وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

“النجاحات الوهمية” تصنعها السوشيال ميديا وتكشف زيفها

أطباء وعلماء وفنانون تخرّجوا في “مواقع التواصل الاجتماعي” بعضهم تورط عن غير قصد وآخرون أسهموا في التضليل

السياسية:

إنها البيئة المثالية والحاضنة الأكثر نموذجية للنجاحات المزيفة التي تحاكي الإنجازات الحقيقية إلى حد بعيد، فبالكاد يمكن التمييز بين ما هو واقعي وبين ما هو محض ادعاء فيما يتعلق بفضاءات السوشيال ميديا، وفي وقت تبدو فيه الصور والفيديوهات البرّاقة والكلمات المُنمّقة قابلة للتصديق من دون أي رغبة في التحقق حتى لو كانت غير منطقية.

لم يعد لفضيلة البحث جمهور كبير على ما يبدو، بالتالي فأصحاب الإنجازات غير المسبوقة باتوا كثيرين للغاية بفعل تلك الأجواء، لكن مهلاً، الأمور ليست قاتمة إلى هذه الدرجة، فمثلما يصعدون في دقائق بسرعة الصاروخ إلى قمة التريند، ويتغزل الجميع في قدراتهم، يكون السقوط مروعاً أيضاً.

واللافت أن بعض الأشخاص لا يشاركون عن قصد في تلك الحالة، لكنهم يجدون أنفسهم فجأة وقد نالوا أوصافاً غير دقيقة، وجرى الاحتفاء بهم، ولصق نجاحات في سيرتهم الذاتية، على الرغم من أنهم لم يشاركوا فيها بالمرة.

نجمة الفضاء

قد تكون المصرية سارة صبري التي حلّقت أخيراً ضمن رحلة للفضاء استمر وجودها فيها دقائق قليلة، أحدث الوجوه التي أسهمت السوشيال ميديا في صنع ضجيج وجدل حولها، وبدا وضعها مرتبكاً للغاية، ففي حين حرصت باحثة الفيزياء على التعبير عن سعادتها بمشاركتها بوصفها سائحة في رحلة للفضاء، حيث تعد أول امرأة مصرية تجتاز تلك التجربة، وجدت من يصفها بأنها “رائدة فضاء”، فقيامها بتجربة المحاكاة التناظرية للظروف القاسية للسفر إلى الفضاء لا يجعل منها رائدة فضاء، مثلما وصفتها آلاف التعليقات والتدوينات التي احتفت بها، وكأنها ستسافر كمحترفة بهدف استكشافات علمية.

وعلى الرغم من أنها تجربة جيدة للغاية، وأمر مشوق، ومن حق سارة صبري الحاصلة على درجة الماجستير في الهندسة، والتي تسعى إلى الحصول على درجة الدكتوراه في علوم الفضاء، أن تسعد بتلك المشاركة، فإن المثير للدهشة أن هذه المشاركة صاحبها سيل من التضليل عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي صنعت إنجازاً وهمياً، واحتفت به لأيام.

والمنصات ذاتها أيضاً كانت المساهم الأول في استيضاح الحقائق، بعد أن تبين أن سفر سارة صبري من طريق شركة Blue Origin وبرعاية مؤسسة Space for Humanity ضمن طاقم الرحلة الـ22 للشركة إلى الفضاء على متن صاروخها New Shepherd، وذلك في إطار مبادرة الفضاء من أجل الإنسانية.

اللافت أيضاً أن صفحة منسوبة إلى وكالة الفضاء المصرية على “فيسبوك” قد وقعت في فخ تعبير “رائدة فضاء”، وبالفعل قدمت التهنئة لصبري على هذا الأساس، حيث نشرت تدوينة كان مطلعها، “وكالة الفضاء المصرية تبارك بكل فخر أول رائدة فضاء مصرية”، في حين أن سارة حرصت على توضيح الحقائق أكثر من مرة، ووصفت تعبير راد فضاء بأنه غير دقيق بالمرة، بل قالت إنه مضلل.

مَن يورط مَن؟

سارة صبري كانت حريصة منذ بداية إثارة أنباء سفرها إلى الفضاء على توضيح الحقائق، حتى وإن كانت بعض التدوينات ظلت تنسب لها نجاحات لم تُسهم بها، فالإنجازات العلمية المبالغ بها في مجال علوم الفضاء أيضاً كانت عنواناً لمنشورات الاحتفاء بالباحثة المصرية في الفيزياء الفلكية بجامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة الأميركية مريم عصمت، فالفتاة شاركت كمتدربة في برنامج محاكاة خاص بتطوير بعض التقنيات في تلسكوب جيمس ويب، وتحديداً في تصميم برمجيات كاميرا الأشعة تحت الحمراء الخاصة بالتلسكوب الذي شاهدنا بسببه صوراً مذهلة لأجزاء من الكون، وهو الحدث العلمي الأكثر إثارة للاهتمام في الأسابيع الأخيرة.

