وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

الملك تشارلز أمام إلحاح إعادة صقل الملكية للعقود المقبلة

السياسية: أنطوني سيلدون *

غيّرت الأيام الـ 11 التي تلت وفاة الملكة كلّ شيء. قبل ذلك، بدت الملكية على حافة الهاوية. لعبت الفضائح والخلافات وعروض الغرور دورها في ذلك. وبحسب منظمة “يوغوف”، تراجع الدعم الشعبي لهذه المؤسسة من 75 إلى 62 في المئة خلال السنوات الـ 10 الماضية. وفي أوساط الشباب، بالكاد تصل نسبة الذين يدعمون الملكية إلى الثلث.

وبوسع الحداد العام والمراسم الضخمة والمذهلة المرتبطة به والتي رأيناها في كنيسة وستمنستر آبي وفي كاتدرائية سانت جورج في وندسور أن تشوّش أيّ تفكير عقلاني. فبعد شهر أو شهرين، سيعيد الوضع الطبيعي تأكيد نفسه، ويستعيد دعم الملكية منحاه التراجعي في ظلّ تربّع الملك تشارلز الثالث على العرش.

غير أنني اشكّ في الأمر، خصوصاً إذا أرسى كلّ من رئيس الدولة ورئيسة الوزراء، الملك وليز تراس، علاقة تشكل كيانهما معاً، فتخطّ بالتالي عقداً جديداً للقرن الـ 21 يجمع بين العرش والدولة.

لا شكّ في أنها حقيقة مزعجة بالنسبة إلى الجمهوريين أنه في الوقت الذي تواجه فيه الديمقراطية تهديداً عالمياً، ليس آخره في الولايات المتحدة على أيدي دونالد ترمب ومساعديه، فإنّ وجود النظام الملكي أمّن الاستقرار والدعم للديمقراطية في بريطانيا كما حصل في بعض البلدان الأوروبية الأخرى.

من شأن استبدال رأس دولة وريث بشخصٍ منتخب وحزبيّ أيضاً أن يزعزع اللحمة الوطنية والاستقرار السياسي. يجب على الجمهوريين أن يتنبهوا إلى ما يتمنّونه.

أمام تشارلز عمل ملح ليقوم به في إعادة صقل الملكية للعقود القليلة المقبلة. وينبغي أن تتغيّر هذه الملكية في ظلّ توليه العرش كما فعلت بشكلٍ جذري أثناء ولاية والدته اليزابيث الثانية. يجب تخليص السفينة بسرعة من الأمور الدخيلة والعراقيل قبل الإبحار في الرحلة الجديدة.

العرقلة الأولى: يجب الحدّ من حجم الملكية ويجب أن يتمّ النظر إليها بأنّها متناسقة. نحتاج إلى توازن دقيق: فإذا تمّ تقليصها بشدّة ليس أقلّه في المباني الملكية المطلوبة في اسكتلندا ويلز وإيرلندا الشمالية، قد يضيع العمل الأساسي وتقاليد النظام الملكي الرئيسية.

العرقلة الثانية: يجب على الملك الجديد أن يوضح فوراً وبشكلٍ قاطع مع عائلته التصرفات المقبولة وتلك غير المقبولة. شكّلت الملكة الراحلة النموذج المثالي للقائد في الخدمة – تماماً كما سيكون تشارلز مع كاميلا إلى جانبه. يذكّرنا إدوارد السابع أمير ويلز وإدوارد الثامن البائس والأميرة مارغريت التائهة كم يمكن لأفراد الأسرة الملكية أن يخطئوا عندما ينخر التبجح عظامهم.

وفي سياق متصل، لم توضع للأمير أندرو أيّ توجيهات واضحة بما فيه الكفاية – وإذا ما حصل ذلك، فهو قد تجاهلها. يجب أن يكون الملك تشارلز صادقاً معه وكذلك مع الأمير هاري وميغان اللذين تأرجحا على حافة الهاوية. ومع أنّ الأمر سيكون صعباً على الملك تشارلز بصفته والد هاري، يجب على دوقي ساسيكس أن يحافظا على تلك المسافة إلى أن يدركا بأنّ الملكية ستستمرّ فقط في حال أظهر أفراد الأسرة الملكية التواضع والخدمة والتعقّل. وبالعودة إلى السفينة، بوسعهما أن يقوما بأعمال خير لا تُحصى في بريطانيا وسائر دول العالم متفوّقين بذلك على أيّ شيء قد يحققونه في الخارج.

العرقلة الثالثة: التخلّص من الطابع السياسي والحزبي. منذ أن أصبح تشارلز ملكاً، أرسل من خلال أفعاله إشارات تنمّ عن إدراكه بوجوب تعاليه عن السياسات الحزبية. سيكون هنالك حتماً أوقات سيتعب فيها أو سيتفاجأ عندما يتردّد صدى شبه جملة يتمتمها أو تصرّف يقوم به في جميع أنحاء الأمة والعالم ويقوض كل أعماله ونواياه الجيدة. كان تصرف الملكة في هذا السياق لا غبار عليه. ولكن الانتقادات ستوجه سهامها نحو الملك تشارلز وتستعدّ للانقضاض عليه.

