خبرات عالمية.

كانت الصين تصدر النفط، إلا أن العولمة وما صاحبها من انتقال للمصانع من الدول المتقدمة إلى الصين، زاد استهلاكها كثيراً حتى تحولت إلى مستورد صافٍ للنفط في التسعينيات. وما زاد الطين بلة، بخاصة في عام 2004، هو أن الدول الغربية أرسلت مصانعها للصين، ولكن الصين كانت تحاول إغراء الشركات الغربية الكبيرة بنقل مصانعها وتقنيتها إليها، ولكن تلك الشركات كانت مترددة في فعل ذلك بسبب نقص إمدادات الكهرباء. فضمنت لها الحكومة المركزية والحكومات المحلية إمدادات كاملة من الكهرباء، ولكن على حساب المصانع الصينية المتوسطة والصغيرة. وقررت الحكومة توريد الكهرباء لهذه المصانع الصينية يومين في الأسبوع فقط، وفي أوقات تحددها الحكومة. وبما أن الطلب العالمي على منتجات هذه المصانع الصينية كان كبيراً، قام أصحاب هذه المصانع باستخدام التوليد الخاص الذي يعتمد غالباً على الديزل، فزاد الطلب على الديزل، ومن ثم النفط، بشكل مفاجئ، ورفع أسعار النفط وقتها. ويقصد بالتوليد الخاص، تملك أو استئجار مولدات ضخمة توضع داخل المصنع أو بالقرب منه، وتعمل غالباً بواسطة الديزل.

وخفت حدة توليد الكهرباء الخاصة في عام 2005 بسبب قوانين العمل التي منعت أصحاب المصانع من تشغيل العمال صيفاً من دون وجود تكييف، بينما يكفي التوليد الخاص لتشغيل المصنع فقط، ولا يكفي لتشغيل المصنع والتكييف معاً. وتشتهر منطقة شمال شرقي الصين، حيث أغلب المصانع، بارتفاع درجات الحرارة والرطوبة في أشهر الصيف.

وسارعت الحكومة الصينية إلى بناء محطات كهرباء، بما في ذلك محطات نووية، وحلت أزمة نقص إمدادات الكهرباء خلال ثلاث سنوات، وتوقف التوليد الخاص، فإنه يعود من وقت إلى آخر كما حصل في الأشهر الأخيرة من العام الماضي مع انقطاع إمدادات الكهرباء عن بعض المناطق.

خلاصة الأمر هنا أن تحول بكين من مصدر صافٍ إلى مستورد صافٍ أثر في أسعار النفط، كما أن العجز في إمدادات الكهرباء أثر في أسواق النفط أيضاً.

المخزون الاستراتيجي

تقتنع القيادة الصينية أن الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، سيشن حرباً على الصين يوماً ما، وتتضمن هذه الحرب إغلاق مضيق ملقا الذي تمر منه أغلب واردات الصين من النفط والغاز وغيرها، لذلك قررت بكين بناء مخزون نفطي استراتيجي ضخم، يكفي لفترة طويلة من الزمن في حالة توقف الواردات النفطية.

منطق المخزون الاستراتيجي مبني على فكرة استخدامه وقت الطوارئ عندما تنخفض الإمدادات بشكل مفاجئ لسبب سياسي أو طبيعي. المخزون النفطي الاستراتيجي الأميركي مبني على هذه الفكرة ويحدد ذلك القانون، حتى قام الرئيس بايدن بالتحايل عليه والسحب منه للتأثير في أسعار النفط في الأشهر الأخيرة.

مخزون النفط الاستراتيجي الصيني لا يخضع لقوانين كهذه، ومن ثم فإن الحكومة الصينية تتحكم به كما تشاء. بعد انهيار أسعار النفط في عام 2020، اشترت الصين كميات كبيرة من النفط بأسعار زهيدة. أضافتها إلى المخزون الاستراتيجي. ومع زيادة أسعار النفط لاحقاً بأكثر من ثلاثة أضعاف، قررت الحكومة الصينية السحب منه لمنع أسعار النفط من الاستمرار بالارتفاع، وحققت هذا الهدف في عام 2021، حيث إن السحب المتواصل من المخزون الاستراتيجي منع أسعار النفط من الوصول إلى 100 دولار للبرميل. بهذه الطريقة حققت الحكومة الصينية أرباحاً ضخمة من بيع النفط المخزن، وحققت وفورات كبيرة لأنها منعت أسعار النفط من الارتفاع.

ولعل أهم تغيير في هيكل أسواق النفط في عام 2021 هو أن الصين أصبحت قوة لا مثيل لها في تاريخ النفط: مستورد للنفط يستطيع التحكم بأسعاره. والواقع أن دول “أوبك” ساعدتها في ذلك عندما حاولت بيع مزيد من النفط مع انهيار الأسعار ظناً منها أن ذلك سيرفع الطلب، ومن ثم يسهم في تعافي الأسعار.

فكرة الصين كانت قائمة على مبدأ حسابي بسيط معروف في أسواق النفط: الطلب يزيد على النفط في النصف الثاني من العام، وينخفض في الربع الأول، والأسعار تتبع الطلب. بناءً على هذا، كانت الفكرة أن تقوم بالسحب من المخزون الاستراتيجي في النصف الثاني من عام 2021 عندما تكون الأسعار مرتفعة، ثم تقوم بالشراء وإعادة ملء المخزون في الربع الأول من 2022. إلا أن بوتين خرب المخطط الصيني بغزوه أوكرانيا وارتفعت أسعار النفط بشكل كبير. وهنا لا بد من ذكر أن عمليات البيع من المخزون الاستراتيجي لم يعلن عنها، ولكن الحكومة أعلنت عن نيتها عن بيع مزيد بعد اتفاق مع الأميركيين على ضرورة السحب من المخزون الاستراتيجي لتخفيض أسعار النفط، وكان هذا هو الإعلان العلني الأول عن بيعها للمخزون.

