وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

الموارد الأساسية والإمبريالية والحرب ضد روسيا (2)

بقلم: غابرييل بلاك
ترجمة: أسماء بجاش, الإدارة العامة للترجمة والتحرير الأجنبي “سبأ”

الولايات المتحدة والصين والمعادن الحرجة:

من بين 50 من المعادن المهمة, استشهدت بها حكومة الولايات المتحدة، فإن اللافت للنظر هو أنه لا يتم إنتاج أي منها تقريباً في المقام الأول في الولايات المتحدة الأمريكية.

وبسبب مزيج من الجيولوجيا والاقتصاد، تنتج الولايات المتحدة غالبية إمداداتها لخمسة فقط من المعادن الخمسين المدرجة في القائمة.

وتسع وعشرون من هذه المعادن الخمسين مستوردة بنسبة 100 % وأربعون مستوردة بنسبة 75 % أو أكثر.

يعد اعتماد الولايات المتحدة على الإمدادات الأجنبية من المعادن الحيوية مصدر قلق متزايد بين الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة, خاصة أنها تستعد لمواجهة عسكرية مع الصين.

في سبتمبر من العام 2020، أصدرت إدارة ترامب المرسوم رقم 13953، والذي يعلن حالة طوارئ الوطنية لحالة الإمداد المعدني الحرجة التي تواجه الولايات المتحدة.

ينص المرسوم على أن “هذه المعادن ضرورية لبلدنا”، لكن “ليس لدينا في الوقت الحالي القدرة على إنتاجها في شكل معالج بالكميات التي نحتاجها… حيث تستورد الولايات المتحدة أكثر من نصف استهلاكها السنوي بالنسبة إلى 31 من أصل 35 من المعادن الحرجة, الولايات المتحدة ليس لديها إنتاج محلي لـ 14 من المعادن الحيوية وتعتمد بشكل كامل على الواردات لتلبية طلبها”.

بعد ما يقرب من ستة أشهر، في فبراير 2021، وقعت إدارة الرئيس بايدن مرسوم الأمر التنفيذي “EO14017” والذي يهدف إلى «تعزيز مرونة سلاسل التوريد الأمريكية».

كان الأمر بالإضافة إلى الأمر التنفيذي “”EO13953 الذي وقع عليه ترامب، والذي يخول وزارة الطاقة التحقيق في مخاطر سلسلة التوريد وتقديم التوصيات.

الرئيس جو بايدن يستمع خلال حدث في قاعة المحكمة الجنوبية لمبنى المكتب التنفيذي في أيزنهاور في مجمع البيت الأبيض، يوم الثلاثاء 22 فبراير 2022/ في واشنطن/ تصوير: أليكس براندون/ وكالة الاسشيتد برس.

 

نُشرت نتائج السنة الأولى من هذا الأمر في 24 فبراير 2022، وهو نفس يوم الغزو الروسي لأوكرانيا, حيث كان جزء من «خطة لتنشيط التصنيع الأمريكي وتأمين سلاسل التوريد الحرجة».

قبل يومين، عقد اجتماع لتعزيز التدابير المعدنية الحاسمة, كان رئيس نقابة عمال الصلب، توم كونواي، هناك, حيث التقى بالرئيس بايدن على انفراد للتأكد من أن الاتحاد سوف ينهي إضراب النفط الوطني ويدعم حملة الحرب.

خلال ذلك الاجتماع، قال بايدن إن حكومته ساعدت في تسهيل استثمارات جديدة بمليارات الدولارات.

كان يتحدث عن «المعادن الهامة مثل الليثيوم والجرافيت ومعادن الأرض النادرة… التي تشتد الحاجة إليها للعديد من المنتجات الأمريكية.

في 31 مارس 2022، استند بايدن إلى قانون الإنتاج الدفاعي لضمان توريد «موثوق» لهذه المعادن.

هذا القانون هو مرسوم في زمن الحرب من الحرب الكورية, حيث يسمح هذا  للحكومة، نيابة عن الدفاع الوطني، بالتحكم في الاستثمار الخاص وتوجيهه.

إن قلق الإمبريالية الأمريكية ليس فقط أنها لا تنتج هذه الموارد الحيوية وتتحكم فيها فحسب, بل أن قلق الدولة الأمريكية هو بالأحرى أن الصين، الهدف الرئيسي لطموحاتها الجيوستراتيجية، يمكنها القيام بذلك.

تهيمن الصين على معالجة المعادن الحيوية, كما أنها تلعب الدور الرئيسي في استخراج (التعدين) العديد من المعادن.

من ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة ليست في طليعة استخراج أو معالجة أي من هذه المعادن الرئيسية.

المثال الأكثر لفت للنظر هو معدن الأرض النادرة, هذه المجموعة المكونة من 17 معدن، والتي أصبحت الآن حيوية لصناعة الإلكترونيات والدفاعات العالمية، تتم معالجتها بشكل حصري تقريباً في الصين.

تنتج الولايات المتحدة أكثر من 10 %  من معدن الأرض النادرة في العالم، لكن الصين طغت عليها.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية راضية لبعض الوقت عن السماح للصين بالسيطرة على المعالجة، و بدرجة أقل، استخراج هذه المعادن.

يعد استخراج الفلزات والمعادن ومعالجتها أحد أخطر الجوانب البيئية للصناعة العالمية.

يؤدي القيام بذلك بأسعار منخفضة إلى تفشي التلوث والنفايات السامة، وهي مشكلة رئيسية لصحة الحياة البشرية.

كانت الصين بمثابة ورشة عمل لبؤس الاقتصاد الرأسمالي لعدة عقود, حيث تركزت العمليات الإنتاجية للدول الإمبريالية في مدن المصانع الضخمة في الصين، بما في ذلك الإلكترونيات.

ومن المنطقي تركيز معالجة المعادن من الاقتصاد العالمي، بما في ذلك نفاياتها.

ومع ذلك، على مدى السنوات 15 الماضية، نظرت الولايات المتحدة بشكل متزايد إلى الصين على أنها تهديد وجودي لهيمنتها العالمية.

لذا, بدؤوا في إعادة توجيه استراتيجيتهم العسكرية العالمية «لإحتواء»، وإخضاع الصين.

يعد إنشاء سلاسل توريد تنافسية لهذه المواد الحيوية عنصر رئيسي في هذا الجهد.

في ظل إدارة الرئيس باراك أوباما، تم تنفيذ محور هائل للقوات المسلحة الأمريكية، من أجل تطويق الصين وتأكيد القوة السياسية والاقتصادية الأمريكية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

في العام 2016، أشار الجنرال مارك أ. ميلي، رئيس أركان الجيش في ذلك الوقت, إلى أن «الصين الصاعدة» في العقود المقبلة، الحرب بين الولايات المتحدة وخصم كبير «شبه مضمونة».

وفي مارس 2021، حذر قائد المحيطين الهندي والهادئ, الأمريكي المتقاعد، الأدميرال فيل ديفيدسون، من احتمال اندلاع حرب مع الصين في غضون ست سنوات.

وبعد بضعة أشهر، في نوفمبر، قال الجنرال ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الآن، إن الحرب يمكن أن تحدث خلال العامين المقبلين.

ليس من الضروري أن يكون لدينا الكثير من الخيال للنظر في كيفية تدهور الحرب – التي تهم بشكل مباشر 40 % من الاقتصاد العالمي وما يقرب من ملياري شخص- بسرعة إلى حرب عالمية ثالثة ذات أبعاد كارثية.

ينفق الجيش الأمريكي المليارات من الدولارات للاستعداد لمثل هذا الصراع, لكنه قلق بشكل خاص بشأن قضية العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية الأخرى التي تعتبر حيوية للاقتصاد العام وكذلك للأسلحة المتطورة.

تتمثل الاستراتيجية العامة للإمبريالية الأمريكية في وقف صعود الصين وإخضاع سوقها المحلية الواسعة لرأس المال المالي الأمريكي.

لكن وزارة الدفاع تعتقد أن هذا لن ينجح بدون سلاسل توريد أكبر وأفضل حماية لهذه المعادن المهمة.

للولايات المتحدة تأثير كبير على الصين فيما يتعلق بواردات النفط، لكن الصين لها تأثير على الولايات المتحدة فيما يتعلق بالمعادن الحيوية.

في مؤتمر صحفي عقد في البيت الأبيض في 31 مارس، استخدام قانون حماية الدفاع لتأمين المعادن الحيوية، أُعلن أن الولايات المتحدة تعتمد على مصادر أجنبية غير موثوقة للعديد من المواد الاستراتيجية والحيوية اللازمة للانتقال إلى الطاقة النظيفة.

هذه مواد أساسية مثل الليثيوم والنيكل والكوبالت والجرافيت والمنغنيز للبطاريات عالية السعة – كان علينا استيراد جزء كبير حوالي 100٪ – من البلدان الأخرى، وخاصة الصين.

