وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

مراهقون يحكمون العالم قريباً

السياسية:

*ملامح الجيل المولود في 1995 وما بعدها
وأهم العناصر التي تشكل وعيه بالفرد والمجتمع

ومؤشرات التغيير الذي يفرضه على قواعد السياسة والاقتصاد
وصناعة الموسيقى والترفيه
ربما يكون العالم الآن في حالة مخاض تشبه ما حدث في الستينيات والسبعينيات.

في تلك الجنة المفقودة البعيدة احتل الشباب صدارة المشهد الثقافي والسياسي، وغنوا للحياة ضد الحروب المدمرة، وفضلوا كسر كل القواعد “البرجوازية” باسم الحب والإنسانية. تظاهروا ضد الحرب في فيتنام وعاشوا في تجمعات صغيرة عشوائية تتحدى دقة وصرامة العواصم الغربية الكبرى حتى كبروا، وتاهوا في زحام المجتمعات التي حاربوها.

لكننا نتحدث الآن عن الجيل الأكثر تنوعاً واندماجاً مع العالم الرقمي حتى الآن، الجيل Z.

وُلد شباب الجيل زد حوالي عام 2000.

في ذلك الوقت، كان الإنترنت متاحاً للجمهور، وتتحكم الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي في الحياة اليومية لمليارات البشر.

جاء هذا الجيل إلى عالم يستعد للإقلاع نحو الفضاء الافتراضي، فوجد في متناوله كل أنواع المتاجر الإلكترونية والمنصات الترفيهية.

نشأ الجيل Z في عصر “ما بعد الرقمية”.

إنهم لا يعرفون كيف كانت الحياة قبل Google أو iPhone أو التسوق عبر الإنترنت، وبالتالي فهم يعتبرون ذلك أمراً مفروغاً منه.

يُعرف الجيل Z باسم “جيل شباب الألفية”، مواليد عام 1995 أو ما بعده.

جيل يمثل رُبع سكان الولايات المتحدة، في عالم يبلغ فيه عدد المراهقين 1.2 مليار من أصل نحو 8 مليارات نسمة هم سكان الكوكب. والمقصود هنا الفئة التي تعيش عقدها الثاني، أي من سن عشر سنوات حتى 19 عاماً، وهي فترة التشكل والتحول والنشاط والاكتشاف المعرفي والعاطفي أيضاً.

وتأثيرهم سيكون هائلاً، وفي كل المجالات.. من الاقتصاد والسياسة إلى الموسيقى وأسلوب الحياة.

هذا التقرير يستكشف ملامح هذا الجيل المختلف، ويستعرض أهم بصماته التي تميزه عن الأجيال السابقة، وتجعلنا نشعر أن الحياة سوف تتغير كثيراً بعد مرور الجيل Z على هذا الكوكب.

*نعيش الآن بين ثلاثة أجيال
X & Y & Z
هناك خمسة أجيال مختلفة من بداية القرن العشرين، وفقاً لتقرير منظمة اليونيسكو 2019.

أوّلها الجيل التقليدي، أو “الصامت”، المولود بين 1928 و1944.
جيل الطفرة السكانية المولود بين 1945 و1965.
ثم الجيل “X” المولود بين عامي 1965 و1979.
والجيل “Y” أو “جيل الألفية” المولود بين 1980 و1995.
أخيرا الجيل “Z” المولود منذ عام 1995، هو الجيل الذي لا يعرف العالم من دون تكنولوجيا.
الجيل هو مرحلة التعاقب الطبيعية من أب إلى ابن، ويُعرف بأنه متوسط الفترة الزمنية بين ولادة الآباء وولادة أبنائهم، ومدّته يحددها علماء الاجتماع من 23 إلى 30 عاماً. لكن التكنولوجيا أسهمت في التحول السريع للقيم الاجتماعية بحيث أصبح من المنطقي تقليص الحدود بين الأجيال إلى 15 عاماً.

الأجيال العمرية التي تشكل المجموع السكاني الفعال في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الراهنة هي ثلاثة أجيال رئيسية، هي: X ثم Y وأخيراً Z.

هل يهتم جيل Z فعلاً بالمناخ والقضايا العامة، أم أنه جيل مشغول بنفسه وأحلامه الفردية؟ الإجابة في السطور التالية.
لماذا يختلف عن الأجيال السابقة له؟
فجأة أصبح الجيل Z مركز اهتمام الجميع، الحكومات الغربية والمنظمات والشركات والمجتمع بشكل عام. لماذا؟

أعضاء “Gen Z” مجموعة قوية من الشباب والمراهقين.

يتقنون أسرار العالم الرقمي وتقنياته، ويتعاملون مع الشبكة العنكبوتية بكل أريحية ويسر.

هم أيضاً قوة استهلاكية قوية الآن، وأساس القوى العاملة في المستقبل.

لذلك، من المهم جداً فهم كيف يفكر هؤلاء الشباب، وما يؤمنون به ويقدرونه، وكيف يشكّلهم العالم الذي نشأوا فيه.

كان العديد منهم أطفالاً أو مراهقين خلال الانهيار المالي لعام 2008 وشاهدوا كلاً من جيل الألفية وآبائهم يعانون نتيجة لذلك.

لقد رأوا كيف يمكن أن يكون العمل غير مضمون ولا مستقر، وأن المال والأمن الوظيفي والنجاح لن يكون بالضرورة سهلاً عليهم.

يقول 60% من الجيل Z إنه لا يمكن الوثوق بمعظم الناس.

ويقول 58% منهم إنهم يشعرون بالتوتر إذا لم يستخدموا الإنترنت لأكثر من 4 ساعات يومياً على الأقل.

ويرتبط 56% من الجيل Z بصداقات مع أشخاص لا يعرفونهم إلا عبر الإنترنت.

ربما تكون أبرز سمات هذا الجيل هي أنهم أكثر إتقاناً وشغفاً بالتكنولوجيا وتطبيقاتها، خصوصاً في مجال التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو، وهم الجيل الذي يقدم لمحة عن مستقبل الاتصالات والبنوك والتسوّق والتعلم والاستثمار والعمل وغيرها من المجالات.

ويمثل هذا الجيل تحدياً كبيراً أمام المديرين والمدرسين وأيضاً الآباء والأمهات، وكل هؤلاء ينتمون للجيل Y والجيل X.

والجيلان المولودان بين الستينيات والثمانينيات يتسمان بالهدوء والبراغماتية، عكس جيل الطفرة السكانية الذي سبقهم، وجيل Z الذي لحق بهم.

جيل الطفرة هو صاحب “ثورة الشباب” الشهيرة في الستينيات، التي كان لها ملمح سياسي احتجاجي واضح ضد الحروب والدمار والصراع بين الغرب والشرق، كما كان لها ملمح إنساني أقرب إلى الفوضوية وشعارات الحرية المطلقة.

*تمرد المراهقين في الستينيات: فوضوي وعفوي وبلا مركز أو قيادة

من رواية “شيطنات الطفلة الخبيثة” للروائي ماريو بارغاس يوسا عن حركة الهيبيز في الستينيات والسبعينيات

أما الملايين التي تنتمي إلى الجيل Z فهي مختلفة في كل شيء تقريباً عن الأجيال السابقة، كما تشرح السطور التالية، التي تستعرض أبرز مميزات هذا الجيل.

جيل مختلف كلياً
في العمل: خمس قيم يتميز بها جيل Z
وُلد الجيل Z في مطلع الألفية، ويُعرف بأنه واحد من أكثر الأجيال تنوعاً ديموغرافياً وترابطاً من الناحية التكنولوجية.

عندما يدخل أعضاء هذا الجيل سوق العمل، يلاحظ الجميع أن احتياجاتهم وطرق التعلم تختلف عن نظرائهم من جيل الألفية والمواليد الجدد.

هناك خمس مميزات يتسم بها الجيل الجديد في العمل، كما ظهر في نتائج بحث مشترك، أجراه BridgeWorks وCenter for Generational Kinetics، وهي:

* التعلم المستمر

يحرص الجيل Z على امتلاك مفاتيح التطوير المهني والتعلم أثناء العمل.
إنهم يريدون مكان عمل يوفر فرصاً للنمو، وليس مجرد مكان “لأكل العيش”.

* التنوع والشمول

يفضّل أعضاء الجيل Z أن يكونوا جزءاً من منظمة متنوعة وشاملة، تضم النساء والملونين والمهاجرين، وتسمح لهم بالتدرج إلى المناصب القيادية.

* التعاون مع فريق العمل

ينتعش أبناء الجيل Z بالبيئة التعاونية التي تسمح لهم بالعصف الذهني المشترك، والتواصل مع أعضاء الفريق.

* التوازن بين العمل والاستمتاع بالحياة

يمنح الجيل Z الأولوية للتوازن بين العمل والحياة أكثر من الأجيال السابقة، ولذلك يفضل أبناؤه المرونة في تعديل جداول الحضور والعمل من المنزل والعطلات.

* الانتماء إلى مكان العمل

يريد أعضاء الجيل Z أن يكونوا جزءاً من المشروع من البداية إلى النهاية. يعمل هؤلاء الموظفون بشكل أفضل عند يشعرون أنهم يملكون عملهم، ويتحكمون في زمام المبادرة دون الخضوع لإدارة صارمة.

*في السوق: يتأثرون بوسائل التواصل الاجتماعي
طوال حياتهم، كان سكان الجيل Z محاطين بالإنترنت. على عكس الأجيال السابقة نشأ الجيل Z ليجد المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي على بعد بضع نقرات بسيطة.

ومع تطور أساليب التسوق وظهور التجارة الإلكترونية، يساعد أبناء الجيل Z في زيادة مبيعات التجزئة، ويستخدمون أيضاً وسائل التواصل الاجتماعي لمعرفة مكان التسوق ولماذا.

الطريقة التي انفجرت بها وسائل التواصل الاجتماعي في الفترة الزمنية القصيرة نسبياً التي كانت موجودة فيها كان لها تأثير عميق على الشباب، وخاصة الجيل Z. يستخدمونه للتواصل مع العالم، ومشاركة التحديثات، والآن، أكثر من أي وقت مضى، تؤثر مواقع التواصل على مشترياتهم.

كشفت الأبحاث من Yes Lifecycle Marketing أن أكثر من 80% من الجيل Z يتأثرون بوسائل التواصل الاجتماعي قبل اتخاذ القرار بالشراء. النسبة كانت 74% في جيل الألفية السابق لهم.

