وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

التخلص من إرث بريطانيا.. تفاصيل خطة التجنيد الهندية التي أشعلت أزمة بالبلاد، وهل تؤثر على قوة جيشها؟

السياسية:

أدت خطة التجنيد الهندية الجديدة إلى أزمة في البلاد، حيث وقعت احتجاجات عنيفة من قِبل شبان غاضبين يخشون تأثيرها على مستقبلهم بسبب تقصير مدة الخدمة العسكرية، وفيما يقول نقاد الخطة من العسكريين إنها تهدد الأمن القومي للبلاد، تقول الحكومة إنها ضرورية لإصلاح الجيش.

وألغت السلطات في الهند أكثر من 500 من رحلات القطارات أمس الإثنين، بسبب احتجاجات شبان غاضبين ضد خطة التجنيد العسكرية التي يقولون إنها ستحرمهم من الميزات الرئيسية للعمل في القوات المسلحة، وهاجم آلاف الشبان قطارات وأضرموا النيران فيها، واشتبكوا مع الشرطة منذ الأسبوع الماضيين، فيما لقي شخصٌ حتفه واعتقلت الشرطة أكثر من 300 متظاهر.

والتقى زعماء حزب “المؤتمر” المعارض الرئيسَ الهندي رام نات كوفيند؛ سعياً لسحب الخطة، حيث قالوا في مذكرة رفعوها إلى الرئيس: “بالنظر إلى الوضع على حدودنا، يلزم أن يكون لدينا جنود في قواتنا المسلحة شبان ومدربون جيداً ومتحمسون وسعداء وراضون ومطمئنون على مستقبلهم”.

تفاصيل خطة التجنيد الهندية الجديدة
وكشفت حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، الأسبوع الماضي، عن الخطة التي تهدف إلى إشراك مزيد من الأفراد في الجيش بعقود أقصر أجلاً من السابق، تبلغ مدتها أربع سنوات؛ لخفض متوسط أعمار العسكريين البالغ عددهم 1.38 مليون.

وأقر مجلس الوزراء الهندي، الخطة التي تسمى “أجنيباث” وتعني “محاربي النيران”، ووصفها بأنه “إصلاح تحويلي”، حسبما ورد في تقرير لموقع Eurasian Times.

ويقول محللون إن هذه الخطة ستساعد كذلك في خفض تكاليف المعاشات التقاعدية المتزايدة، حيث أصبحت رواتب الجنود والرواتب التقاعدية مصدر قلق كبير للحكومة، بعد أن بلغت نحو ربع ميزانية الدفاع، ومازالت تتزايد نسبتها خاصة في القوات البرية.

لكن المحتجين يقولون إن ذلك سيحرمهم من فرصة عمل دائم في الجيش ومعه معاش تقاعدي مضمون ومخصصات أخرى ومكانة اجتماعية.

والهند تمتلك ثاني أكبر جيش في العالم من حيث العدد بعد الصين، ولكنه أكبر جيش قائم على التطوع والتوظيف في العالم، إذ لا يوجد به تجنيد إجباري، بل يعتمد على تعيين الجنود حتى وصولهم لسنِّ 38 عاماً، ويتم تسريحهم بعدها ويحصلون على رواتب تقاعد (معاشات)، وهو ما جعل متوسط أعمار الجيش الهندي مرتفعاً، كما يزيد من أعباء رواتب التقاعد على ميزانية الجيش.

وطنية أم أهداف اقتصادية.. سر غضب الشباب الهندي من خطة تخفيض مدة التجنيد
والجيش الهندي أحد مصادر التوظيف الرئيسية في البلاد، لكن الإحباط كان يتراكم بسبب تجميد عملية التوظيف خلال العامين الماضيين؛ من جراء جائحة الفيروس التاجي، وكان الطامحون إلى التجنيد قلقين بشأن تجاوز الحد الأدنى للسن مع استمرار انتظارهم دون جدوى.

بموجب خطة التجنيد الهندية الجديدة، سيلحق بالجيش نحو 45.000 إلى 50.000 جندي سنوياً، تتراوح أعمارهم بين 17.5 و21 عاماً، وسيطلق عليهم اسم “Agniveers”.

ومن إجمالي المجندين السنويين، سيتم السماح لـ25% فقط بالاستمرار لمدة 15 عاماً أخرى، بينما سيتم تسريح الآخرين بدون منحهم رواتب تقاعد دائمة، مع منحهم شهادات للمهارات التي اكتسبوها؛ ليتسنى لهم الالتحاق بسوق العمل.

خطة التجنيد الهندية الجديدة

ويعني ذلك أنه تم تخفيض مدة التوظيف في الجيش بشكل كبير لتصل إلى 17 عاماً لأدنى الرتب.