تم التعبير عن شعور مماثل في الصحافة الأوروبية، فمن على منبر صحيفة ” التليغراف –Telegraph ” تم تسليط الضوء على ذكر أن “هيمنة الصين على المعادن الحرجة يمكن أن تكون خطيرة على أوروبا مثل سلاح الطاقة الروسي… استيقظت أوروبا في وقت متأخر جداً من السباق العالمي للحصول على مواد مهمة”.

 

معادن روسيا الحاسمة:

إن الحاجة العميقة لرأس المال المالي الأمريكي للسيطرة على المصادر الحالية والمستقبلية للمعادن الحاسمة، فضلاً عن سيطرة الصين غير المتناسبة عليها، هي جزء مهم من خلفية إرادة الحرب ضد روسيا.

على الرغم من أن روسيا ليست المورد الوحيد لمعدن رئيسي مهم، إلا أن التحليل أدناه يشرح بالتفصيل كيف تلعب الدور الرائد في إنتاج مجموعة متنوعة من المعادن الرئيسية، وتحتفظ بحصة كبيرة من احتياطيات العالم.

لفهم الإرادة العامة للولايات المتحدة للسيطرة على أوراسيا وإخضاع روسيا، يجب ألا نهمل دور هذه الموارد الرئيسية.

فيما يلي تفاصيل العديد من المعادن الرئيسية واستخدامها ودور روسيا في إنتاجها واحتياطياتها.

روسيا هي واحدة من أكبر مستخلصات معدن النيكل في العالم, حيث تحتل المرتبة الثالثة أو الرابعة بشكل عام، بعد إندونيسيا والفلبين، وبالكاد تقف على نفس النسبة مع جنوب إفريقيا.

يستخرج العالم ما يقرب من 2.5 مليون طن من النيكل كل عام, حيث أن أكبر استخدام لهذا المعدن المهم هو الفولاذ.

يتطلب إنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ غمر الفولاذ بعناصر أخرى لإنشاء سبيكة, ولهذا, يجعل النيكل من الفئة 1، وهو أنقى أشكال النيكل، الفولاذ أقوى وأصلب, خاصة في درجات الحرارة المنخفضة, كما أنه يوفر مقاومة للحرارة والصدأ.

ثلثا إنتاج النيكل يذهب إلى صناعة الفولاذ المقاوم للصدأ, ويستخدم هذا الأخير بدوره في البناء، والسفن، وبعض السيارات، والصناعة الطبية (لمجموعة متنوعة من الأدوات) الطاقة والصناعة (خاصة عند الحاجة إلى تخزين مقاوم للضوء والتآكل)، وكذلك في أواني المطبخ.

يشكل النيكل في نفس الوقت مجموعة متنوعة من السبائك الأكثر تطوراً والمستخدمة في إنتاج شفرات التوربينات (للمحركات النفاثة والصناعة البحرية ومحطات الطاقة).

أخيراً، يستخدم في صناعة الإلكترونيات (أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف والكاميرات الرقمية) وأدوات القياس عالية الدقة.

تتوقع وكالة الطاقة الدولية أنه سوف يتعين زيادة إنتاج النيكل العالمي بمقدار 19 ضعف على مدار الـ 18 عام القادمة للوصول إلى سيناريو التنمية المستدامة (SDS)، وهو زيادة مذهلة في الإنتاج الحالي.

يعد مسحوق كبريتات النيكل مكون رئيسي لبطاريات الليثيوم أيون، ويشكل الجزء الرئيسي من كاثود البطارية.

ينعكس دور روسيا في إنتاج النيكل العالمي في ارتفاع أسعار النيكل منذ بداية الحرب.

تم تداول النيكل بأقل من 20500 يورو للطن المتري في عام 2021, واليوم، يتم تداوله بأقل من 30860 يورو للطن المتري.

في الأسابيع الأولى من الحرب، ارتفع السعر لفترة وجيزة بنسبة 100 %,  تمتلك روسيا 6.3 مليون طن متري من احتياطيات النيكل، أو 7 % من الإجمالي العالمي, لذا, فإن روسيا تعتبر تتربع على عرش المرتبة الرابعة لأكبر مالك للاحتياطيات.

يتم جميع الإنتاج الروسي بصورة تقريبية في منطقة نوريلسك, وهي تحت إشراف شركة نورنيكل، أكبر شركة معدنية في روسيا (باستثناء الحديد والصلب).

في الغالب, ما يتم تصنيف نورنيكل كواحدة من أكبر شركتين منتجتين للنيكل في العالم.