ومن بين قنوات التواصل الاجتماعي المتاحة اليوم، ينجذب هذا الجيل إلى إنستغرام بنسبة 44%
ويوتيوب بنسبة 32%
وسناب شات بنسبة 21%.

في المقابل، يتطلع المتسوقون الأكبر سناً إلى Facebook للحصول على معلومات عن السوق قبل الشراء.

* في عالم الترفيه والموسيقى: ملوك تيك توك وسبوتيفاي
كل جيل لديه طرقه الخاصة للترفيه والتواصل.

كان لدى جيل الطفرة السكانية boomers الراديو والتلفزيون للتواصل والتسلية.

وكان لدى الجيل X أشرطة الفيديو ودور السينما.

أما جيل الألفية فقد جمع بين وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بداية من ظهور فيسبوك وحتى اندماجهم مع إنستغرام، ومثل الأجيال التي سبقتهم.

أبناء جيل z أيضاً لهم تفضيلاتهم الخاصة وعلى رأسها تيك توك، مصدر الأخبار والمعلومات التي يحصلون عليها، كما أنه المكان المناسب للتعبير عن إبداعهم، وعرض وجهات نظرهم والتحقق من صحتها.

بمرور الوقت أصبح تيك توك مصدراً للأخبار والمعلومات حول الانتخابات كما هو الحال في CNN أو FOX News للأجيال السابقة.

في استطلاع أمريكي جرى في نهاية 2021، قال 30% من أبناء الجيل Z إنهم حصلوا على أخبار ومعلومات حول السياسة والانتخابات الرئاسية من تيك توك.
مقارنة بنحو 37% من CNN.
و28% من FOX News.
و10% من MSNBC.

* لماذا أصبح “تيك توك” موقعهم المفضل؟
يبدو أن موقع TikTok هو التطبيق المخصص لهذا الجيل، ولكل إنسان مندمج في العالم الرقمي.

يتميز Tiktok بمجموعة قوية من الأدوات التي تطلق العنان لإبداع جيل قضى حياته منغمساً في ثقافة الإنترنت.

هنا تبدو عملية إعادة دمج المحتوى أمراً في غاية السهولة، ولا توجد برامج تعليمية أو ملفات شخصية لإعدادها، وما إلى ذلك عند تسجيل الدخول.

تنسيق الفيديو القصير والعادي في TikTok مناسب بشكل طبيعي لجيل نشأ في أحضان Facetime وSkype على المكالمات الصوتية.

الفيديو القصير هو نجم العروض على هذا الموقع، بما يتناسب مع فترات الانتباه القصيرة لدى أبناء هذا الجيل. لا وقت للأعمال المطولة، أو الفيديو العميق!

*يفرضون موسيقى الراب على الجميع.. وعلى الإعلانات
يغوص أبناء هذا الجيل معظم الوقت في بحار الموسيقى، ويستمعون بصورة أقل إلى البودكاست.

يميل الجيل Z إلى الحصول على موسيقى الراب التي كانت تُصنّف ذات يوم بأنها سيئة.

زاد عدد الشباب الذين يقولون إنهم يستمتعون بالاستماع إلى موسيقى الهيب هوب/ الراب بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وكان أكبر ارتفاع بين عامي 2018 و2019.

في الوقت نفسه تراجعت الأنواع الأخرى خلال هذا الوقت، بما فيها أغنيات البوب التي كانت تتصدر المشهد طوال القرن الماضي والسنوات الأولى من هذا القرن.

*بطاقة تعريف: الراب غناء المستضعفين والمافيا
“راب” اختصار عبارة “Rhythm And Poetry” (الإيقاع والشعر)، شعر يُلقى سريعاً على إيقاع ثابت في الخلفية بقافية معينة، تسمح بالتلاعب اللفظي حتى تتماشى مع القافية دون الالتزام بلحن معين، كما تتحرر من القوالب الموسيقية المعتادة.

انتشر في الولايات المتحدة الأمريكية في بداية السبعينيات في حي برونكس، ولاية نيويورك، على أيدي الأمريكيين الأفارقة، كما انتشر عالمياً منذ بداية التسعينيات.

وفي موسيقى الراب يتحدث المؤدون عادة عن أنفسهم، وعن استيائهم وغضبهم من صعوبات الحياة، بحرية أكبر، لذلك، غالباً ما يرافق أداءهم الحديثُ عن موضوع شائك أو قضية مشوشة.

يتحدث المؤدون عادة عن أنفسهم، ويستخدم النوع الموسيقي أحياناً في التعبير عن استيائهم وغضبهم على صعوبات الحياة.

أبرز مطربي هذا النوع هم الشعراء الشعبيون وأفراد العصابات وأبناء المناطق المُهمّشة، وأبرز موضوعاته انتقاد قسوة الحياة في تلك المناطق، والعنصرية ضد الملونين.

الزملاء: رابط الصورة المصاحبة لبطاقة التعريف/ ورابط صورة أخرى للاختيار بينهما

*عاصفة الراب في بلاد العرب
أصبح فنانو الهيب هوب علامات فنية وثقافية كبيرة لهذا الجيل: تم اختيار Draake فنان العقد في حفل توزيع جوائز Billboard Music لهذا العام، وحققت أغنيته “Toosie Slide” k” نجاحاً كبيراً، خاصة مع مقاطع الرقص المصاحب لها على TikTok.