بدأت روسيا ببيع جزء من نفطها بأسعار مخفضة وصل الخصم فيها إلى أكثر من 30 دولاراً للبرميل. لم يكن هذا التخفيض نتيجة العقوبات من أوروبا والولايات المتحدة، وإنما نتيجة توقف بعض البنوك الأوروبية طواعية عن تقديم اعتمادات بنكية لمشتري النفط الروسي، ورفض بعض شركات التأمين الأوروبية التأمين على الناقلات المحملة بالنفط الروسي، وتطور الأمر لاحقاً لتشمل العقوبات بعض الشركات الروسية المالكة لناقلات نفط. لم يكن لدى روسيا خيار سوى تخفيض الأسعار لتسويق نفطها لأن تكدسه يعني امتلاء الخزانات، والذي يعني في النهاية توقف الضخ في الأنابيب، والذي بدوره يؤدي إلى وقف الإنتاج. وروسيا لا مشكلة لديها في السعر الأدنى لأنه ما زال أعلى من السعر الذي كانت تطمح إليه أصلاً وهو 65 دولاراً للبرميل.

قررت الصين شراء كميات كبيرة من النفط الروسي بسعر مخفض، لكنها وقعت في مأزق: شركاتها النفطية الكبيرة، التي تملك الحكومة أغلبها، تتداول أسهمها في البورصات الغربية، ولها وجود عالمي كبير، وتعتمد على البنوك الغربية في جزء من تمويلها، ونقل إيراداتها المالية. فإذا اشترت هذه الشركات النفط الروسي فإنها قد تتعرض لعقوبات في الولايات المتحدة والدول الأوروبية. هنا لجأت الحكومة إلى حيلة قانونية وهي قيام الشركات الكبيرة بشراء مخزون شركات التكرير المستقلة داخل الصين، ثم قيام شركات التكرير المستقلة باستيراد النفط الروسي الرخيص. شركات التكرير المستقلة ليس لها أي وجود في الغرب، ومن ثم فإن استيرادها النفط الروسي لا يعرضها للخطر، بينما تحصل الصين على إمدادات النفط على كل حال، وهذا ما يحصل حالياً.

كورونا

وأغلقت الحكومة الصينية مناطق كاملة في الصين، من ضمنها مدينة شنغهاي، وأوقفت حركة المرور والمصانع فيها، للحد من انتشار فيروس كورونا، هذا الإغلاق أسهم في تخفيض الطلب على النفط وأسعاره، أو منعها في الأقل من الارتفاع.

التطور الذي لم يحظَ بانتباه وسائل الإعلام العالمية أن الصين استغلت فترة انخفاض الطلب على النفط لإعادة ملء المخزون الاستراتيجي، بخاصة بعد أن منعت تصدير بعض المنتجات النفطية.

وهناك نظرية مؤامرة دارجة حتى ضمن المثقفين وتجار السلع بأن قرار الإغلاق الكامل لم يكن منطقياً، ولكن له أهداف أكبر من وقف انتشار فيروس كورونا، من ضمنها الضغط على أسعار السلع بشكل عام، ومنها النفط والغاز، بعد ارتفاعها بشكل كبير. إذا كانت هذه النظرية صحيحة فإن هذا يتفق مع ما قامت به الصين في عام 2021 عندما استخدمت المخزون الاستراتيجي لمنع أسعار النفط من الاستمرار بالارتفاع. كما يتفق مع فكرة أن الصين أصبحت لاعباً عالمياً كبيراً في أسواق السلع، بخاصة النفط.

نظرة مستقبلية

يرى مراقبون أن أسعار النفط سترتفع في فصل الصيف لأسباب عدة منها انتهاء الإغلاقات في الصين، وزيادة الطلب على النفط. وعلى الرغم من أن هناك محللين وتجاراً يعتقدون أن الصين ستستمر بالإغلاقات على كل حال، ومن ثم فإن الزيادة المتوقعة في الطلب لن تحصل، فإن مدى الزيادة في الطلب على النفط وأثرها في أسعار النفط بسبب الانفتاح يعتمد على ما إذا كانت الحكومة الصينية ستعود إلى السحب من المخزون الاستراتيجي أم لا.

في حالة الانفتاح وزيادة الطلب على النفط، فإن لجوء الحكومة الصينية للسحب من المخزون الاستراتيجي لن يرفع أسعار النفط بالشكل الذي يتوقعه البعض. أما إذا لم تستخدمه وزادت الواردات، فإن الأمر يعتمد على نسبة الواردات الرخيصة من روسيا. المتوقع هو مزيج من كل هذه التصرفات، ونتيجتها تغير محدود في أسعار النفط.

ما يؤيد هذه الفكرة أيضاً هو ارتفاع الدولار الأميركي مقابل اليوان الصيني، الذي يعني ارتفاع أسعار النفط في الأسواق المحلية باليوان، وهذا يخفض الكمية المطلوبة.

باختصار، استخدام المخزون الاستراتيجي، وشراء النفط الروسي الرخيص، وارتفاع الدولار سيحد من ارتفاع أسعار النفط، حسب الأوضاع الحالية. فإن كل الأدلة تشير إلى أن الصين تستطيع التحكم في أسواق النفط بطرق عدة منها المخزون الاستراتيجي، والإغلاقات، والشراء من روسيا، وتغيير أسعار الصرف.

بقلم : أنس بن فيصل الحجي ـ اقتصادي متخصص في مجال الطاقة
المصدر: اندبندنت عربية ـ المادة الصحفية تعبر عن راي الكاتب