وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

خيارات روسيا تتقلص.. والغرب يواصل دعم أوكرانيا.. فماذا بعد “الضم”؟

الحرب في مفترق طرق..

السياسية:

تمر الحرب في أوكرانيا بمفترق طرق يستحيل توقع نتيجته، بين انتهاء “استفتاءات الضم” في أربع مدن، وتكثيف أمريكا دعمها العسكري، فماذا تبقى أمام روسيا وبوتين من خيارات؟

كانت الاستفتاءات قد بدأت الجمعة 23 سبتمبر/أيلول وتنتهي الثلاثاء، وذلك في مدن لوغانسيك ودونيتسك وخيرسون وزابوروجيا للانضمام إلى روسيا، ومن المتوقع أن تتم عملية “ضم” تلك المناطق، التي تمثل 15% من الأراضي الأوكرانية إلى روسيا رسمياً خلال أيام قليلة.

وزارة الدفاع البريطانية قالت إنه من المرجح أن يعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضم تلك المناطق الأوكرانية إلى روسيا الاتحادية خلال خطابه أمام البرلمان يوم 30 سبتمبر/أيلول.

وتزامناً مع اليوم الأخير للاستفتاءات، اشتعل قتال عنيف على طول خطوط المواجهة بين القوات الأوكرانية والروسية في مناطق مختلفة من أوكرانيا، في مؤشر على أن الأمور تتجه نحو التصعيد، والسؤال هو: إلى أين يمكن أن تصل الأمور؟

زيلينسكي يتحدى.. وأمريكا تكثف “التمويل”
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي يتهمه الكرملين بأنه “أداة في يد الغرب”، قال الثلاثاء 27 سبتمبر/أيلول، إن منطقة دونيتسك في الشرق لا تزال تمثل أولوية استراتيجية قصوى لبلاده، ولروسيا أيضاً.

ووصف زيلينسكي الوضع العسكري في دونيتسك بأنه “خطير للغاية”، وقال: “نبذل قصارى جهدنا لاحتواء نشاط العدو. هذا هو هدفنا الأول الآن؛ لأن دونباس لا تزال الهدف الأول للمحتلين”، في إشارة إلى المنطقة الأوسع التي تضم دونيتسك ولوغانسك.

كما وقعت اشتباكات في منطقة خاركيف في الشمال الشرقي، محور هجوم أوكرانيا المضاد هذا الشهر. وواصلت القوات الأوكرانية حملة لإخراج أربعة جسور ومعابر نهرية أخرى من الخدمة؛ بهدف تعطيل خطوط الإمداد للقوات الروسية في الجنوب.

وقالت إدارة أوديسا إن روسيا نفذت ما لا يقل عن خمس هجمات على أهداف في المنطقة باستخدام طائرات مسيرة إيرانية في الأيام القليلة الماضية. وقال فالنتين ريزنيتشنكو، حاكم منطقة دنيبروبتروفسك، على تيليغرام إن الصواريخ الروسية أصابت المطار في كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي والواقعة في وسط أوكرانيا؛ مما أدى لتدمير بنية تحتية وجعل المطار غير صالح للاستخدام.

أما هناك في واشنطن، فيبدو أن المزيد من التمويل الأمريكي لأوكرانيا في الطريق، إذ قالت مصادر لرويترز إن أعضاء الكونغرس الأمريكي الذين يتباحثون بشأن مشروع قانون للإنفاق المؤقت وافقوا على الاستجابة لطلب إدارة جو بايدن بتخصيص 12 مليار دولار جديدة، أغلبها لصالح كييف.

وقالت المصادر، التي طلبت عدم نشر هوياتها، إنه استجابة لطلب إدارة بايدن، سيشمل التمويل 4.5 مليار دولار لتوفير قدرات دفاعية وعتاد لأوكرانيا، بالإضافة إلى 2.7 مليار دولار لمواصلة الدعم العسكري والاستخباراتي وغيره من أشكال الدعم الدفاعي.

كما سيشمل 4.5 مليار دولار لمواصلة تقديم دعم مباشر للميزانية لحكومة كييف خلال الربع القادم. وقال مسؤول حكومي إن ذلك سيسمح لإدارة زيلينسكي بدفع رواتب الموظفين الأساسيين ومساندة المواطنين الفارين من الصراع وتغطية النفقات المهمة الأخرى لمساعدة المدنيين.

وكان بايدن طلب هذا الشهر من الكونغرس تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية طارئة جديدة لأوكرانيا بقيمة 11.7 مليار دولار ضمن مشروع قانون الإنفاق المؤقت، وأمام الكونغرس مهلة حتى منتصف ليل الجمعة 30 سبتمبر/أيلول للموافقة على مشروع قانون الإنفاق.

