وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

الأميركيون والضفة المحتلة (2 / 4): الأمن أولاً… ودائماً

السياسية:

في نظر الصهاينة، لا تضمن السلطة الفلسطينية الأمن للصهاينة على المدى البعيد، حتى لو خففت أعباء الاحتلال المباشرة، خصوصاً أن نماذج العمل الأميركي في كل من أفغانستان والعراق مُنيت بإخفاق ذريع.

مرّت سنوات طويلة على “النفضة” الأميركية للسلطة الفلسطينية ووضع محمود عباس على رأسها. أمّن ذلك سنوات من الهدوء الممتاز لـ كيان “إسرائيل” في الضفة منذ نهاية 2007 وبداية 2008 حتى 2014، لكن كانت النار تشتعل في غزة، والحروب تتوالى، والجمر تحت الرماد في الضفة، إلى أن جاء عام 2015 وكشفت العورات.

عاد الهدوء قليلاً في 2018 قبل أن ينقلب المشهد في 2021 وينفجر في 2022. كثيرون ألقوا اللوم على توقف دعم الأميركيين السخيّ للسلطة في 2011، لكنَّ آخرين، ومنهم كيان “إسرائيل”، ألقوا اللوم على الأخيرة، لأنها غرقت في الفساد وصناعة الثروات وتحصيل الامتيازات والتهت عن “واجباتها”.

في ملخّص عن الحلقة الأولى، بدا أنَّ المشروع الأميركي لتطوير قطاع الأمن الفلسطيني اصطدم بجملة معوقات صهيونية وأميركية داخلية، وهو ما عرقل إكماله، وجعل وكالات الأمن الأميركية تُضطر إلى الصرف عليه عبر زواريب التفافية وضمن خانات التمويل السري.

أما النظرة الإسرائيلية، فهي أنَّ السلطة، وإن خففت أعباء الاحتلال المباشرة، فإنها لا تضمن الأمن للصهاينة على المدى البعيد، وخصوصاً أن نماذج العمل الأميركي في كل من أفغانستان والعراق وبلاد أخرى مُنيت بإخفاق ذريع تعرف كيان “إسرائيل” أن عواقبه ستكون وخيمة عليها، الأمر الذي خلق اختلافاً بين “تل أبيب” وواشنطن يتصاعد حتى اليوم، في وقت تصرّ الأخيرة على نظريتها، وعلى دعم السلطة وقطاع الأمن تحديداً.

صحيح أنَّ الأمن الفلسطيني كان يتضخّم، لكن التوظيف من أجل الراتب صار الأساس، فتحوّل “الفلسطيني الجديد” الذي حلم به الجنرال كيث دايتون إلى موظف، بل عاد بعض هؤلاء إلى جادة الصواب، ونفذوا عمليات ضد الصهاينة (2015-2018)، أو فعلوا ذلك وزادوا عليه بالمشاركة في دعمها وتغطيتها (2021-الآن). مع ذلك، بقيت بعض الأجهزة فعالة في مهمتها الأساسية، وخصوصاً الاستخبارات و”الأمن الوقائي”.

ربما كان الصهاينة حق الاعتراض على السلوك الأميركي في تدريب السلطة والصرف عليها، إذ إنَّ هذا كله لم يبنِ الفلسطيني الَّذي يحلم به الأميركيون، والذي سبق أن تمناه الصهاينة الخارجون من صدمة الانتفاضة الثانية التي أوقعت فيهم خسائر كبيرة.

التدريب والنتائج

استعرضت الحلقة الأولى الدور المفصّل لمكتب التنسيق الأميركي ومسؤوليه وموظفيه وموازناته وأهدافه المعلنة، لكن هذه الحلقة ستبحث في أمور أخرى، منها ما كان يُدرس للجنود والضباط. وإلى جانب “المنهاج الأميركي المطور والمكثف” ضمن 24 دورة متخصّصة، عمل على تدريب الأمن الفلسطيني مدربو الأمن العام الأردني باللغة العربية، مع مساعدة رجال أمن أميركيين في المركز الأردني الدولي لتدريب الشرطة (JIPTC) خارج العاصمة عمان، الذي بُني عام 2003 بصفته مركزاً أميركياً لتدريب الشرطة العراقية.