وعندما وصلت عاصفة الراب إلى بلادنا العربية، لم يسمع عنها الكبار إلا عندما فوجئوا بزحفها التدريجي على الإعلانات عبر مواقع التواصل وشاشات التلفزيون.

أول ما جمع الجيل الجديد حول هذا الغناء القادم من وراء المحيطات والبحار كان الكلمات الجديدة عن الغناء، والبعيدة عن الرومانسية والمجاز والخيال.

مطرب الراب يحكي ما يحدث معه فعلا، ولا يلجأ لمفردة واحدة من القاموس الأدبي والشعري.. لا يغني إلا ما يتحدث فيه مع أصدقائه. ولأن المراهق الذي يستمع لمطربه المفضل يصدقه، فهو يتماهى مع أحزانه وأفراحه، ويعيش أجواء البطولة التي يحكي عنها “الرابر”، ويمتلئ معها بالطاقة الإيجابية.

“الراب فن تلعب فيه الكلمات دورا مهما”، كما تقول المطربة والباحثة الموسيقية فيروز كراوية. “هو فن إلقائي وحكائي، يستند لأشكال إيقاعية ونسق موسيقي تنتظم فيه الكلمات والأداء. هناك أنواع غنائية أخرى ممكن يكون الكلام فيها ثانويا، لكن في الراب الكلام هو البطل”.

*ما الذي يحكيه مطرب الراب العربي، ويجعل جيل Z مفتونا به؟

تحمل موسيقى الراب العربي في كلام أغنياتها مضموناً اجتماعياً وسياسياً غير مألوف في الأغنية التقليدية، هو يفرح بطريقة صبيانية.

ويعاكس حبيبته بلغة الشارع، ويسخر من خصومه بعنف، ويتوعدهم، ويطمئن معجبيه أنه كل يوم أقوى، وأكثر ثراء وشهرة.

ومنذ البداية وجد فنانو الراب العرب صعوبة في إقناع جمهورهم بهذا الجديد، واستقطاب اهتمام إعلامي يساهم في ترويج أعمالهم .

كذلك لم تهتم شركات الإنتاج بهذا النوع من الموسيقى في بدايته، ولا تزال تهمله. يقول منتج ومؤدي الراب، الفلسطيني “أسلوب” لبي بي سي: “لم يكن سهلاً إقناع الناس بالاستماع إلى الراب، كانت بالنسبة لهم موسيقى غريبة”.

لكن عاصفة الراب ضربت الدول العربية بعد 2017، وأصبحت الموسيقى الرسمية لجيل Z العربي، وللإعلانات، وحفلات الجامعات والمدارس.

السبب الأول في ارتباط الجيل بعالم الراب هو أن الراب ليس نوع غناء ولكنه أسلوب حياة، بمجرد دخولك هذا العالم ترتبط به وتتابع أخبار نجومه، ومشروعات التعاون أو الهجاء بين المطربين.

التفتت شركات الإعلانات إلى هذه الموجة العالية، وبدأت تختار نجوم الغناء الجديد لتقديم منتجات بعينها إلى فئة الشباب، وعرضت شركات مشروبات الطاقة والأزياء وغيرها رعاية النجوم وتقديم العون المادي لإنتاج برامجهم، وإقامة حفلاتهم، وإنتاج مقاطع فيديو مصاحبة لأغانيهم.

ولجأت السينما المصرية مؤخرا إلى نجوم الغناء الجديد لعمل إشارة الفيلم، تريلر، في عدة تجارب ناجحة، بديلة عن الإشارات التقليدية التي تكتفي بتجميعة مقاطع من الفيلم. ويسعى المطرب في هذه الحالة لتقديم مفردات الفيلم وموضوعه عبر كلمات الأغنية، مع الالتزام بروح كلمات الراب وموسيقاه، وطابعه الشخصي.

أما أغرب ما في الذوق الموسيقي للجيل فهو عزوفهم عن تصنيف الموسيقى، ودفع الفنانين منهم إلى دمج الأنواع المعروفة في منتجات تستعصي على التصنيف. معهم يمكن سماع أغنية تدمج الـ Emo بالراب، أو الشعبي بالهيب هوب.

لذلك، يمكننا أن نرى كيف يتنقل فنانون مثل Lil Nas X أو Billie Eilish أو Sofia Reyes بين عدة أنماط مختلفة من الموسيقى دون كبير عناء. وهو الاتجاه الذي أنتج موجة “التراب” بمنطقتنا إلى جانب الراب، خاصة في مصر والمغرب والسعودية، أكبر عواصم موسيقى التراب العربية.

إنهم يبدعون بناءً على شعورهم بكل أغنية، ولا يرهقون أنفسهم في اتباع القواعد الراسخة، أو البحث عن تصنيف لما يقدمون، وجمهورهم من الجيل Z سعداء بكل هذا.

* كل موسيقى هذا الجيل في موقع واحد
في مطلع 2010، لم يكن عدد مشتركي “سبوتيفاي” يتخطى المليون، فيما كان لدى “نتفليكس” ما يناهز 12 مليون مشترك وكانت خدمات البث التدفقي تستقطب فضوليين من دون تشكيل ظاهرة قائمة بذاتها.

