وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

هل عادت النزعات الإمبراطورية؟

السياسية:

تثير الحرب الروسية –الأوكرانية كثيراً من الأبعاد والنتائج، وإذا كان التركيز الدولي يدور بدرجة كبيرة بشأن هيكل النظام الدولي، الذي ناقشناه مراراً، وحول التبعات والتداعيات الاقتصادية، فإن ثمة بعداً أو ظاهرة أخرى ترسخت من هذه الحرب، وإن كانت في الحقيقة سابقة عليها، وهي تحريك النزعات الإمبراطورية وأفكار التوسع بأشكالها القديمة، التي طالما عانت منها البشرية على مر التاريخ.

حقيقة الأمر أن هذا التطور سابق على الحرب الأوكرانية، وإن كان بدرجة أقل وضوحاً، ورصدناه قبل ذلك في تحليل السلوك الإيراني والتركي في العقد الأخير، ولهذا تفسير سنعرضه لاحقاً مستند إلى طبيعة التحولات الهيكلية في بنية المجتمع الدولي.

التاريخ الطويل للظاهرة

ربما لم تغب فكرة السعي نحو السيطرة الإمبراطورية عن تاريخ البشرية إلا في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية التي خلفت منظومة وتقاليد دولية جديدة، لكن قبل ذلك كان هذا النزوع وهذا التيار هو أساس تفسير التفاعلات الدولية، وهو نشأة إمبراطوريات قوية تفرض إرادتها على جيرانها أو العالم لسنوات أو لعقود وأحياناً لقرون، ويصبح بعدها التطور التاريخي هو ظهور إمبراطوريات أو قوى أخرى تزيح الأولى أو تشاركها السيطرة.

بعض تلك الإمبراطوريات كانت لها نزعات إقليمية محدودة كالمصرية القديمة التي عاصر مراحلها الطويلة عدد آخر من الإمبراطوريات المتنافسة أو المتحالفة، وذلك حتى ظهور الفكرة العالمية ممثلة في الإسكندر الأكبر ومرحلة من تاريخ الحضارة الإغريقية، وتلتها الإمبراطورية الرومانية فالإسلامية، حتى ظهر الاستعمار الحديث.

وعرفنا عدداً من التجارب الأوروبية، ثم أكبر إمبراطورية في التاريخ، وهي البريطانية جغرافياً وليس من حيث الامتداد الزمني، مقارنة مع تلك الإمبراطوريات القديمة، وعموماً استمرت هذه البريطانية حتى الحرب العالمية الثانية ولمدة تقل قليلاً عن القرنين.

الملاحظة المعروفة هي أن مصدر عدم الاستقرار الدولي آنذاك كان صعود أو محاولة إمبراطوريات أخرى مزاحمة الأقوى، ومن ثم عرفنا الحروب الاستعمارية الأوروبية، خصوصاً المنافسة الفرنسية ضد بريطانيا التي استغرقت كثيراً من الحروب والخسائر للطرفين، حتى التوصل لهدنة وتعايش ممثلين في الوفاق الودي 1904.

لكن لم يستغرق الأمر سنوات قليلة حتى ظهر الطامعون في ألمانيا وإيطاليا والدولة العثمانية التي أقلقها تفسخ إمبراطوريتها ليسفر عدم الاستقرار هذا عن كارثة الحرب العالمية الأولى، ولم تؤد التجربة إلى تعلم الدروس، فكانت الحرب العالمية الثانية النابعة من رغبة الطامحين من دول المحور انتزاع السيادة من الإمبراطوريات الأقدم.

ما حدث بعدها كان مرحلة جديدة في تطور البشرية، فالعملاقان الجديدان الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي طورا شكلاً آخر من النفوذ الدولي مغايراً نسبياً أو على الأقل ليس متطابقاً مع ما عرفه تاريخ الإمبراطوريات حتى البريطانية، ففي كثير من الأحيان كان القطب الدولي ينفق ولا يقتصر على مجرد استغلال التابعين، وبدرجة ربما أكثر كرماً من مشروعات المستعمر الأوروبي الخاصة بالبنية التحتية التي تتيح مجرد سرقة ثروات المحتلين.

رأينا هذا في مشروع مارشال في أوروبا وفي سياسات المساعدات الأميركية والسوفياتية، فكلاهما إمبراطورية في ذاتها، وليس بنفس حاجة سلوك الإمبراطوريات القديمة تاريخياً، ومن ثم كان هناك عالم يدير صراعاته بشكل أكثر تعقيداً وحقق كثيراً من الاستفادة النسبية للتابعين في المعسكرين، بل كذلك لمن رفضوا الانحياز مع عدم إنكار مكاسب القوى الكبرى من علاقاتها ونفوذها لدى التابعين وغيرهم، ومع التأكيد أن إدارة الأمور كانت تتم بشكل مختلف بدرجة كبيرة عن عالم ما قبل الحربين العالميتين.