لعلّ إزالة العراقيل قد تجعل السفينة تطفو ولكنّها لن تمضي قدماً وتبحر عبر المياه المضطربة. فهي تحتاج إلى أكثر ممّا وصفه المؤرخ فرانك بروشاسكا “بملكية الرفاهية” – مؤسسة تقود البلاد ودول الكومنولث وتدعم القضايا الجيدة وتؤكّد الأعمال الحسنة. هذا مهمّ ولكنّه ليس كافياً لكي تزدهر الملكية في ظلّ الملك تشارلز.

يحتاج الملك إلى بناء نموذج جديد “لمملكة حاضنة”. عايشت الملكة 15 رئيس وزراء، فمن يدري بكم رئيس وزراء سيحظى الملك تشارلز.

وتقوم وظيفة رئيس الوزراء – تماماً كالمدير التنفيذي في شركة أو نائب الرئيس في الجامعة أو مدير مدرسة- على إنجاز أهدافه (أو أهدافها) الشخصية، الأمر الذي قد يختلف عن المصالح الطويلة الأمد للمؤسسة (وغالباً ما يحصل ذلك).

ويمثّل المجلس، في شخص رئيسه قبل كلّ شيء، الاستمرارية والازدهار الطويلي الأمد للمؤسسة. ويقوم الرئيس بالحفاظ على تاريخ المؤسسة ونسيجها وتقاليدها، ويهتم بمصالحه لفترة طويلة في المستقبل – وهو إطار زمني يمتدّ أكثر من الانتخابات العامة التالية وهو الإطار الزمني الوحيد الذي يمكن لأي رئيس وزراء أن يراه في المستقبل. ويشكّل اسم العاهل ما هو أكبر من القائد الأعلى للقوات: إذ لا يموت جندي وهو يلفظ اسم رئيس الوزراء.

لا شكّ في أنّ تراس ستحضر تصوّرها الخاص إلى الاجتماعات مع الملك الجديد. فهي قلقة للغاية في شأن كلفة العيش وأسعار الوقود والوضع الاقتصادي وهيئة الخدمات الصحية الوطنية. تكمن السيادة في سياسيينا وتحديداً “الملك” في البرلمان. فما من رئيس وزراء يتمّ اختياره مباشرةً وكما رأينا مع تراس، التي انتخبت الشهر الحالي من قبل أقلية من أعضاء الحزب المؤهلين للتصويت، كما أنه لا يكون دائماً الشخص المفضّل لدى النواب المحافظين. لا شكّ في أنها تتمتع بالشرعية لاتخاذ قرارات حاسمة، لكن المصلحة قصيرة المدى والحزبية ستظل تلوح دائماً في أفق تفكيرها.

ويتمثّل الجانب الآخر من العاهل الوراثي هو أنه لا يتعين عليه السعي إلى الحصول على شعبية قصيرة المدى. لحسن الحظ بالنسبة إلى البلاد، يتمتّع الملك تشارلز بإدراكٍ في أمور تتجاوز بكثير الدورة الانتخابية المباشرة: وضع البيئة المادية والمعمارية؛ ازدهار المجتمعات المحلية؛ الفنون والحرف اليدوية؛ حيوية مؤسساتنا الثقافية؛ الصحة النفسية؛ مركزية المسيحية واحترام جميع الأديان؛ والتعليم الشامل لكل طفل أبعد من الامتحان ونتائج الاختبارات التي تحبها الحكومات.

عندما تولّت الملكة العرش في عام 1952، كانت قناة هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” التلفزيون الوحيد ولم تكن استمرارية المملكة المتحدة من الأمور الجدلية أو المثارة. حالياً، تواجه اللحمة الوطنية تحدٍّ من قبل تعدّد وسائل البثّ، وتقدّم بعضها وجهات نظر الحزبيين ويشكّل مستقبل اسكتلندا وإيرلندا الشمالية ضمن المملكة المتحدة نقطة خلافٍ جوهرية.

من شأن شراكة مزدهرة بين تراس والملك تشارلز أن ترسي البوصلة لمستقبل العلاقة بين رئيس الحكومة والعاهل وأن تقود عجلة التغيير طوال الفترة التي سيحكم الملك خلالها.

سير أنطوني سيلدون هو مدير مدرسة ونائب رئيس جامعة سابق ومؤرّخ وكاتب ومحلّل. وشريك مؤسس لمعهد التاريخ البريطاني المعاصر ومؤسسة “العمل من أجل السعادة” (Action for Happiness) الخيرية.

* المصدر : موقع اندبندنت عربية
* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي الموقع