وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

دور الأمم المتحدة في الإبادة الجماعية في اليمن

السياسية – متابعات :

بالقرار 2216، تم إضفاء الشرعية على الإبادة الجماعية للأمم المتحدة. وبهذا تكون الأمم المتحدة نفسها قد خالفت القانون الدولي الذي أقرته هي بنفسها.

بقلم: جورج ميجل (مجلة “تيليبوليس” الألمانية، ترجمة: نشوى الرازحي-سبا)-

لا يوجد إنسان معصوم. كما لا توجد مؤسسة إنسانية. ولا حتى تلك التي تُعد واحدة من أفضل المؤسسات التي أنشأتها البشرية على الإطلاق: الأمم المتحدة. والدليل الصارخ على ذلك: دور الأمم المتحدة في الإبادة الجماعية في اليمن. الأمم المتحدة مشاركة وبلا شك في القتل الجماعي المتعمد وخاصة لأكثر من 85 ألف طفل، وفقاً لمنظمة “أنقذوا الأطفال”.

هذا الاستنتاج يمكن تحديده بدقة اليوم.  أصدر مجلس الأمن الدولي في 14 إبريل 2015 القرار 2216 دون أن يكون هناك أصوات معارضة – روسيا التي امتنعت عن التصويت- الذي يفرض حظر على الأسلحة وعقوبات أخرى ضد جماعة الحوثي المسلحة، وحدهم فقط دون غيرهم.

والنتائج المباشرة لذلك القرار أبرزتها منظمة أطباء بلا حدود. فوفقاً للمنظمة أصدر التحالف العسكري بقيادة السعودية “شيكاً على بياض” لتدمير البنية التحتية بأكملها، تلك البنية التي من الممكن أن توفر للمتمردين (حد قولهم) ميزة عسكرية- مثل الطرقات والمطارات والموانئ والمحطات و “فرض حظر على الطيران والتجارة البحرية، مما أدى بالفعل إلى عزل البلاد عن بقية العالم.”

وبما أن إمدادات المعيشة في اليمن تعتمد بالكامل على الواردات، فإن قرار الأمم المتحدة هذا يعني على وجه الخصوص إضفاء الشرعية على الحصار الكلي للإمدادات. لا وقود لا طعام لا مياه صالحة للشرب لا دواء. أي أن اليمن أصبحت خالية تماماً من كل ما يمكنها من البقاء على قيد الحياة.

قرار الأمم المتحدة رقم 2216 مساعدة في الإبادة الجماعية:

وفقا للفهم المعتاد للقانون الدولي، مثل هذا الحصار واضح وضوح الشمس بأنه جريمة حرب. وبالقرار 2216، شرعنت الأمم المتحدة الإبادة الجماعية. فمنذ العام 2015، عمل التحالف العسكري بقيادة السعودية وبشكل منتظم، وبدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على تنفيذ الإبادة الجماعية في اليمن. نستطيع القول بمعنى آخر أن الأمم المتحدة نفسها ألغت الأساس الذي أُنشئت بناءً عليه، ألا وهو القانون الدولي.

ألا ينبغي أن يوضح هذا التناقض على الأقل الحقيقة في تعاملاتنا مع حرب اليمن؟ الذي يعتبر الفضيحة الحقيقية في تعاملاتنا مع حرب اليمن. وكل ما عدا ذلك يمكن قوله عن حرب اليمن، فهو ثانوي تقريباً.

عشرات الآلاف الذين قتلتهم القنابل والعبوات الناسفة، بنادق كلاشينكوف قديمة أو ما هو جديد منها من الصناعة الغربية، وعن طريق الطائرات بدون طيار المبرمجة  بصورة صحيحة أو صورة خاطئة والأضرار الجانبية التي لا توصف وتوريد قاذفات القنابل، والسفن الحربية والمعدات الحربية بجميع أنواعها من قبل حكوماتنا: فلماذا التفاجؤ من ذلك والأمم المتحدة نفسها هي التي من تغطي على كل ذلك. وكأن هناك اتفاق على تسليم ملايين من الناس بكل بساطة إلى المجاعة وقتلهم بنجاح لا يكاد يُصدق!

لا أعتقد أننا حتى الآن كنا مدركين بشكل كاف لبعد فشل المؤسسة القانونية الدولية التي طالما أشدنا بها حتى الآن بحق، إنها الأمم المتحدة على وجه التحديد.