عودة الظاهرة في القرن الحالي

يمكن القول إن ظاهرة التوسعات الجديدة التي ترسخها الحرب في أوكرانيا بدأت مع التحركات التركية والإيرانية في منطقة الشرق الأوسط، وإن هاتين الدولتين نجحتا في استثمار أوضاع المنطقة للنفاذ الأرضي وليس فقط النفوذ السياسي، ويمكن رصد هذا الشكل الجديد من خلال تعقب سجل التدخلات والوجود العسكري والاقتصادي في عدد ليس قليلاً من دول الإقليم.

فالواضح أن طبيعة المرحلة الانتقالية الدولية التي شهدت منذ بدايات القرن التراجع التدريجي لهيمنة الولايات المتحدة قد أتاحت هامشاً غير مسبوق للقوى المتوسطة للتمدد الجغرافي الذي أتاح المكانة الحالية لكل من أنقرة وطهران في التفاعلات الإقليمية، كما أنه بفضل حالة السيولة هذه عدنا لحالات من الاستعمار التقليدي ونموذجه عملية سرقة النفط السوري بواسطة واشنطن منذ سنوات عدة.

ومن هنا أخطر ما في الحرب الروسية الحالية أنها تستعيد بشكل مباشر هذه التقاليد، فقد تركز الاهتمام الغربي والإعلامي على تكرار الخطاب الروسي بتغيير قواعد النظام الدولي وإنهاء حالة القطب الواحد، وهنا كجملة اعتراضية أشير إلى أن هذا المنطق يحتاج مراجعة، ذلك أن إرهاصات التحولات ونهاية الهيمنة الأميركية عمرها يقترب من عقدين الآن، وكل ما تفعله روسيا هو التعجيل بهذا التحول.

لكن هناك جانب آخر في الخطاب الروسي وبشكل خاص الرئيس بوتين ربما يحتاج للفت الانتباه أيضاً، وهو الحديث عن حقوق تاريخية وأخطاء جغرافية وتاريخية تحتاج إلى إصلاح، وترجمها بوتين بقرار الحرب ونوايا واضحة لاستعادة إرث روسيا القيصرية.

في الحقيقة أن طرح الرئيس بوتين واضح تماماً وخال من المكون الأيديولوجي الذي كان يغلف السياسة السوفياتية، كما أنه ليس مثل المكون الأيديولوجي الغربي المذبذب حول قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، فالرجل يتحدث صراحة حديث الطموحات والأطماع التوسعية ويقود العالم مرة أخرى إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، وفي خطابه بمناسبة يوم البحرية الروسية كان الحديث واضحاً عن المياه الدافئة، أي قصة موسكو التاريخية.

ماذا يقول التاريخ؟

لم تكن الحروب العالمية وأغلب حروب العالم قبلها إلا بسبب هذه الطموحات والنزعات التوسعية، ومشكلة هذه النزعات أن ما ينساه البشر أنها تسفر دوماً عن القليل من المنتصرين، وأن الطامحين المهزومين يدفعون أحياناً استقلالهم وموارد أجيال متعاقبة ثمناً لهذه الطموحات المجنونة، وأن ألمانيا وإيطاليا على سبيل المثال خسرت أجيال متعاقبة سعياً وراء هذا السراب، وأن استنزاف هذه الصراعات أرهق وأضعف الإمبراطورية البريطانية، ولسنا بصدد استعراض دروس التاريخ الطويلة للبشرية ولأغلب دول العالم، وأغلبها تضمن كثيراً من الخسائر وقليل من المكاسب.

ربما يعتبر بعض المحللين في العالم أن من النتائج الإيجابية أن أعادت ألمانيا واليابان تسليح جيوشهما وقدراتهما العسكرية، لكن الحقيقة أن رفاهة هاتين البلدين ستتقلص وستفقد كثيراً جراء هذا ومن دون داع حقيقي، ليس المقصود هنا أن تكونا عاجزتين عن الدفاع عن أنفسهما فهذا أمر طبيعي وإنما من دون تهويل ومبالغات.

أما ما كان يجب أن يفعله العالم، فهو أن يسود منطق آخر، توهم العالم أنه سيتحقق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة أساسه أن تركز البشرية على التحديات الحقيقية من تنمية ومكافحة فقر، وتغير مناخي، وتحديات الحداثة والذكاء الاصطناعي وغيرها كثير، لكن العودة بالبشرية لهذا المنحنى الأحمق لن يخدم إلا في تأخير التركيز على هذه القضايا، وسيقود البشرية لعالم أسوأ بالضرورة.

ومرة أخرى تتزايد أهمية البحث عن حلول سياسية ودبلوماسية لهذه الحرب غير الرشيدة وإنهاء مبررات هذا الفكر الإمبراطوري في أي مكان في العالم، ومن ناحية أخرى تخلي أي طرف، بخاصة الأميركي، عن النزعة المدمرة لاحتكار القرار الدولي، فالعالم المعاصر أعقد وأصعب من هذا بكثير، ربما يكون في هذا الطرح مثالية، لكن البشرية دوماً تتقدم بالأفكار المثالية وبمواصلة المحاولة لتقليص حجم شرورها حتى لو كان هذا مستحيلاً تماماً.

بقلم : محمد بدر الدين زايد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق
المادة الصحفية نقلت حرفيا من موقع اندبندنت عربية وتعبر عن راي الكاتب