وبعد عشر سنوات، بات للمنصة الموسيقية 248 مليون مستخدم فيما تخطى عدد مشتركي “نتفليكس” 158 مليوناً.

وهكذا هزمت موسيقى هذا الجيل أكبر منفذ لبيع الترفيه الرقمي على وجه الأرض.

وساهم التطور التقني في رفع العوائق التقنية أمام تمدد خدمات البث التدفقي streaming بعدما كان هذا القدر من الاستهلاك مستحيلاً قبل عشر سنوات.

ورافق البث التدفقي نزوح المستخدمين من أجهزة التلفزيون والكمبيوتر نحو الهواتف الذكية التي باتت تشكل محركاً أساسياً لاستهلاك مضامين الفيديو والموسيقى والألعاب والأخبار.

تطبيق Spotify هو الخدمة الصوتية المدفوعة الأكثر شيوعاً في العالم، وتستمر في إضافة عشرات الملايين من العملاء سنوياً. لكن العديد من المديرين التنفيذيين في الشركة قلقون بشأن الجيل Z وميوله المدهشة والمتجددة. لذلك أجرت الشركة دراسة على عينة عمرية بين 18 و24 عاماً، ونشرتها تحت عنوان “خمسة ملامح تميز الجيل z في الاستماع للموسيقى”، على النحو التالي:

* كلهم على الموجة العالمية
هناك 40% من المشاركين يعتبرون أنفسهم “مواطني هذا العالم” أكثر من انتمائهم لجنسية الدولة التي وُلدوا بها. ويستمعون إلى اختيارات متنوعة من مختلف أنحاء العالم، أكثر من أية فئة عمرية أخرى. يؤمن الجيل Z أن الموسيقى تسمح للناس بالتواصل مع بعضهم البعض ومع ثقافات مختلفة.

موجة K-Pop أو أغاني البوب الكورية أصبحت الآن هوساً عالمياً، وزادت نسبة الإقبال عليها بنسبة 1000% منذ عام 2014.

* ثقافة “البوب” تلامس السياسة
قال 68% من العينة إن الشركات الكبرى في حاجة إلى طرح مفاهيم وقيم أكثر تقدمية وأن تلعب دوراً اجتماعياً أكثر إيجابية.

وهي ثقافة متعددة الروافد
قال واحد من كل أربعة في العينة إنهم لا يستقون ثقافتهم من منبع أو جماعة ثقافية واحدة، وإنهم يرفضون سطوة المشاهير والماركات الشهيرة ورجال السياسة، لكن كل هذا قد يشكل روافد “عالمية” لثقافة هذا الجيل.

جيل أكثر صراحة في التعبير عن المشاعر
تمتلئ القوائم الموسيقية المفضلة لهذا الجيل بأغنيات حزينة، ويتبادلون المشاعر الحميمة والعميقة، ولا يخجلون من الاعتراف للأصدقاء بأنهم ليسوا على ما يرام. أكثر الأغنيات استماعاً في هذه المرحلة العمرية على سبوتيفاي عام 2016 بالترتيب:

I feel apart, Post Malone
Marvins Room, Drake
Lovely, Billie Eilish

الموسيقى لا تتوقف
يعتاد 56% من العينة تشغيل صوت الموسيقى في الخلفية معظم الوقت، وتثبت إحصائيات سبوتيفاي أن هذه المرحلة العمرية هي الأكثر استماعاً، والأكثر استهلاكاً لقوائم الموسيقى المفضلة Playlists.

هؤلاء المراهقون يتعامل العالم معهم على أنهم قادة الغد.

في سبتمبر/أيلول 2021 حصل أعضاء فرقة البوب الكورية الجنوبية بي تي إس BTS على جوازات سفر دبلوماسية لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة بصفة مبعوثين شخصيين من الرئيس.

وألقى فريق “بي تي إس” خطاباً في الجمعية العامة للأمم المتحدة حصد ملايين المشاهدات، وقد كشفوا خلاله عن أفكارهم وطموحاتهم، ودعوا إلى الالتفات لآراء المراهقين والشباب في سن المراهقة، لأن كثيرين لا يتفهمون طبيعة ما تفكر به هذه الفئة.

تأسست الفرقة في سيؤول عام 2010، واقتحمت أغنياتها قوائم الأكثر استماعاً في الولايات المتحدة بعد عامين فقط. وأصبحت الفرقة الفنان الأكثر مبيعاً في تاريخ كوريا الجنوبية، خاصة بعد ألبومهم Map Of The Soul: 7.

أيضاً ظهرت الفرقة، التي يعني اسمها “فتيان ضد الرصاص”، على غلاف مجلة تايم كـ”قادة الجيل القادم”.

وهكذا قررت كوريا الاستفادة من شهرتهم العالمية، وقرّر الرئيس مون جاي-إن تعيينهم مبعوثين للأجيال المقبلة والثقافة.

وبعد جواز السفر الدبلوماسي، تقرر رسمياً إعفاء أعضاء فرقة BTS السبعة من تأدية الخدمة العسكرية في كوريا، حسب القانون الكوري الذي يسمح للفنانين المؤثرين بتأجيل أو إلغاء التجنيد الإلزامي في الجيش.

كان من المفترض أن يكون BTS فرقة هيب هوب مشابهة لفرقة وانتايم من شركة واي جي الترفيهية، لكن خلال بداية تكوينهم قرر بانغ شيهيوك أن الشباب المعاصر يحتاجون إلى “بطل يمكنهم أن يستندوا عليه دون أن ينطقوا كلمة واحدة”.

واختار بايدن أن يناقش مع أكثر فرق الفتيان نفوذاً في العالم، مسائل “تمثيل” الآسيويين و”عدم إقصائهم”، إضافة إلى الجرائم العنصرية والتمييز ضد الآسيويين. وكسرت فرقة “بي تي إس” الكورية الجنوبية الطابع الرسمي لاستقبالات الإدارة الأمريكية وتصريحاتها، واغتنمت فرصة استقبال الرئيس جو بايدن أعضاءها للتنديد من منبر البيت الأبيض بالعنصرية التي تستهدف الآسيويين.

الموجة الكورية في موسيقى البوب تلقى رواجاً ملحوظاً بين مستمعي الموسيقى في العالم، لا سيما الشباب الصغار والمراهقين، بسبب طبيعة الموضوعات التي يناقشونها في أغنياتهم، وبينها الصداقة والثقة بالنفس والتنمر.

إنها بالضبط سمات الجيل Z في أنحاء العالم.

استمع إلى الفرقة الكورية التي تشغل القمة منذ سنوات لتتعرف على ملامح هذه الموسيقى الجديدة للجيل Z.

الكثير من أغنياتهم مستوحاة من مؤلفات للفيلسوف الألماني نيتشه وعالم النفس الماركسي السويسري إيريك فروم.

أعمالهم ليست مجرد أغنيات للتسلية فقط، أو كلمات يتم وضعها كيفما اتفق، وهذا واضح بقوة في انتقاداتهم لسلبيات المجتمع الكوري الجنوبي وإلقاء الضوء على الأزمات التي يعانيها المواطنون، كما أن أغنيتهم “Am I Wrong”، حملت انتقاداً صريحاً لأفكار وزير التعليم الكوري الجنوبي حينها الذي اتهم بأنه يشجع على الطبقية والعنصرية، كما عرضت في تلفزيون البلاد عام 2016، واستخدمت في إطار الحملة التي خرجت لمجابهة الفساد، ونتج عنها استبعاد رئيسة البلاد “بارك غن هي” من الرئاسة في 2016.

*في السياسة: يدعمون فلسطين أكثر من السابق
لاحظ مراقبون التضامن غير المسبوق مع القضية الفلسطينية على شبكات التواصل الاجتماعي خلال العدوان الصهيوني على حي الشيخ جراح بالقدس، في صيف 2021.

وكانت المفاجأة أن شريحة كبيرة من النشطاء الذين انتقدوا العدوان الصهيوني كانت من الأجيال حديثة السنّ في أوروبا وأمريكا، والبلاد العربية بالطبع: Generation Z.

وتشيرُ إحصاءات أجرتها مجلة The Economist البريطانية إلى أن الجيل الأمريكي الصاعد لم يعد يعتبر صداقة بلاده بكيان إسرائيل أمراً مفروغاً منه، وهبطت نسبة من يعتبرالعدو الإسرائيلي حليفة بأمريكا إلى 25% فقط من الأمريكيين بين 18-29 عاماً، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بالأجيال السابقة.

ظلّ الصهيانة أو مؤيدوهم الصوت شبه الحصري مع استبعاد الرأي الآخر ومنع ظهوره في المجال العام إلا بشكل محدود؛ ما خلق حالة من الإجماع المصطنع، حسب تعبير المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي، فتشكّل وعي الأجيال الأكبر سناً من الأمريكيين مؤيداً للرواية الصهيونية بشكل شبه كامل، خصوصاً مع انعدام وسيلة أخرى لنقل الرواية الأخرى أو الاطّلاع عليها.

لكن الجيل Z أوصل الرواية الفلسطينية للأحداث عبر منصات التواصل.

وكشف انتهاكات الصهاينة بمشاركة الأخبار والصور والفيديوهات القادمة من غزّة وباقي فلسطين.

وبالبث الحي والمباشر الذي يوثّق إما جرائم القصف أو الاعتداء على المقدسيين والمتظاهرين في مناطق مختلفة، وسمحت هذه الأدوات بتجاوز المؤسسات الإعلامية التي تفرض رؤيتها في تغطية الأحداث.

وحتى في منصات متخصّصة بألعاب الفيديو والترفيه، وجدت القضية الفلسطينية طريقها إليها، وأقام بعضهم حملة لجمع تبرّعات لصالح الفلسطينيين.

*جيل Z العربي: ضحايا فشل الربيع
فتح أبناء الجيل Z في المنطقة العربية عيونهم على واقع “عربي” يختلف عن أية منطقة بالعالم، وهم لا يختلفون كثيراً عن أقرانهم في أوروبا وأمريكا من حيث الإحساس بالإحباط والشعور بأن حياتهم بلا معنى.

ويفاقم ذلك الظروف المعيشية التي تزداد صعوبة في أغلب البلدان العربية، إضافة للعامل الأهم وهو غياب حرية التعبير عن الرأي بشكل عام وليس فقط سياسياً.

وتعد أبرز مظاهر التمرّد على الأوضاع هي التطرف في الأمور الدينية سواء في اتجاه اعتناق أفكار شديدة التطرف أو الإلحاد؛ حيث انتشرت ظاهرة الإلحاد بصورة كبيرة منذ فشل ثورات الربيع العربي التي انطلقت في تونس أواخر 2010، ولا تزال مستمرة.

ورغم صعوبة الوصول إلى أرقام دقيقة عن عدد الملحدين في العالم بشكل عام وفي المنطقة العربية بشكل خاص، فإن تصريحات نسبت لدار الإفتاء المصرية في يناير/كانون الثاني 2014، قالت إن هناك نحو 866 ملحداً في مصر، في حين قدر آخرون عددهم بالآلاف، بحسب تقرير من بي بي سي في هذا الشأن.

وفي نفس العام، عممت عدة وسائل إعلام سعودية دراسة أجرتها مؤسسة “وين غالوب الدولية للأبحاث” كشفت فيه أن “5% من السعوديين قالوا إنهم كانوا ملحدين”، في بلد يبلغ عدد سكانه 29 مليون نسمة.

ليس هذا هو الاختلاف الوحيد لجيل Z العربي عن سابقيه.

يظهر هذا التباين بين الأجيال في منطقتنا أكثر ما يكون بين جيلي X وY على وجه خاص، بسبب الطفرة التقنية المتعلقة بظهور الإنترنت، ثم ظهور الجيل الأخير في ذروة تكنولوجية بالغة التطور والسرعة.

الجيل الأخير، بحسب الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات هاني عواد، استفاد من ثورة اتصالات غير مسبوقة فتحت كل شيء على كل شيء، وهو ما أضعف المرجعيات الأخلاقية والقيمية المستقرة والسائدة، أو ما يسميه عواد “أخلاق الجماعة” ذات الطابع المحلي أو الوطني..

“لا يلتزم جيلا الألفية وما بعدها بشكل قوي بالمؤسسات والأعراف، بدءاً من مؤسسة الأسرة، مروراً بالالتزام المهني بوظيفة محددة دائمة أو الاتجاه المبكر للالتزام بمؤسسة الزواج، وصولاً للارتباط العميق بالمكان والبلد الأم”، كما يضيف الباحث.

لا يلتزم أبناء الجيلين الأخيرين بالقواعد اللغوية، فالرسائل القصيرة التي يتبادلها أبناء هذين الجيلين لا تتبع القواعد النحوية أو الإملائية المعروفة، بل تتبع أنماطاً لغوية اختزالية ورمزية وضعها أبناء هذين الجيلين أنفسهم، استقرت بمرور الوقت.

ومعظمهم يكتب الكلمات العربية بحروف لاتينية، واختصارات أصبحوا مدربين على فهمها بمجرد النظر.

أبرز ما يواجه جيل Z العربي ‬قضية‭ ‬الهوية‭ ‬والدين‭ ‬والقيم‭ ‬المجتمعية، في رأي د.حسن‭ ‬أبو‭ ‬طالب الباحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، من خلال ‬دراسته “الجيل ‭ ‬Z‭‬وإشكاليات‭ ‬التنشئة‭ ‬الافتراضية‮”‬.

يشرح قائلاً إن “‬الانفتاح‭ ‬اللامحدود‭ ‬الذي‭ ‬يتحرك‭ ‬فيه‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬عبر‭ ‬شبكة‭ ‬الإنترنت‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تسرُّب‭ ‬الأفكار‭ ‬الجديدة‭ ‬والسلوكيات‭ ‬والتوجهات‭ ‬الفكرية‭ ‬بصورة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متاحة‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬وهو‭ ‬تسرّب‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬صدّه‭ ‬إجراءات‭ ‬الحظر‭ ‬التقني‭ ‬كافة‭ ‬وطرق‭ ‬التنشئة‭ ‬المضادة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تلجأ‭ ‬إليها‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭.”‬

المشكلة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجيل تلك الثقة‭ ‬المفرطة‭ ‬بشبكة‭ ‬الإنترنت،‭ ‬والتي‭ ‬تجعل‭ ‬أبناءه‭ ‬مرتبطين‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬بالشبكة،‭ ‬معلوماتياً‭ ‬وعقائدياً‭ ‬وسلوكياً.

محركات البحث بالنسبة له مجرد مكتبة افتراضية هائلة، ‬يستقي‭ ‬منها ثقافته‭ ‬ومنظوره‭ ‬للحياة‭ ‬وللدين‭ ‬والسلوك.

‬ينظر‭ ‬ابن‭ ‬الجيل‭ ‬‮‬Z‮‬‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭ ‬بشكل‭ ‬حالم،‭ ‬كما‭ ‬يحب‭ ‬المغامرة‭ ‬ويرغب‭ ‬في‭ ‬التغيير‭ ‬الدائم‭ ‬عمّا‭ ‬هو‭ ‬مألوف‭ ‬ومستقر،‭ ‬مما‭ ‬يجعله‭ ‬أكثر‭ ‬نزوعاً‭ ‬إلى‭ ‬التمرُّد‭ ‬والعصيان،‭ ‬وأحياناً‭ ‬الانسحاب‭ ‬والهروب‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬قد يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬العنف‭ ‬كثيراً‭.‬

شهادة عربية من جيل Z: هذه منطقة محكوم عليها بالتخلف والانحطاط
أنا مشاري، وُلدت في مارس/آذار 2001 في الكويت، في العالم العربي، أو كما تسميه الأدبيات الغربية “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” (MENA).

ولدت في منطقة عربية تزداد تمزقاً منذ طفولتي حتى مراهقتي القريبة، بسياسات عسكرية وعقوبات تستهدف الدولة الوطنية.

احتلال العراق وتدخل الناتو في ليبيا، وسياسات تفكيك نظم الرعاية الاجتماعية منذ الانفتاح الاقتصادي في عقدي الثمانينيات والتسعينيات.

وصراع طائفي مستعر بين الشقين الشيعي والسني.

وصراع عربي صهيوني يديم حالة العسكرة وحالة اللااستقرار والركود.

كبرت في منطقة حُكم عليها بقدرية التخلف والانحطاط، بلا تفسير غير التفسيرات التي تنحو نحو رد التخلف إلى الثقافة والدين والتاريخ، وأحياناً بشكل مستتر نحو العرقانية، التي تعيد إنتاج السرديات الاستعمارية حول الرجل الأبيض والرجل الملون والثنائيات التي تحكم العلاقة.

لم أرَ نفسي إلا بين من يدعو المارينز للقدوم لإتمام مهمة الرجل الأبيض الحضارية، ومن يتحسر على الماضي ويحن إليه، سواء كان الماضي ليبرالياً يتمثل في الملكيات الهاشمية والعلوية بمصر، أو سلفياً متخيلاً يريد الرجوع إلى مملكة الله.

فشلت الدولة الوطنية.

واستنفدت الحركات الإسلامية قواها وجاذبيتها.

واحتضرت الحركات القومية.

وتجذرت اللامساواة الاجتماعية والتفكك الطائفي والاجتماعي والإمبريالية الغربية.

لم يبقَ لي كشاب إلا الفراغ.

لا شيء أمامي لأؤمن به أمام احتضار كل المثل والأفكار الكبرى: الدين، والعائلة، والوطن.

لم يعد شيء يتصل بواقعي وآمالي في ألفيتنا الثالثة.

مشاري المطيري/ موقع منشور

* هذه الحقائق المُبهجة والمُخيفة عن جيل يرسم المستقبل
غالباً ما يُنظر إلى جيل الألفية على أنه جيل “أصحاب الحقوق” الذي “هدم” كل شيء، من الألماس إلى الجنس.

لكن عندما نفكر في جيل Z التالي له، نغرق في محادثات مرهقة حول ألعاب الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن الأمر يتجاوز ذلك إلى سلوك مختلف، ومستقبل مليء بالاحتمالات.

التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي اليوم غيّرت سلوك الجميع، وليس الأطفال فقط.

أنظر إلى بعض “أطفال اليوم” وقد باتوا مدركين تماماً للمخاطر الاقتصادية والبيئية، ومنفتحين على النماذج الاجتماعية الجديدة، في الحياة والعلاقات والعمل والملكية.

ليس كل ذلك بغريب، فهو الجيل الأول الذي استمتع بسهولة الوصول إلى تكنولوجيا الإنترنت في سن مبكرة.

وشهد تدفقاً غير مسبوق من التكنولوجيا لم تكن تمتلكها الأجيال السابقة، لا سيما بسبب ثورة الويب التي حدثت خلال التسعينيات.

هو لا يتصور الحياة دون اتصال بالشبكة، وفور انقطاع البث لأي سبب، يدخل أبناء هذا الجيل في صراعات عقلية وعاطفية لا تنتهي إلا بمعاودة الاتصال.

امتلاك هاتف ذكي الآن هو الأولوية المطلقة لثلاثة أرباع جيل Z.

أكثر من ربع هؤلاء المراهقين متصلون بالإنترنت، ونشطون جداً على وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً، لا سيما Instagram وSnapchat، وهي مواقع من غير المحتمل أن ينشط فيها جيل الآباء.

لكن أهم ما يميز Gen Z هو التغيير الاجتماعي الناجم عن الالتحام بكل منتجات التكنولوجيا، وبالتالي الانفتاح على العالم.

وهو جيل محظوظ لأنه يكبر في عالم يُظهر المزيد من التقدير والاعتراف للأطفال والمراهقين.

والعلاقة بين الوالدين والطفل أصبحت أكثر صدقاً ومساواة عن ذي قبل.

رغم ذلك هناك‭ ‬نفور‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬جيل‭ ‬‮‬Z‮‬‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أنواع‭ ‬المؤسسات‭ ‬المحافظة‭ ‬والسلطوية‭ ‬والأبوية،‭ ‬وهو‭ ‬نفور موجود‭ ‬لدى‭ ‬قطاعات‭ ‬من الجيل السابق ‬لكن‭ ‬بدرجة‭ ‬أقل.

سيخبرك علماء نفس الأطفال أن السمة الأساسية للجيل Z هي أنهم الجيل الأكثر “تمكيناً” على الإطلاق.

فأين يذهبون بمصائرهم، وإلى أين يأخذون هذا الكوكب؟

المادة الصحفية نقلت حرفيا من موقع عربي بوست ولا تعبر عن راي الموقع