يقع قسم كولا في نورنيكل، مصدر إنتاجه الرئيسي، بالقرب من الحدود الفنلندية في الدائرة القطبية الشمالية.

إنها حدود يمكن أن تصبح عسكرية بسرعة بعد طلب فنلندا الانضمام إلى الناتو, ناهيك عن كون المنطقة هي أيضا موطن لإنتاج كبير من النحاس والبلاديوم.

كما أن جودة معدن النيكل الروسي جديرة بالملاحظة, فبينما تنتج روسيا 10 % فقط من النيكل في العالم، فإنها تنتج 20 % من فئتها النيكل1, الشكل المكرر الأكثر قيمة, حيث يتم استخدامه في إنتاج الصلب والسبائك المتقدمة, بسبب الاحتياطيات عالية الجودة في روسيا.

 

معادن مجموعة البلاتين:

روسيا هي واحدة من المنتجين الرئيسيين لمعادن المجموعة البلاتينية التي تشمل ستة معادن لها خصائص كيميائية وفيزيائية مماثلة وتوجد عادة معاً في الرواسب المعدنية.

وعلى الرغم من تمييزها عن النيكل، توجد معادن مجموعة البلاتين في نفس الخام ويتم استخراجها أحياناً جنب إلى جنب.

الثلاثة الأكثر أهمية هي البلاديوم والبلاتين والروديوم والآخرون هم الأوزميوم والإيريديوم والروثينيوم.

ووفقًا لشركة استشارات المواد الخام Agiboo – أجيبو” ، فإن 25 %  من جميع المنتجات المصنعة تحتوي أو تحتاج إلى معادن مجموعة البلاتين في عملية التصنيع.

الروديوم

روسيا تقف في نفس المرتبة تقريباً مع جنوب إفريقيا باعتبارها منتج البلاديوم الرائد. ومع ذلك، أصدرت جامعة كولومبيا تقريراً عن المعادن الهامة، والذي يشير إلى أن إمدادات جنوب إفريقيا من البلاديوم «تعطلت بسبب الإضرابات على مدار العقد الماضي»، مما جعلها أقل موثوقية.

أنتج العالم حوالي 210 ألف كيلوجرام من البلاديوم في العام 2019، وذلك بحسب المسح الجيولوجي الأمريكي, حيث أنتجت روسيا 40 % منه.

كما هو الحال مع إنتاج النيكل، يتركز استخراج روسيا لهذا المعدن المهم على شركة نورنيكل، وهي أكبر منتج خاص للبلاديوم في العالم.

يهيمن على الإنتاج منجمان محددان تديرهما الشركة، Oktyabrsky- اوكتيابرسكي” و” تايميرسكي –Taimyrsky” وكلاهما يقع في الدائرة القطبية الشمالية في أقصى شمال سيبيريا.

هذان المنجمان كبيران لدرجة أن الفيضان الذي أثر عليهما العام الماضي أوقف خمس إمدادات العالم من البلاديوم وينتج كلا المنجمين الروديوم والبلاتين في نفس عملية التعدين العامة.

ارتفع سعر البلاديوم في السنوات الأخيرة, قبل العام 2019، كان السعر يحوم حول 28000 يورو للكيلوغرام.

على مدى العامين الماضيين، ارتفع إلى حوالي 70000 يورو في المتوسط للكيلوغرام.

في بداية الحرب، تجاوزت لفترة وجيزة 93200 يورو للكيلو، لأن التجار في المواد الخام تفاعلوا مع غزو أوكرانيا من قبل روسيا.

يعتبر الاستخدام الرئيسي للبلاديوم كمحفز, حيث يستخدم نصف إمدادات العالم من البلاديوم والبلاتين في المحولات الحفازة.

تقوم المحولات الحفازة بتحويل غازات العادم السامة من السيارات (أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين) والمركبات الأخرى إلى ثاني أكسيد الكربون والماء.

توجد في جميع المركبات الحديثة بصورة تقريبية وهي ضرورية للحد من التلوث, كما يستخدم أيضا لنفس الغرض لمجموعتين رئيسيتين لمعادن مجموعة البلاتين، وهما البلاتين والروديوم, وتتطلب لوائح العادم الأكثر صرامة كميات أكبر من هذه المخططات.

  • موقع الويب الاشتراكي العالمي- wsws ” النسخة الفرنسية
  • المادة الصحفية تم ترجمتها حرفياً من المصدر وبالضرورة لا تعبر عن رأي الموقع