هذا المركز كان قد استقبل حتى نهاية 2010 أربع كتائب من قوات الأمن الوطني وكتيبة واحدة من الحرس الرئاسي مجموعها 2500 فرد، بواقع 19 أسبوعاً من التدريب لكل كتيبة. أما السبب في اختياره – وفقاً للفتنانت جنرال كيث دايتون- فكان “بسيطاً جداً”، إذ “أراد الفلسطينيون التدرب في المنطقة، لكنهم أرادوا الابتعاد عن العشائر والعائلة والتأثيرات السياسية… يثق الإسرائيليون بالأردنيين، ويثق الأردنيون بهم، وهم حريصون على المساعدة”. وإلى جانب تدريب الجنود، هناك دورات القيادة العليا، التي بدأت بستة وثلاثين من الضباط (رائد، مقدم، عقيد)، والتي أجراها متعاقدون أميركيون عام 2010، ثم جاءت دورات القيادة المتوسطة المستوى.

في عام 2018 ومطلع عام 2019، انتقل تدريب القوات من الأردن إلى مدربين داخليين في قوى الأمن الفلسطينية في معهد التدريب المركزي (هيئة التدريب العسكري لقوى الأمن) وكلية الحرس الرئاسي في أريحا بتمويل أميركي لهذه الإنشاءات الجديدة.

وكان التدريب الأساسي يتضمن مزيجاً من الفصول الدراسية والتمارين العملية التي تركز على “الاقتحام والسيطرة على الحشود، والعمليات الخاصة، والدوريات، وإنقاذ الرهائن، ونقاط التفتيش”، وهي على خلاف الدورات المتخصّصة التي تشمل اللغات الأجنبية والعلاقات العامة والتغذية والسلامة والإسعافات. كذلك، خُصص حرس الرئاسة بدورات مثل تطوير القيادة على المستويين المتوسط والعالي، ومهارات التحقيق، وقدرات الاستجابة للأزمات.

اللافت أنّ كيان “إسرائيل” اعترضت على بناء مقار جديدة في محافظات الضفة كافة، وخصوصاً في المناطق المصنفة “ب”، ولم تسمح بتوفير مساحات كافية، الأمر الذي أكَّده دايتون لاحقاً بقوله: “نحن لا نقدم أي شيء للفلسطينيين ما لم يُنسق كلياً مع كيان إسرائيل وتوافق عليه… أحياناً، تدفعني هذه العملية إلى الجنون. كان لديّ الكثير من الشعر عندما بدأت”. هذا الحديث كان قبل أن يرى نتاج ما زرعه في الضفة بعد 12 عاماً.

قبيل ذلك، قال دايتون في 2009 إن رد السلطة خلال الحرب الصهيونية في تلك السنة “حال دون اندلاع انتفاضة ثالثة (في الضفة) جراء استخدام نهج محسوب ومنضبط مع الاضطرابات الشعبية، وعن طريق إبعاد المتظاهرين عن الصهاينة… فاق احتمال النظام احتمالات الفوضى”.

مع ذلك، كانت هناك مخاوف من أنَّ المكاسب التي تحقّقت من تدريب قوات الأمن قد لا تكون مستدامة بسبب “نقص القدرات في الشرطة المدنية وقطاع العدالة”، فضلاً عن أن التجنيد يجري ضمن اعتبار سياسي هو الانتماء حصراً إلى “فتح”، ثم جاء الغضب من دايتون بسبب إحراجه السلطة في أكثر من موقف، وادعائه أن الفضل في تحسن الوضع في الضفة يعود إليه، وهو ما أظهر رام الله خادمة للاحتلال في النظرة الشعبية.

إلى جانب ذلك، لم يكن الصهاينة يسهلون كل شيء. يعبّر العقيد الأميركي المتقاعد فيليب ج. ديرمر، وهو مستشار دايتون آنذاك، عن الانزعاج من السياسات التقييدية التي تمنع الموظفين الأميركيين من التجوال في الضفة لرؤية الوضع مباشرة، مضيفاً: “الاجتماعات الرسمية القليلة لا تسمح لنا بفهم السياق أو تطوير فهم قابل للحياة وللمضي قدماً”.