حصار الجوع ضد اليمن أسوأ من جحيم الحرب نفسها. والسؤال عن المذنب يتم تجاهله حتى الآن.

لقد استغرق الأمر أكثر من ثلاثة أعوام، إلى أن دعا القتل والتقطيع السعودي بمنشار العظام في اسطنبول صحيفة نيويورك تايمز لتسليط الضوء على حجم التقتيل الذي تقوده السعودية في اليمن وعدم إخفاءه أطول من ذلك عن القراء . https://www.nytimes.com/interactive/2018/10/26/waorld/middleeast/saudi-arabia-war-yemen.html

وفي هذا السياق أشارت أيضا ولأول مرة أن الجزء الأكبر من هذه الأعمال المميتة لم تكن فقط بفعل عمليات القصف الجوي المباشرة بل كانت أيضا عن طريق ما يسمى بالحرب غير المباشرة “الحرب الاقتصادية”: عن طريق وقف دفع الرواتب لكل السكان المناهضين وغير المتعاونين مع المملكة العربية السعودية وكذلك عن طريق تخفيض قيمة العملة من خلال ممارسات البنك المركزي الذي تم نقله من صنعاء إلى عدن. هذا بالإضافة إلى التدمير المتعمد لطرق ووسائل الإمداد بالغذاء والمواد الضرورية للحياة. حتى أنه تم استخدام الطائرات بدون طيار لقصف الماشية. وأخيرا وليس آخراً، عن طريق فرض الحصار الجوي والبحري والبرى والذي يعتبر العنصر الأكثر وحشية في هذه الإستراتيجية لتدمير جميع سبل العيش.

ما تقوم به الأمم المتحدة في المجالات الإنسانية جيد؛ وهو على الأقل أفضل مما يمكن أن يفعله بقية العالم. ولذا كانت الصورة الإيجابية هي الصورة المُعتادة التي رُسمت للأمم المتحدة. حتى بالنسبة لي. لكنها صورة أصابتها الشروخ بشكل جذري بسبب قرار الأمم المتحدة رقم 2216، الذي أصبحت تبعاته الآن واضحة للعيان ومعروفة لدى الجميع.

كيف؟ هذا هو التساؤل الذي يرتفع صوته في فكرنا الفردي والجماعي الرافض، كيف ساهم قرار واحد للأمم المتحدة في إحداث أسوأ جحيم من خلال القصف بأحدث المقاتلات الأميركية، F-15، ذات التقنية العالية والمُكلفة صفوف مدارس بأكملها وتجمعات العزاء والزفاف؟

وهذا الحال كبير الشبه بطيف الإبادة الجماعية جراء الحصار الذي أدى إلى المجاعة الذي يُذكر وخاصة في أوروبا، إذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء، إلى الحصار البحري الإنجليزي خلال الحرب العالمية الأولى، الذي كان أكثر فاعلية بكثير من الجحيم المعتاد للحرب. وبالإضافة إلى كونه أكثر كفاءة، يكون استخدام العنف فيه أقل بكثير ناهيك عن كونه يحد من خطر سقوط ضحايا في صفوفه الخاصة. وعلاوة على هذا كله لا يمكن ملاحظة التأثير بصورة مباشرة. ما أن هذه الوسيلة ليست لافتة ومثيرة للاشمئزاز كتلك التي تُخلف صوراً فوتوغرافية لضحايا أجسادهم ممزقة وآخرون أجسادهم محروقة.

حسنا: لا يسعني إلا أن أطلب من قراء هذا المقال مرة أخرى “بهدوء” تخصيص جزء من وقتهم لقراءة المقال الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز المذكور آنفا.

الإبادة الجماعية في اليمن – حقيقة

وصفت الأمم المتحدة بنفسها الآن أن الوضع في اليمن قد بات “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، “أزمة”، وفقاً لمنسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، ليز غراندي، جعلت 14 مليون يمني معرضون لخطر الموت جوعاً في الأشهر القليلة المقبلة. وعلى الجانب الآخر من هذه الأزمة، عادت وفقاً للأمم المتحدة نفسها مرة أخرى، “أسوأ حالة تفش لوباء الكوليرا في التاريخ.

والأمم المتحدة نفسها هي المسئولة عن هذا الوضع، وذلك بفضل القرار 2216 لعام 2015.