وطالب كثيرون بتكريم الباحثة الناشطة، التي لا ينكر أحد اجتهادها وتميزها، لكن بحسب المعلومات المتاحة، فالباحثة التي درست الفيزياء الفلكية والأدب كذلك لم تكن ضمن الفريق الرسمي الذي اعترفت به وكالة الفضاء (ناسا) فيما يتعلق بتلك المهمة، وهم 58 عالماً ومتخصصاً بينهم 13 امرأة، تم سرد سيرتهم الذاتية عبر الموقع.

واللافت أن الباحثة تتحدث بدقة عن تخصصها في اللقاءات الذي ظهرت بها، وتبدو مجتهدة وواعدة، لكن على ما يبدو أن تقديمها على أنها ضمن الفريق الذي شغل العالم أخيراً لم يكن في صالحها وعدم توضيح مهامها بدقة كمتدربة قد أضر بها، وأعطى فرصة للمشككين، في حين أن ما فعلته من تدريب ومحاكاة أيضاً لبرنامج يحلل البيانات القادمة من كاميرا الأشعة تحت الحمراء، أمر يستحق الاهتمام به.

لكن اللغط الذي صاحب الإعلان عنها باعتبارها واحدة من الفريق الرئيس فتح الباب أمام جدل لم يكن في صالحها، وكان يمكن أن تتجنبه بمبادرة سريعة لتوضح الحقائق بما يتلاءم مع تخصصها ومجالها كمشروع عالمة.

إنجازات “مقتبسة”

لكن المؤكد أنه من غير المنصف أن تذهب أصابع الاتهام إلى اسم شخص بعينه يحقق شهرة في مجال ما نتيجة أقاويل أثيرت حوله تتعلق بمواهبه وقدراته، ومؤهلاته، فحتى حينما يثبت عدم دقة كل تلك النجاحات فيما بعد، فليس صاحب الشأن هو المتهم الوحيد، فاللوم يقع كذلك على المتعاملين الذين لا يتحققون بشكل كافٍ ممن يمنحونه أوصافاً جزافية، وهو أمر تؤكد عليه أستاذة الإعلام بالجامعة الأميركية لبنى خيري، إذ ترى أن هناك “مسؤولية تقع على ناقلي المعلومة من المتخصصين في الإعلام، فيجب عليهم أن يتحققوا أولاً من أي معلومة، وأن يبحثوا حتى لو كان هناك إنجاز واحتفاء بشخص ما، يكون عليهم أن يستندوا إلى وقائع، ويحللوا الموقف من جميع الجوانب، ويلجأوا إلى أكثر من مصدر للتثبت”.

وتلفت الأستاذة الجامعية وعضو لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة النظر إلى أنه من غير المنطقي أن يلجأ البعض إلى “تزييف إنجازات ونجاحات في عصر دورة الكذب فيه لا تستغرق وقتاً يذكر، ففضح الادعاءات في ظل كل هذا التطور في عالم الاتصالات أمر في غاية اليسر”.

كما تؤكد أن بعض الأشخاص “قد يتورطون عن طريق غيرهم، سواء على سبيل المجاملة، أو حسن النية، كأن ينسب لهم البعض منصباً أو خبرات معينة، بالتالي يجب على الشخص (المتورط) الإسراع إلى توضيح الحقائق عبر منصاته المعروفة بمواقع التواصل الاجتماعي أولاً كي يوقف دائرة الضليل، ليثبت حسن نواياه، ويعطي المجتمع حقه في المعرفة الصحيحة”.

مع ذلك، تبدو فضيلة التحقق أمراً صعباً في بعض الأحوال، بخاصة أن “سطوة الشهرة والثقة” التي تحيط بهؤلاء الأشخاص تكون كفيلة في أوقات كثيرة بأن تجعلهم بالنسبة لكثيرين في غنى عن الإثباتات، فهناك أزمات اتخذت منعطفات وتحولات غير متوقعة، مثلاً في الوقت الذي كان يتم فيه الاحتفاء بمصممة الغرافيك غادة والي باعتبارها فتاة شابة ناجحة تصدر اسمها قوائم الأكثر تميزاً، فجأة صعد اسمها ليقترن بمشكلة كبيرة على المستوى القومي.

وبعد مئات المنشورات التي كانت تعتبرها نموذجاً ومثالاً للاجتهاد والإصرار وتحقيق الأهداف قبل أن تكمل الثلاثين من عمرها، انقلب المتابعون وتبدّلت التغريدات لتتحدث عن الموقف غير المتوقع الذي جعل الهيئة القومية للأنفاق تزيل جدارية بإحدى المحطات الجديدة لطالما تفاخرت بها المصممة الشابة، فبعد أن تحدثت والي مراراً عن دأبها لتخرج بتلك النتيجة، قامت المحطة بإزالة اللوحات عقب تدوينات غاضبة للفنان الروسي جورجي كوراسوف الذي أكد بالدلائل أن تلك التصميمات مأخوذة بشكل واضح من بعض أعماله، وبالمقارنة تبين بالفعل أن الجدارية التي كانت تزين المحطة ما هي إلا نسخة معدلة ومعالجة بألوان مغايرة لأعمال الفنان الروسي الذي لم يهدأ حتى حصل على بعض من حقه الأدبي.

منصات التضليل

وقبل أشهر طويلة من عرض مسلسل “وش وضهر”، حيث كان البطل الذي قام بدوره إياد نصار ينتحل صفة الطبيب، في حين أنه لم يكمل تعليمه من الأساس، ظهرت في مصر قضية “سمكري البني آدمين”، يوسف خيري، وهو شاب ظل يعمل سنوات كطبيب متخصص في العلاج الطبيعي، وله عشرات الفيديوهات مع مشاهير الفن والمجتمع، مدعياً أنه تمكّن من علاجهم ببعض التمرينات والتدخلات التي خلّصتهم من معاناة وآلام شديدة، وبعد أن حقق شهرة واسعة، ألقت أجهزة الأمن القبض عليه وحكم عليه بالسجن خمس سنوات، بعد أن ثبت أنه انتحل صفة أخصائي علاج طبيعي، وزوّر هُويته، وبعدها خرج بعض المشاهير الذين حكوا تجاربهم معه، وبينهم الفنانة ساندي التي قالت إنه كاد يتسبب لهم في عاهات مستديمة وشلل رباعي. وهناك من تبرأ من علاقته به أيضاً.

فعن طريق السوشيال ميديا حقق شهرته واسمه، وابتكر لنفسه هوية مغايرة لحقيقته تماماً، ولم يتشكك به أحد بسبب المجتمع الذي أحاط نفسه به، وفي النهاية أسهمت السوشيال ميديا أيضاً في تحذير الجمهور منه، حيث انطلت الخدعة على المئات من المتعاملين معه على ما يبدو بسبب التجهيزات الفخمة للمكان الذي يعمل به، وبسبب الدعاية الضخمة التي شارك فيها مشاهير بقصد أو من دون قصد.

تعود لبنى خيري، عضو لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة إلى الحديث عن مقومات النجاح التي باتت بالنسبة للبعض تتمثل في تحقيق الثروة والشهرة في سن صغيرة، وهي مفاهيم مغلوطة باتت تترسخ تدريجياً في أذهان المراهقين الصغار. واللافت أن أغلب النماذج التي يتم التركيز عليها وتطارد الجمهور عبر السوشيال ميديا بعيدة كثيراً عن الاجتهاد العلمي، مشيرة إلى أن بعض الأمثلة التي كانت تعد مثالاً يحتذى للبعض في عالم ريادة الأعمال “ثبت زيف مسيرة أصحابها، واتضح أنهم شاركوا في تضليل متابعيهم”.

القصة متكررة في مناطق كثيرة بالعالم، فالعام الماضي حيّر رجل إسباني يدعى خافيير بيريز دي سيلفا الجماهير بفيديوهات نشرها مدعياً أنه “الناجي الوحيد”، وأنه يعيش بالمستقبل عام 2027، حيث استفاق من غيبوبة استمرت طويلاً ليكتشف انقراض الجنس البشري، مرفقاً ادّعاءاته بفيديوهات لمحال فارغة وبيوت مهجورة وشواطئ بلا بشر.

وظلت قصته محل تساؤل، بخاصة أن الفيديوهات المعروضة بالنسبة للمتابعين دليل ملموس، حيث حقق عشرات الملايين من المشاهدات، ليتضح بعد أشهر أن القصة كلها عبارة عن احترافية في استخدام برامج تحرير الصور والفيديوهات، وأن شركة تكنولوجيا تروج لتلك المشاهد تمهيداً لعمل جديد تحضر له، وهو أمر جرى كشفه عبر مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً من خلال متخصصين في البرمجة والمونتاج.

فمثلما تسهم منصات مواقع التواصل الاجتماعي في ترسيخ أسماء شخصيات بعينها، وتنسب إليهم نجاحات ربما لا يمتلكونها، فإنها أيضاً هي الوسيلة الأولى لكشف “الكذب” هذه الأيام، فمن خلال عدة حملات ومساهمات من المتابعين جرى كشف كثير من الحقائق التي بناءً عليها اتخذت قرارات حاسمة، وجرى تصحيح أوضاع خاطئة.

بقلم: حميدة أبو هميلة ـ كاتبة
المادة الصحفية نقلت حرفيا من موقع اندبندنت عربية وتعبر عن راي الكاتب