وفي الوقت نفسه، لاحظ المسؤولون الأميركيون أن الحصول على موافقة صهيونية على شحن المعدات وتسليمها يحتاج إلى فترة طويلة، وقد لا تصل الشحنات في الوقت المناسب، وكذلك الحال مع صيانة المعدات والمنشآت، وذلك ضمن مسارين: تأخير الموافقة، والتأخر في التسليم.

أيضاً، حدد ديرمر مبكراً 5 مجالات مثيرة للقلق: “أولاً يشكّك الفلسطينيون في كون الإجراءات دائمة وفعالة في نهاية المطاف، وهم غاضبون من أن الولايات المتحدة تنسب الفضل إليها وتتحدث عن البرنامج علناً، كما أن مهمة USSC غير محددة، والنتيجة المرجوة غير واضحة، فيما لا تحظى جهودنا بدعم استراتيجي من جهات أميركية داخلية ودولية أخرى. وأخيراً، لا توجد وثيقة استراتيجية تحدد أدوار اللاعبين الأميركيين والدوليين ومسؤولياتهم وكيف يمكن العمل ضمن رؤية مشتركة”.

في المقابل، رأت السلطة أنَّ ما جرى من دعم فقد مصداقيته بسبب سياسة العلاقات العامة والترويج، وأن المكتب لم ينجح في توصيل احتياجات قطاع الأمن في السلطة إلى المانحين الدوليين، لكنَّها لم تنكر أن ما فعله دايتون كان نقطة تحول.

أما الصهاينة، فرأوا أن البرنامج، رغم معاييره الصارمة، يمثل تهديداً لأنه سيخلق أعداء مستقبليين ربما يكررون ما فعلته أجهزة الأمن في عهد عرفات. لهذا، أنشأوا نظاماً صارماً للتنسيق الأمني وصل إلى مراحل بات فيها التواصل مع الضباط يجري مباشرة دون الرتب العليا مع حصولهم على جداول دوام قوات الأمن الفلسطينية، فضلاً عن منع غير الموثوق بهم من حمل السلاح خارج المقار الرسمية، لكن هذه الإجراءات وغيرها تخضع للتعديل بين حين وآخر.

هذا الاستشراف الصهيوني وجد اعترافاً حديثاً في الأوراق الأميركية (تقرير خدمة أبحاث الكونغرس المشار إليه في الحلقة الأولى) التي جاء فيها: “من غير الواضح مدى فعالية الولايات المتحدة عبر المساعدة والتدريب والتنسيق في تشجيع أفراد قوات الأمن الفلسطينية على الحفاظ على التزامهم المهني بحفظ النظام ووقف المتشددين في بيئة محفوفة بالمخاطر بشكل متزايد، وخصوصاً إذا كانت الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية تجذبهم في اتجاه مختلف”، والسبب أن “بعض الموظفين استهدفوا القوات الصهيونية أو المستوطنين مباشرة، ما يثير تساؤلات عن قدرة السلطة على السيطرة على تصرفات الأفراد”.

يربط التقرير الجديد بين هذا التفلت والمشكلة المالية للسلطة من دون النظر في العوامل الأخرى، إذ يقول: “منذ أواخر 2021، لم يتلقّ العسكريون (إلى جانب غيرهم من موظفي الخدمة المدنية) سوى 80% من رواتبهم العادية بسبب الصعوبات المالية التي تواجهها السلطة، ويقال إن الأخيرة تناقش خيارات مختلفة لخفض نفقات كشوف المرتبات”، مشيراً إلى إحاطة هاتفية في أيلول/سبتمبر الماضي، قالت فيها مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، باربرا ليف، إن المسؤولين الأميركيين يسعون إلى ضمان أن يكون “التعاون الأمني بين كيان إسرائيل والسلطة قوياً ومستمراً، مع التشجيع على تحسين الظروف الاقتصادية في الضفة وغزة، لأن ذلك يمكن أن يساعد على تحسين الظروف الأمنية ويحافظ عليها”.