ولكن ماذا بعد؟

كيف ينبغي أن تكون ردة فعل “ضمير البشرية” الحي، كما يُسمى في سياق القانون الدولي إزاء هذا الوضع؟ كيف عليه أن يتصرف إزاء استمرار ما يجري؟ فمن يأمر بذلك عليه أن يستمر في التزام الصمت حيال هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي.

تعديل القرار 2216 أمر ضروري:

أنا أرى أن هناك مساراً واحداً واضحا: يجب أن تلغي الأمم المتحدة بنفسها قرار الأمم المتحدة 2216، الذي فتح الباب أمام الممارسات العدائية والإبادة الجماعية التي تقترفها المملكة العربية السعودية وموجهوها الغربيين في اليمن.

ولكن كيف يمكن أن يتم ذلك ؟ حسنا، جمهورية ألمانيا الاتحادية هي ممثلة مجلس الأمن في العام 2019. وبالتالي يمكن لسياسة ألمانيا الخارجية أن تطرح ما يجب فعله حيال الاحتجاجات بشأن الأزمة اليمنية.

إنه اختبار المصداقية، الذي يظهر لمرة واحدة وبصورة استثنائية على أنه ليس تبريراً آخراً للتدخل العسكري.  واختبار المصداقية هذا لن تخضع له ألمانيا فقط بل ستخضع له مصداقية النظام القانوني الدولي بأكمله – أو بالأحرى ما تبقى منه- وسيحسم مسألة اليمن.

هل ينطبق مبدأ ـ الُمسبب أيضا على الأمم المتحدة؟

أي شخص تسبب في أي ضرر، هو متورط أيضا وبالتالي سيتعين عليه تحمل مسئولية إنهاء الضرر أو تعويضها. فهل ينطبق مبدأ ـ المُسبب الذي يُطبق في الحياة اليومية دون اعتراض على المستوى الدولي؟  حتى لو كانت الأمم المتحدة نفسها هي المشارك في الجرم؟

إن التحقيق في تعقيدات هذه المسألة الأساسية هو مهمة المحامين الدوليين والفلسفة القانونية الدولية. لذا: هيا للعمل، أيها الزملاء الأعزاء!

وماذا عن محادثات السلام؟

طُرحت هذه القضية بشكل فعلي في سياق محادثات السلام التي عقدت برعاية الأمم المتحدة في ديسمبر 2017 بمدينة ستوكهولم وسيتم مواصلتها في بلدة ريمبو السويسرية. ولكن لن يستحق ذلك اللقاء مسمى”محادثات السلام” إلا إذا تم إلغاء قانون الأمم المتحدة رقم 2216، الذي تمت صياغته بتناقض كبير بين ميثاق الأمم المتحدة المستند على السلام العالمي من ناحية و بين التشجيع التام للإبادة الجماعية من ناحية أخرى.

ولكن حل كهذا لا تلوح بوادره في الأفق. خصوصا في ظل الكوكبة التي تشكل لقاء ستوكهولم وريمبو. (ولكن قد تكون هناك قصة جديدة مرة أخرى.). وخاصة إذا صمت السلاح في الحديدة فلن تكون قضية الموت المُحدق نتيجة حصار التجويع للمملكة العربية السعودية الذي وافقت عليه الأمم المتحدة أبدا ضمن أجندة محادثات السلام المرتقبة.

ختاما: تحية وإجلال لجمال بنعمر و كريستوف فون سبونيك

نحن البشر عرضة للخطأ وهذا ليس بالأمر السيئ، لو وُجد الأشخاص الذين يوضحون لنا أخطاءنا. و أولئك الذين ينأون بأنفسهم عن من يُصرون على أخطائهم هم أساس لبقية أملنا الكبير السابق لمستقبل إنساني وهم هم قلة من البشر.

تذكرت في هذا المقام شخصين.  هانز-كريستوف فون سبونيك ، الذي استقال من منصبه في عام 2000 كرئيس لبرنامج النفط مقابل الغذاء التابع للأمم المتحدة في الفترة التي سبقت حرب العراق احتجاجاً على سياسة العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على قتل مئات الآلاف من الأطفال العراقيين. مجلس الأمن (مقابلة مع هانز-كريستوف فون سبونيك). و جمال بنعمر، الذي استقال من منصبه كمبعوث خاص للأمم المتحدة في اليمن بعد بضعة أيام من إصدار مجلس الأمن القرار 2216 في أبريل 2015 – وحذر صراحة في بيانه الصحفي من أن الحظر المفروض على اليمن من شأنه أن يفاقم من الأزمة الإنسانية الموجودة أساساً.