روسيا في مأزق
وفي الوقت نفسه، تواجه روسيا مأزقاً حقيقياً على جميع الجهات تقريباً؛ فمن الناحية الميدانية في أرض المعركة، لا تخضع أي من المناطق التي تجري فيها الاستفتاءات لسيطرة موسكو التامة، ولا يزال القتال مستمراً على طول خط الجبهة بأكمله.

كما أن الانتصارات المفاجئة التي حققتها القوات الأوكرانية في منطقة خاركيف، والتي أجبرت القوات الروسية على الانسحاب، أعطت دفعة معنوية ضخمة لكييف وداعميها الغربيين، وهو ما انعكس على تحقيق مزيد من التقدم في ساحة الحرب.

تلك الانتصارات الأوكرانية أجبرت بوتين على إصدار قرار التعبئة الجزئية لقوات الاحتياط، وهو ما أدى إلى حالة من الهلع والاحتجاجات والفوضى، وقدرت إحدى جهات المراقبة أنه تم اعتقال ألفَي شخص على الأقل حتى الآن.

وبيعت جميع تذاكر الطيران إلى خارج روسيا وسد تكدس السيارات نقاط التفتيش الحدودية، مع تقارير عن طابور استمر 48 ساعة على الطريق الحدودي الوحيد المؤدي إلى جورجيا، والتي تمثل حالة نادرة لبلد مجاور موالٍ للغرب ويسمح للمواطنين الروس بالدخول دون تأشيرة.

ورداً على سؤال عن احتمال إغلاق الحدود، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحفيين، أمس الإثنين: “لا أعرف أي شيء عن هذا. في الوقت الحالي، لم تُتخذ أي قرارات في هذا الصدد”.

فروسيا تعتبر ملايين المجندين السابقين لديها جنود احتياط رسمياً، ولم تفصح السلطات تحديداً عن الذين سيتم استدعاؤهم؛ لأن هذا الجزء من الأمر الذي أصدره بوتين سري.

وقوبلت التعبئة أيضاً بأول انتقاد مستمر للسلطات في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة منذ بدء الحرب. لكن النائب سيرجي تسيكوف، الذي يمثل شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا في المجلس الأعلى بالبرلمان، قال لوكالة الإعلام الروسية: “يجب منع كل شخص في سن التجنيد من السفر إلى الخارج في ظل الوضع الحالي”.

وأفاد موقعان إخباريان يعملان من خارج البلاد، هما ميدوزا ونوفايا جازيتا أوروبا، نقلاً عن مسؤولين لم يحددا هوياتهم، بأن السلطات تخطط لمنع الرجال من المغادرة، بحسب رويترز.

صحيح أن موسكو تتهم وسائل الإعلام والمسؤولين الغربيين بـ”التهويل” وتقلل من حجم الاحتجاجات والفوضى التي صاحبت إصدار قرار التعبئة، إلا أن المسؤولين الروس أنفسهم لم ينفوا الأمر جملة وتفصيلاً، والغضب الشعبي تجاه قرار التعبئة أمر واقع بلا شك.

ماذا يعني “ضم” المناطق الأوكرانية رسمياً؟
في ظل التباين الواضح بين موقفَي روسيا وأوكرانيا في هذه المرحلة من الحرب، التي بدأت 24 فبراير/شباط الماضي، من البديهي أن تشعر جميع الأطراف بالقلق مما قد يحدث في الميدان على المدى القصير، وتحديداً خلال الأيام القليلة المقبلة، التي من المتوقع أن تتم خلالها عملية “الضم” رسمياً.

إفادة وزارة الدفاع البريطانية، التي توقعت أن يعلن بوتين عن ذلك الأمر رسمياً الجمعة، جاء فيها أن “قادة روسيا يأملون بشكل شبه مؤكد في أن يُنظر إلى أي إعلان ضم على أنه إثبات لضرورة العملية العسكرية الخاصة، وأن يعزز الدعم الوطني (داخل روسيا) للصراع”.

والمقصود هنا هو أنه بمجرد أن تعلن موسكو عن ضم تلك المناطق رسمياً إلى الاتحاد الروسي، تصبح القوات الروسية هناك تدافع عن أراضٍ روسية وليست قوات “احتلال”، وهو ما سيكون له تداعيات عملية داخل روسيا نفسها وفي ساحة المعركة أيضاً.

وفي هذا السياق، كان ألكسندر دوغين، الفيلسوف الروسي الملقب بـ”عقل بوتين”، قد كتب مؤخراً أن “روسيا أصبحت الآن في حالة حرب، وهذا ينطبق على كل مواطن روسي: كل واحد منا مهدد بسلاح العدو، بإرهابييه وقناصيه ومجموعاته الاستطلاعية والتخريبية، بما في ذلك خلف الحدود”، مضيفاً أن الوضع (في أوكرانيا) أصبح “غير قابل للعودة إلى الظروف الأولية، لما قبل 24 فبراير/شباط 2022”.