سيتم منح المرشحين الناجحين 30000 روبية (388 دولاراً أمريكياً) شهرياً ومزايا أخرى خلال فترة السنوات الأربع، وسيحصل الجنود الذين سيتم تجنيدهم لفترات قصيرة على 1.171.000 روبية (15 ألفاً و180 دولاراً أمريكياً) في نهاية عقدهم، حيث ستكون أعمارهم تتراوح بين 22 و25 عاماً دون منحهم معاشات تقاعد، كما كان يحدث في النظام القديم الذي يحال فيه المجندون إلى التقاعد وهم في نحو الثامنة والثلاثين كحد أدنى.

أما المجندون الذين سيبقون في الخدمة، فسيُطلب منهم العمل لفترة أخرى مدتها 15 عاماً، وسيخضعون لشروط وأحكام الخدمة الحالية لضباط الصف الصغار، أي سيحصلون على معاشات تقاعد بعد انتهاء مدة خدمتهم ومزايا أخرى.

وقال كبار مسؤولي الدفاع، الأحد الماضي، إن الخطة تهدف إلى تحديث القوات وإنه لن يتم سحبها.

للمطالبة بالتراجع عن الخطة، نزل عدد كبير من الناس إلى الشوارع في ولايات بيهار وراجستان وهاريانا وأوتار براديش، ورفعوا شعارات مثل “تسقط الحكومة الهندية” و”أعطونا وظائف أو اقتلونا”.

وفي محاولة لإنهاء الاحتجاجات، عدَّلت الحكومة أجزاء من الخطة؛ لمنح فرص لمزيد من العسكريين للتقديم لوظائف في الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات بعد انتهاء خدمتهم.

الخطة قد تؤدي إلى انتشار العصابات
لكن خطة التجنيد الهندية الجديدة لم تثر فقط غضب المجندين المحتملين فقط، بل جوبهت بانتقادات من المعارضة والعسكريين المتقاعدين الذين يرون أنها تهدد أمن البلاد الداخلي، وكذلك قدرتها العسكرية.

يقول نقاد الخطة إن الافتقار إلى الأمن الوظيفي للجنود يمكن أن يؤدي إلى مستويات منخفضة من التحفيز بالنسبة للجنود الذي سيتم توظيفهم وفقاً للنظام الجديد، مما يؤثر على الانضباط.

إضافة إلى ذلك، فإن وجود الآلاف من الشباب العاطلين عن العمل الذين سيتخلص منهم النظام يشكل خطراً على المجتمع، لأنهم سيكونون متدربين على السلاح، وهم صغار السن، وقد ينضمون إلى عصابات الجريمة المنظمة، أو حتى لشركات المرتزقة في الخارج مثلما يحدث الآن في أوكرانيا.

وحالياً، يعمل أغلب المجندين بعد التقاعد، في مهن مثل حراس بشركات أمن خاصة، ويعتمدون بشكل أساسي على رواتب التقاعد التي يحصلون عليها من الجيش، بسبب ضعف رواتبهم، لأنهم يخرجون لسوق العمل في سن كبيرة، ودون تدريب.

ولكن المسؤولين الهنود يقولون إنه وفقاً للخطة الجديدة، فإن الجنود سيُسرَّحون من الخدمة في سن صغيرة تسمح لهم بالتدريب والانضمام لسوق العمل.

ولكن في المقابل، فإن الخطة تحرم 75% من المجندين من الحصول على معاش تقاعدي، وهو ما كان أحد الفوائد الرئيسية للانضمام إلى القوات المسلحة لمئات الآلاف من الطامحين، لأنه يوفر الضمان الاجتماعي للقادمين من خلفيات مهمشة، في غياب الموارد للحصول على خيارات مهنية أخرى.

العسكريون يقولون إنها قد تهدد الأمن القومي للبلاد
يقلق بعض العسكريين السابقين الذين انتقدوا الخطة من أنها لا يمكن أن توفر وقتاً كافياً للتدريب، حيث سيتدرب الجندي في غضون أربع سنوات فقط، وبالتالي فإن الخطة تعرّض الأمن القومي للخطر.

وقال الفريق المتقاعد زامير الدين شاه إنه “مندهش” من هذه الخطة، ووصفها بأنها “خطوة إلى الوراء” و”التدبير الأكثر ضرراً للقوات المسلحة”، حسب ما نقلت عنه صحيفة Independent البريطانية.

وأضاف أن المخطط “معيب ويستحق مراجعة شاملة”، حيث تواجه الهند الواقع الصارخ المتمثل في وجود تهديد على جبهتين على الحدود مع جارتيها المعادتين باكستان والصين.

وأضاف: “مع قضاء عام في التدريب وستة أشهر في الإجراءات الرسمية السابقة للتسريح، سيحصل الجندي على 2.5 عام فقط من الخدمة الفعلية، وهو أمر غير كافٍ لغرس روح الانتماء للفرقة والانضباط”، حسب تعبيره.

إرث بريطانيا العسكري الذي أفاد جيشي الهند وباكستان
وورثت الهند وباكستان نظام التجنيد الحالي لديهما من الاستعمار البريطاني، حيث كان جنود شبه القارة الهندية من الهندوس والمسلمين وغيرهم هم عماد الجيوش البريطانية التي احتلت الهند نفسها، ولعبوا دوراً كبيراً في حروب بريطانيا الخارجية، خاصةً الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ويقوم هذا النظام على إلحاق الجنود لفترة طويلة بفرقهم، مما يزيد مستوى التدريب ويعزز الانتماء للوحدات العسكرية وللجيش برمته، وهو أمر مهم في بلدين متنوعين كالهند وباكستان، ينتمي فيهما السكان إلى إثنيات مختلفة ويفتقرون إلى لغة محكية مشتركة، وبالتالي يصبح طول مدة الخدمة وسيلة لتقليل الاختلافات القومية، خاصة مع وجود نظام تعليم- ليس متطوراً كالدول الغربية ولا صارماً كالصين- وبالتالي فإن غير كافٍ لصهر روح قومية موحدة، ومن هنا يصبح الانتماء للوحدة العسكرية هو الرابط الأساسي بين الجنود.

وقال اللواء المتقاعد جي دي باكشي: “اعتقدت في البداية أنها كانت تجربة يتم اختبارها فقط، ولكن هذا تغيير شامل لتحويل القوات المسلحة الهندية إلى قوة شبه مجندة لفترة قصيرة مثل الصين”، مضيفاً: “دعونا لا ندمر مؤسساتنا في وقت التهديدات الكبيرة من الصين وباكستان. لقد كان أداء القوات المسلحة جيداً. كيف ندمر قواتنا فقط لتوفير المال؟!”.

بينما يقول المدافعون عن خطة التجنيد الهندية الجديدة إنها ستجعل “الجيش أكثر شباباً وديناميكية”؛ حيث ستخفض ​​متوسط ​​العمر للقوات المسلحة الهندية، والذي يتراوح بين 30 و34 عاماً في الوقت الحالي، بنحو 4-5 سنوات.

كما يقولون إنها توفر “حزمة مالية جذابة مع إتاحة فرصة للمجندين للتدريب في أفضل المؤسسات وتعزيز مهاراتهم ومؤهلاتهم”.

ويرون أنها تتيح فرص إعادة توظيف مناسبة للعائدين إلى المجتمع؛ وضمان “توافر الشباب المنضبطين والمهرة ذوي الروح العسكرية في المجتمع المدني”.

الموضة العسكرية الآن جعل الجيوش أكثر رشاقة
أصبح التوجه العالمي العسكري الحالي ينحو إلى جعل الجيوش أقل عدداً، أي أكثر رشاقة، بهدف التركيز على الأسلحة المتطورة والذكاء الاصطناعي، وتخفيض القوى البشرية مع جعلها أكثر احترافية.

حتى الصين- أكبر دول العالم سكاناً وصاحبة أكبر جيش من حيث العدد- تتجه للتخلص من أعداد كبيرة من الجنود.

في عام 2003، قررت الصين تقليص قوتها التي كان قوامها 2.5 مليون جندي. تحدث الرئيس شي جين بينغ، مراراً وتكراراً، عن إعادة تنظيم الجيش الصيني؛ لإنشاء جيش أكثر رشاقة. في الوقت الحالي، يبلغ عدد جيشها 2.3 مليون جندي. يقال إن الرئيس الصيني يريد خفضه إلى أقل من مليون جندى فقط.

والجيوش الغربية باتت أصغر حجماً منذ عقود، ولكن تواصل السير في هذا الاتجاه.

تطبيقاً لهذه النظرية، حوَّلت روسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين جيشها من قوة عملاقة إلى قوة أكثر رشاقة تعتمد على الألوية أو المجموعات العسكرية وليس الكتائب الكبيرة العدد كما كان الحال في العهد السوفييتي.

ومع ذلك فإن بعض النقاد الغربيين يقولون إن أحد أسباب تعثُّر الجيش الروسي في حرب أوكرانيا، خاصةً في محيط كييف، كان تخفيض عدد القوات الروسية، حيث لم يكن هناك جنود كافون لمواجهة هجمات الأوكرانيين التي تشبه حروب العصابات.

قد تؤدي الخطة الهندية للتجنيد بدورها، في نهاية المطاف، إلى تخفيض عدد أفراد الجيش، عبر تقليل مدة خدمة الجنود، ولكن مقابل جيش أكثر شباباً ورشاقة، كما وعد المسؤولون الهنود، فإنهم يخاطرون بفقدان عنصر الخبرة الذي ميز جنود بلادهم، الذين كانوا يقضون معظم أعمارهم الوظيفية في الجيش، مقابل سيناريو تحديث غير مجرب.

المصدر: عربي بوست