واللافت هو الإشارة الأميركية إلى أنَّ الأمن الفلسطيني صار عرضة لانتقادات المسؤولين الصهاينة والأميركيين ووصفهم بأنهم ضعفاء أو غير قادرين على الحفاظ على النظام أو متعاطفون مع قضايا المتشددين، وباتوا عرضة لانتقادات شعبية كبيرة، الأمر الذي يدفع السلطة إلى الإفراج عن المحتجزين بسبب “غياب أدلة دامغة على خطط أو انتماءات إرهابية خطرة”.

بعد ذلك، أرفقت نصيحة تقول إنَّ الموافقة على وقف القتال تعطي فرصة “لبعض المتشددين إذا حافظوا على التزامهم بسيادة القانون للانضمام في نهاية المطاف إلى قوات الأمن نفسها”، وهو ما فعلته السلطة أخيراً بعرضها ضم 60 مقاتلاً من “عرين الأسود”. مع ذلك، أشار التقرير إلى أن “التحديات المتزايدة التي تواجه عمليات قوات الأمن الفلسطينية في هذه البيئة يمكن أن تدفع بعض المسؤولين والمشرعين (الأميركيين) إلى تقييم مستوى المساعدات الأميركية والدولية وطبيعتها”.

قبل فوات الأوان!
اليوم، مع تصاعد العمل المقاوم في الضفة مجدداً (راجع: كتائب المقاومة في الضفة: عندما يستفيق “الأسد النائم”)، تزايد الحديث الصهيوني عن “موت السلطة” واليوم الذي يلي عباس، بل راحت معاهد بحثية صهيونية تتحدث عن “إعادة تأهيل دورها قبل فوات الأوان”.

مثلاً، جاء في الملخص والتوصيات المدرجة في دراسة حديثة نشرها أوريت بارلوف وأودي ديكل في “معهد أبحاث الأمن القومي”، في 18/9/2022، أن “على كيان إسرائيل تعزيز الشركاء وتسخيرهم لتحركات إعادة الإعمار على وجه التحديد تجاه السلطة في أراضيها في الضفة، وذلك في جزء من مبادرة من طبقتين”.

الطبقة الأولى، وفق المعهد، هي نقل كامل السيطرة على كامل منطقة شمالي الضفة إلى السلطة في مقابل التزامها منع العمليات وإحباط البنى التحتية للمقاومة إلى جانب إرساء القانون والنظام، وتكون هذه المنطقة فلسطينية متجانسة دون مستوطنات صهيونية (على عكس ما يطالب به إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتيش)، ليكون فيها مستوى منخفض من الاحتكاك بين الفلسطينيين والمستوطنين، لكن هذا المطلب مشروط بنقل السيطرة إلى السلطة تدريجياً مع وضع معالم طريق لدراسة كفاءة سيطرة السلطة وأجهزتها الأمنية. وهنا، “من المهم دمج الأردن، وكذلك المنسق الأمني ​​الأميركي USSC في تحديد المعالم، مع تضمين عملية النقل رفع مستوى كفاءة الأجهزة الأمنية إلى جانب مراقبة امتثالها للمعايير المتفق عليها”.

يَرِدُ هنا بوضوح ذكر دور المنسق – موضوع قضيتنا – بوصفه مرجعاً في الحلول والوصفات الاستعمارية، فضلاً عن ذكره كعمود أساسي في ضبط الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومراقبة عملها وفق المعايير مع دور الأردن الشريك في هذا الملف منذ تأسيسه (2005) ثم انطلاقته (2007).

أما الطبقة الثانية، وفق وصف المعهد، فهي التركيز على تجنيد الموارد لإعادة إعمار الضواحي الفلسطينية (المخيمات والقرى والبلدات) التي يخرج منها المقاومون، وذلك بتسخير الأردن ودول الخليج، وخصوصاً الإمارات، للاستثمار في بناء مراكز تدريب وتشغيل للشباب الفلسطينيين، وكذلك إنشاء كليات مهنية وتكنولوجية برعاية السلطة وضمن إطارها، والهدف هو محاولة إبعاد هؤلاء الشباب عن طريق المقاومة والثورة وتعزيز مكانة السلطة.