وبعد أن بوتين والمسؤولين الروس يرفضون تماماً استخدام مصطلح “الحرب” للإشارة إلى الهجوم على أوكرانيا، واصفين إياه بأنه “عملية عسكرية خاصة”، أعلن دوغين أن تلك المرحلة قد “انتهت” وأن الحرب قد “بدأت”.

يقول دوغين: “تم الانتهاء من العملية العسكرية الخاصة كعملية محدودة لتحرير دونباس وعدد من أراضي نوفوروسيا. تطورت تدريجياً إلى حرب شاملة مع الغرب، حيث، في الواقع، يلعب نظام كييف الإرهابي النازي نفسه دور الأداة فقط. محاولة محاصرة ذلك النظام، وتحرير عدد من مناطق نوفوروسيا التي يسيطر عليها النازيون الأوكرانيون، مع الحفاظ على توازن القوى الجيوسياسي الحالي في العالم دون تغيير، بوصف هذه الإجراءات عملية تكنيكية، هو أمرٌ لم ينجح”.

“نوفوروسيا” تعني روسيا الجديدة، وهو مصطلح استخدمه دوغين، الذي يقول الغرب إنه كان “العقل المدبر وراء ضم الرئيس الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014”. ونوفوروسيا، بالنسبة لدوغين، وبوتين بطبيعة الحال، تضم القرم ودونباس، وباقي شرق أوكرانيا، إلى الاتحاد الروسي.

ماذا يعني كل ذلك لمسار الحرب؟
إذا كانت الأوضاع في روسيا على هذه الشاكلة، فمن البديهي أن تكون الأمور في أوكرانيا وداعميها “مُرضية”، لكن تحليلاً نشرته شبكة CNN الأمريكية توصل إلى نتيجة عكسية، مفادها أنه على الرغم من الكوارث المتتالية التي تواجهها موسكو، فإن “أخطر لحظات الصراع” قد تكون أقرب مما نتخيل.

إذ على الرغم من رفض الغرب للاستفتاءات واعتبارها “غير قانونية ولا قيمة لها”، فإن هذا الرفض والاستنكار لن يغيرا من الأمر الواقع شيئاً، فبوتين سيعلن ضم تلك المناطق خلال أيام، وهذا سيخلق أمراً واقعاً جديداً.

والأمر الواقع الجديد هو واقع “نووي” بطبيعة الحال، إذ هدد بوتين ضمنياً باحتمال استخدام الأسلحة النووية للدفاع عن “جميع الأراضي الروسية”، والرئيس الروسي لا يصدر “تهديدات جوفاء”، بحسب تقييم المسؤولين الغربيين عموما والأمريكيين بصفة خاصة.

وفي هذا السياق، هناك ما يشبه الإجماع داخل الدوائر الاستخباراتية الأمريكية خصوصاً، والغربية بشكل عام، على حتمية أخذ تهديدات الرئيس الروسي النووية على محمل الجد، بحسب ما قاله جون ميلر، كبير محللي CNN المختصين بالشأن الاستخباراتي، الذي أكد أن وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الاستخبارات العسكرية قضيا سنوات في دراسة السمات السيكولوجية لشخصية بوتين.

“استخدام سلاح نووي هو أخطر قرار استراتيجي قد يتخذه زعيم عالمي، لكن مع زعيم مهووس بصورته العامة أمام الناس (بوتين)، قد يكون هناك عامل شخصي وعاطفي في مثل هذا القرار”، بحسب ميلر الذي أضاف: “لذلك فإنه في الوقت الحالي، لا يوجد شخص واحد في مجتمع الاستخبارات الأمريكية يستبعد احتمال استخدام روسيا سلاحاً نووياً تكتيكياً”.

وبالتالي فإنه إذا كانت التقييمات دقيقة، وبوتين يمر بأضعف لحظاته منذ بدأت الحرب، فإن ذلك يطرح تساؤلاً مرعباً: كيف سيكون رد فعل الرئيس الروسي إذا أصبحت خسارة الحرب على الأبواب، وهو أصلاً لن يقبل تلك الخسارة؟

المؤكد أن بوتين سيلجأ إلى كل “أنظمة الأسلحة” المتاحة له، كما قال بالفعل، والحديث هنا يشمل أسلحة كيماوية وبيولوجية ونووية تكتيكية ونووية استراتيجية، بهذا الترتيب. أي أنه في حالة تواصل التقدم الأوكراني على أرض المعركة، بدعم غربي بطبيعة الحال، وفشلت القوات الروسية، باستخدام الأسلحة التقليدية، في وقف ذلك التقدم، قد يلجأ بوتين إلى إسقاط أسلحة كيماوية وبيولوجية على أهداف أوكرانية، فكيف سيكون رد فعل الغرب؟

* المصدر : عربي بوست
* المادة تم نقلها حرفيا من المصدر ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع