وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

دلالة المسمى؛: بين “طلوع الفجر” و”وحدة الساحات”

أطلق الجهاد الإسلامي مسمّاه للمعركة "وحدة الساحات" ما أربك المنظومة السياسية في المنطقة، وهو ما تطلب وقف المعركة بسرعة لافتة، وقد كثّف الجهاد الإسلامي مشروعه السياسي العسكري كله بهذا المسمّى، لينقض خيوط المشاريع السياسية الآخذة بالتبلور في المنطقة.

 

 

محمد جرادات*

جاء المسمى العبري للهجوم الغادر على غزة؛ “طلوع الفجر” وكل فجر تسبقه عتمة، انعكاساً لمخزون نفسي يعكس طبيعة العقل الإسرائيلي، وقد نجح نسبياً عبر هذا الهجوم، في تبديد شعوره بالعتمة، باغتيال تيسير الجعبري وخالد منصور.

ولكن، هل تجلّى الفجر على الكيان العبري، عقب اغتيالهما، أم تبددت خيوطه، وقد اشتد أوار المعركة في اليوم الثالث منها، حتى انحاز إلى طلب الهدنة، والصواريخ ترجم ثكناته العسكرية ومصانعه الاقتصادية من سيدروت حتى “تل أبيب”؟

هل لنا أن نتخيّل المزاج النفسي لواضع هذا المسمّى الإسرائيلي للعدوان على غزة؟ فمجرد أن المنصور والجعبري على قيد الحياة، كان سبباً لشعور عبريّ بالعتمة والظلام وضيق الحياة، لذا هو يسارع إلى البحث عن فجر يرفع عن كاهله هذا الكابوس باغتيالهما، وهو فجر سبق لمنصور والجعبري أن نسجا خيوط شمسه عند اغتيال رائدهما بهاء أبو العطا عام 2019، فأطلقا مسمى “صيحة الفجر” على عمليات الرد على اغتياله، وقد حملت المسمى الإسرائيلي “الحزام الأسود”، واستهداف اللون الأسود مقصود، وهو يجابه راية العقاب السوداء التي استنّها الجهاد الإسلامي له رايةً وشعاراً تأسيّاً براية رسول الله في كل حروبه.

أطلق الجهاد الإسلامي مسمّاه للمعركة “وحدة الساحات” ما أربك المنظومة السياسية في المنطقة، وهو ما تطلّب وقف المعركة بسرعة لافتة، وقد كثّف الجهاد الإسلامي كامل مشروعه السياسي العسكري بهذا المسمى، لينقض خيوط المشاريع السياسية الآخذة بالتبلور في المنطقة، فكل طرف يعتاش على مشروعه الخاص، هنا في الضفة أو غزة، أو دول الإقليم، المطبّع منها وغير المطبّع، كل قُطْر يغنّي على ليلاه، فجاء عزف الجهاد الإسلامي برمزية المسمّى ليطلق في الريح مع كل صاروخ نشيد الأمة الموحد، بما ترمز له “جنين” اليوم، وهو يرصف المدماك الأول في الطريق من غزة وإليها.

غزة-جنين؛ أكثر من مدينتين فلسطينيتين، لما هو خط ساحات تتداخل لتحمل اسم المعركة ورسمها، وهو خط عملي، تتجلى أبعاده العمليّة بدايةً في ردم الانقسام، الذي تحرص قوى كثيرة، ومنها داخلية، على إدامته وتعزيزه، لهذا وقف الجهاد الإسلامي وحيداً يصارع الجبروت الإسرائيلي، لأنه التنظيم الوحيد المتمرد على عوامل الانقسام، والمتجرد عن منافعه الآنيّة.

وعندما تعانق غزة أوجاع جنين، ولو بصيغة تحذير للسرايا حماية لحياة الشيخ بسام السعدي برمزيته الوحدوية والجهادية، وقد سالت دماؤه وتحولت إلى بقع غصّ بها مكان الجريمة، وهي في أوج التحذير لم تطلق رصاصة واحدة، حرصاً منها على المقاومة الجماعية، وإن أشلّ ذلك غلاف الاستيطان في غزة كله.

هل اتحدت ساحات الوطن في المعركة؟ أم بزغ فجر المحتل في عدوانه؟

كانت معركة خاطفة أخذ فيها كل مسمّى نصيبه بما تحقق من أهداف، فهذا المحتل ما كاد ينهي المعركة بهدنة هشّة حتى انقض على جنين لينسف منزلي بطلي عملية إلعاد، ثم ليغتال البطل إبراهيم النابلسي وأخويه في نابلس، في مسعى منه لاحتواء الحريق الذي أخذ يقترب من رجليه عبر الكتائب الزاحفة من جنين نحو نابلس وعموم الوطن.

بدّد المحتل جزءاً مهماً من عتمة ليله، بتحقيق بعض أهداف عدوانه على غزة، عندما نجح عبر معلومة ذهبية فتحت شهيته لاغتيال المنصور والجعبري، كما نجح في عزل حماس عن أداء دورها الطبيعيّ في الانخراط في المعركة، وهو العزل الذي تبجّح به قادة الكيان بطريقة تبعث على الدهشة، بما يشير إلى مشروع سياسي يلوح في الأفق، ولو احتمالاً.

لكنّ “الفجر العبريّ” غصّ بتناقضات أهدافه من جهة، وبحملة كذب مكشوفة من جهة أخرى، في ظل انفتاح المعركة والهدنة كذلك على ساحات الوطن، ولو برمزية الضمانة المصرية بدفع الإسرائيلي للإفراج عن المضرب خليل العواودة، وعن الشيخ بسام السعدي، وهو الذي تسببت عملية اعتقاله وإهانته بدحرجة التحذير إلى اغتيال وحرب.

تكشفت هشاشة الفجر الإسرائيلي، بالتفاخر زاعماً القضاء على البنية العسكرية للجهاد، ولكن المعركة بعد الاغتيال، كما بعد هذا التصريح، استعرت بقوة، وقد اضطرت المصادر العبرية إلى الاعتراف بعد ظهيرة اليوم الثالث من المعركة أن السرايا أطلقت 130 صاروخاً في 10 دقائق مغطية المنطقة كلها الممتدة من الغلاف حتى “تل أبيب”، وقد خرج أهل يافا المحتلة وهم يطلقون الزغاريد ابتهاجاً بالصواريخ الساقطة على نحو “تل أبيب” المجاورة، وقد أخذ مستوطنوها يتدافعون نحو الملاجئ.

وسقطت بعض أهداف هذا الفجر، بزعم نجاح القبة الحديدية في اعتراض 97% من الصواريخ، وتناسى العبريّ ما سبق أن تفاخر به في أول موجة قصف معلومة مسبقاً في تاسعة البهاء، عن نجاح قبته باعتراض 33 صاروخاً من أصل 90، فكيف اتسقت هذه النسبة الكليّة مع هذا التفقيط التفصيلي؟ وهو الكذب نفسه الذي أجهد نفسه فيه لتبرير مجزرة جباليا، متناسياً أنه أعلن ابتداء عن ملاحقة خلية صواريخ لجأت إلى مسجد عماد عقل وقد نجح في القضاء عليها، ليتبين أنه أجهز على بيت ملاصق للمسجد يغص بالأطفال، فإذا به يتراجع عن إعلانه، في تناقض صارخ كشف عن هشاشة منظومته الإعلامية والعسكرية.

ما من فجر يُستضاء بأشعة الكذب وحمرة دم الأطفال، على الرغم من الجبروت الإسرائيلي، ولكنها ساحات الوطن تتفتح ورودها، وقد حدّقت عيون فتيتها عبر الأفق، طيفاً لا تحجبه أشعة الفجر الكاذب، ولا إعلام التطبيع وتزويره.

* المصدر :الميادين نت

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي الموقع