بينما كان هذا العصف الذهني جارياً، والتوصيات تُرفع تباعاً، كانت السلطة تواجه أزمتها على خطين: الصهيوني والأميركي. في المستوى الأول، لا تزال السلطة تتلقى التعليمات والطلبات الصهيونية، فتنفذ جزءاً كبيراً منها، وتؤجل البقية، إما للعجز وإما لحاجة في نفس يعقوب. أما في المستوى الثاني، فتراجعت العلاقة كثيراً عما كانت عليه في بداية عهد جو بايدن والتواصل الحثيث عبر المبعوث الأميركي من أصل فلسطيني هادي عمرو.

أخيراً، في بداية تشرين الأول/أكتوبر الماضي، اضطر أمين سر “اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير” حسين الشيخ، ورئيس الاستخبارات ماجد فرج، ورئيس الاستخبارات العسكرية زكريا مصلح، إلى السفر إلى الولايات المتحدة ليلتقوا مسؤولين من الخارجية الأميركية والأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية.

آنذاك، عبّر الأميركيون بوضوح عن قلقهم من تدهور الوضع الأمني في الضفة، فيما تبع الزيارة تقرير لموقع Intelligence Online الاستخباراتي الفرنسي في التاسع عشر من الشهر نفسه، قال إنَّ فرج يفقد سيطرته في الضفة مع زيادة العمليات ضد الاحتلال والدعم الشعبي لكتائب المقاومة ومجموعاتها.

إذاً، لا يخفى عن الأميركيين ومن معهم من “الناتو” أن السلطة، رئيساً وحكومةً وأجهزةً أمنية، تعيش أزمة بالغة في العمق ومتشعبة، بل تكاد تتحول إلى أزمة وجود. فما إن حاولت السلطة الخروج من هذه الأزمة بعد حرب 2021 التي رفعت أرصدة “حماس” و”الجهاد الإسلامي” وباقي فصائل المقاومة، حتى عادت إليها مع تفاقم المواجهات مع الاحتلال وتصاعد المقاومة في الضفة، وخصوصاً بعد عملية التحرر من سجن “جلبوع”، فصارت غير قادرة على التأثير المباشر في الجمهور، وحتى عجزت عن ممارسة دورها (وكيل أمني) كما كانت سابقاً، وخصوصاً عندما دخلت البيئة الفتحاوية في العمل المسلح، وتحديداً شمالي الضفة.

لكن ذلك لم يمنع رام الله من استمرارها في التنسيق الأمني مع الاحتلال بدفع وإشراف أميركي للحفاظ على أمرين أساسيين: الأول الوجود، والآخر ترسيخ الوجود بالدعم المادي واللوجستي الأميركي الذي يقوم في الدرجة الأولى على علاقة وطيدة مع واشنطن، وعلى نحو أدقّ بين الأجهزة الفلسطينية والوكالات الأمنية الأميركية.

فلسفة دعم الأمن
منذ التعطّل الفعلي للمسار السياسي أواخر عهد باراك أوباما، أضحت العلاقة بين السلطة والولايات المتحدة أمنية في أساسها قبل أن تكون سياسية. هذا الجزء من العلاقة تحديداً لم ينقطع نهائياً بين الطرفين على الرغم من تبدّل الإدارات، والسبب في الدرجة الأولى هو الرغبة الإسرائيلية-الأميركية في الحفاظ على التوازن في الضفة، ثم جاء جو بايدن (كان نائب أوباما) وقدم “تعويضات” بالمشروعات الاقتصادية والأمنية من دون رؤية سياسية أو حتى حل كامل لمشكلة الموازنة لدى رام الله، فلم تضغط واشنطن على “تل أبيب” لحلحلة الأزمة المالية نهائياً، بل هي تشاركهم التصور في وجوب وقف مساعدة عائلات الشهداء والأسرى والجرحى، كما أنها لم تضغط – أو لا تملك القدرة على الضغط – على الدول العربية لرفد خزينة السلطة.

وعلى الرغم من إعلان الولايات المتحدة استئناف تمويل السلطة بطرق شبه مباشرة وأخرى غير مباشرة، لا تزال هذه المساعدات “متواضعة” لأنها مقيدة قانونياً، وسبق أن طالب رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد اشتية، خلال لقائه وفد ممثلي مجلس النواب الأميركي في رام الله نهاية 2/2022 بتعديل بعض القوانين التي تمنع وصول المساعدات إلى الخزينة الفلسطينية مباشرة، حتى إنَّ دعم قوات الأمن (قُدّم في 1/2022 بين 40 و45 مليون دولار) كان جزءاً من استئناف التمويل قيد البحث، ما يعني أنَّ هذا الأمر مرهون بأداء هذه الأجهزة وتعزيز تنسيقها مع الصهاينة، بل إعطاء المزيد من النفوذ للمنسق الأمني ​​الأميركي الذي صار واضحاً أنه أدى دوراً كبيراً خلال المراحل الماضية من التوتر.

في النتيجة، يمكن القول إنَّ وظيفة السلطة، من وجهة نظر أميركية- صهيونية، تحولت إلى وظيفة أمنية واقتصادية بحتة، بدليل استمرار الدعم الأميركي للقطاع الأمني منذ بداية العلاقة بـ”منظمة التحرير” ومأسسة الأمن، وحتى في أسوأ مراحل التواصل بين الفلسطينيين والأميركيين.

بالعودة إلى عام 2000، حين بدأت الولايات المتحدة وكيان “إسرائيل” الضغط على ياسر عرفات لإصلاح القطاع الأمني في إطار رؤيتهما، ركَّز الإصلاح على “مأسسة الأمن” واحتكار الأجهزة الأمنية له فقط، مع محاربة ما كان يطلق عليه “الفلتان” بعد انخراط جزء من تلك الأجهزة في الانتفاضة الثانية.

لو عدنا إلى أصول العلاقة مع “منظمة التحرير”، فسيبرز الشق الأمني في سبعينيات القرن الماضي، حين كانت تقوم على تبادل منافع وخدمات، كإجلاء رهائن أميركيين من غربي بيروت خلال الاشتباكات في الحرب الأهلية. مع مرور الوقت، تطورت العلاقة الأمنية إلى علاقة سياسية، وهذا هو مربط الفرس، فتنوعت فصولها وفق توجه الإدارات المتعاقبة ومصالحها. وفي عهد دونالد ترامب أيضاً، حين قُطعت العلاقة السياسية أواخر 2018، ولم يعد لفلسطين أي تمثيل دبلوماسي في الولايات المتحدة، بقي التمويل الأمني مستمراً.

وفق ما نقلت صحيفة “القدس” المحلية في تلك السنة، أبلغت واشنطن السلطة بفحوى قرارها الذي يتضمن وقف المساعدات، ما عدا تلك المخصصة للأمن، ومقدارها 100 مليون دولار سنوياً من أصل 370 مليوناً هي مجمل المساعدات (يضاف إليها 25 مليوناً مخصّصة للمستشفيات شرقي القدس)، لأن “هذه الأموال تمسّ الأمن القومي الأميركي، وتُعدّ حساسة لشؤون التعاون الأمني الفلسطيني-الصهيوني”.

في هذه النقطة، يقول نائب رئيس جهاز الاستخبارات العامّة الأسبق ومدير المركز الفلسطينيّ للبحوث والدراسات الاستراتيجية، محمّد المصريّ، إنّ المساعدات الأميركية للأجهزة الأمنيّة أقل من 100 مليون سنويّاً وتبلغ 60 مليوناً، وتُقدّم على هيئة تدريب الأجهزة الأمنيّة وتأهيلها وتوفير الأسلحة والآليّات.

وسبق أن قال رئيس الوزراء اشتية في 2018 – عندما كان عضواً في “اللجنة المركزية لحركة فتح” – إن حجم المساعدات الأميركية الذي دُفع سنوياً لفلسطين يبلغ نحو 500 مليون فقط، ما يؤكّد أن لا أحد يعرف بالضبط كم تدفع واشنطن لرام الله، على الأقل منذ 2011 فصاعداً.

الغريب أن السلطة قالت عام 2019، وفق تقارير نشرها موقع “المونتير” الأميركي، إن الحكومة، “بتوجيهات من الرئيس محمود عبّاس، بعثت رسالة إلى الخارجيّة الأميركيّة طلبت فيها إنهاء التمويل الأميركيّ للأجهزة الأمنيّة”. وقال كبير المفاوضين الفلسطينيين آنذاك، الراحل صائب عريقات، إنّ هذا الطلب جاء لتجنّب دعاوى قضائيّة قد ترفع في المحاكم الأميركيّة بموجب قانون أقرّه الكونغرس لمكافحة الإرهاب (أتكا)، وينصّ على أنّ أيّ حكومة تتلقّى تمويلاً ستكون خاضعة لقوانين مكافحة الإرهاب الأميركيّة.

وكانت الفكرة أنَّ رام الله تحاول ألا يُخلق استثناء في القانون الأميركيّ يجري بموجبه تقديم مساعدات للأجهزة الأمنيّة فقط، مع أن من الصعب، وفق قانونيين وحقوقيين، إدخال تعديلات مستقبلية على القانون بعدما دخل حيّز التنفيذ.

ثمة أمر لافت لا بدَّ من الإشارة إليه: حين حاول ترامب أن يربط تقديم المساعدات المالية إلى الفلسطينيين بعودتهم إلى المفاوضات، أرسل المنسّق الأمنيّ ​​الأميركيّ بين كيان “إسرائيل” والسلطة اللفتنانت جنرال إريك وينت (2017-2019) لإقناع أعضاء الكونغرس بتعديل القانون، لكن “إسرائيل” نفسها بذلت جهداً لإبقاء الدعم المقدّم للأمن الفلسطينيّ خشية تأثر التنسيق، فطلبت من الولايات المتحدة الإبقاء على تلك المساعدات، وهذا مثال يوضح فلسفة دعم الأمن أولاً ودائماً.

حصة الأسد
أياً تكن عناصر التفكير الأميركية والصهيونية، فلدى السلطة أساساً أولوية عالية في دعم الأمن والأجهزة المعنية. وحتى في سنوات أزمتها القاسية، بلغت حصة الأمن الفلسطيني في موازنة الحكومة عام 2018 نحو 21% من الموازنة التي بلغت 5.8 مليارات دولار، وفق “الائتلاف من أجل النزاهة والشفافية” (أمان).

وطبقاً لـ”الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة”، كان إجمالي نفقات السلطة عام 2021 نحو 16 مليار شيكل، استناداً إلى التقرير الصّادر عن وزارة المالية في كانون الأول/ديسمبر 2021. وقد استحوذ قطاع الأمن على حصّة الأسد بنحو 22% من مجمل النفقات (3.52 مليار شيكل للأمن، أي قرابة مليار دولار آنذاك). وكان ما خُصص لقطاع الأمن من الموازنة العامة في مطلع 2021 هو 944 مليون دولار، أي ما نسبته 20% من الموازنة العامة، ما يعني أن الإنفاق خلال 2021 على قطاع الأمن فاق ما تم تخصيصه.

توزّعت نفقات وزارة الداخلية والأمن الوطني على الرواتب والأجور والمساهمات الاجتماعية (المبالغ التي تحوِّلها الحكومة إلى صندوق التقاعد)، وهذه مجتمعة تشكّل بين 85-88% من نفقات الوزارة (الباقي للموازنات). ويُعد قطاع الأمن عرضة للتضخم والمحسوبية، فعدد العاملين فيه تضخَّم من 76,884 في 2016 ليصل إلى نحو 66 ألفاً في 2017، بينهم 200 لواء و410 عمداء و2592 عقيداً، وذلك بمعدل 0.9 جندي تقريباً لكلِّ ضابط مقارنةً بـ4.2 في “الجيش” الإسرائيلي و4.7 في الجيش الأميركي.

لكن منذ تنفيذ سياسة التقاعد المبكر الاختياري والقسري (2018-2019)، تقلَّص الإجمالي إلى 65,829 في 2018، ثم صار 53 ألفاً في 2021، نصفهم تقريباً في الضفة وحدها (6% منهم نساء)، قبل أن يضاف إليهم 1500 بداية هذا العام. وقد سجلت الإحصاءات فارقاً كبيراً في الراتب بين الرتب. مثلاً، راتب اللواء الواحد الشهري يعادل رواتب 6 جنود، والراتب الشهري للعميد يعادل رواتب 5 جنود.

في موازنة 2022 الحبلى بالتوتر والأحداث، ومع عجز بـ558 مليون دولار مطلع السنة، واصلت رام الله تخصيص الإنفاق الأكبر من موازنتها على الأمن، وفق ما أعلن “الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة العامة”، إذ قال في تقرير عن الموازنة العامة لعام 2022، صدر في 24/8/2022، إنَّ الإنفاق على الأمن بلغ 23% (86% منها للرواتب والأجور) في مقابل 20% للحماية الاجتماعية (وزارة التنمية الاجتماعية، ومخصصات الأسرى والشهداء والجرحى، ووزارة المرأة، والمخيمات الصيفية)، و20% للتعليم، و14% للصحة.

من الواضح أن مجمل هذه الأموال، ولا سيما المخصصة للأمن، من مصادر أميركية، مع الالتفات إلى أن الكمّ الأكبر يصبّ في جيب جهاز “الأمن الوقائي” تحديداً، إذ يتلقى منذ نشأته تدريباً وإنفاقاً من وكالة الاستخبارات الأميركية، فضلاً عن الدعم اللوجستي والفني والعسكري، أو عن طريق الدعم بالمعدات، بما يخدم الأجندة الأميركية في فلسطين ضمن موازنات غير مصرح بها على نحو دقيق.

هذا لا يعني طبعاً أن بقية الأجهزة، وخصوصاً الاستخبارات، لا تتلقى تمويلاً جيداً، لكن التركيز أكثر على هذين الجهازين، بعدما كان “الأمن الوطني” والشرطة هما الأهم بسبب “تمرد” عناصرهما خلال أحداث الانتفاضة الثانية. وفي ما يتعلق بـ”حرس الرئاسة”، لا أرقام واضحة، لكن ذُكر في الملفات الأميركية أنه تلقى حصة وزانة بين 2007 إلى 2010.

تحسينات بايدن
في أيار/مايو 2021، تحدث الأميركيون تقريباً عن 610 ملايين دولار للفلسطينيين، وفق بيان صادر عن الخارجية الأميركية. وفي 7/2022، تكلم الأميركيون على 316 مليوناً أخرى للصحة والغذاء والنمو الاقتصادي وتعزيز السلام والتكنولوجيا، فيما قالت “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية” (USAID) إنها خططت في ظل إدارة بايدن-هاريس (في انتظار موافقة الكونغرس) لبرمجة ما لا يقل عن 500 مليون بين 2021 و2024 كدعم للشعب الفلسطيني. وقد صرفت منها 150 مليوناً في 2021 و2022.

يلاحظ في تصريح لوزير الخارجية، أنتوني بلينكن، خلال لقاء مع محمود عباس في 3/2022، أنه يذكر قضية دعم الأمن عرَضاً من دون توضيح الأرقام الخاصة بها، علماً أن رقم 40-45 مليوناً المخصص للأمن كشفت عنه الصحافة الصهيونية تحديداً. أما بلينكن، فقال: “هذا الدعم هو أكثر من مجرد دعم اقتصادي، فنحن نركز على النهوض بالحقوق المدنية والإنسانية الفلسطينية، وكذلك دعم المجتمع المدني”.

هكذا تقريباً وُزع مبلغ نصف مليار منذ بداية 2021 إلى زيارة بايدن في 2022: 417 مليون دولار من المساعدات الإنسانية للاجئين، و75 مليوناً من الدعم عبر USAID، و20.5 مليوناً مساعدات لمحاربة فيروس كوفيد-19 والتعافي لغزة، إلى جانب المبلغ المخصص لأجهزة الأمن. وستتحدث الحلقات المقبلة عن هذه الملفات تباعاً.

مع ذلك، تبقى أرقام دعم الأجهزة الأمنية سراً لا يتحدث عنه الثلاثة، رام الله وواشنطن و”تل أبيب”، لكن المؤشرات الملحوظة تشي بما يتراوح بين 40 إلى 70 مليون دولار سنوياً بعد 2011.

المستقبل للأمن أيضاً… ولكن
في المجمل العام، يتأكّد أن العلاقة بين الولايات المتحدة والسلطة لم تنقطع أمنياً، لكنها تتفاوت وفق تغير الإدارات. في إدارة بايدن، يظهر أنّ التوجه الأميركي يميل إلى التهدئة والتخفيف من حدة التوترات في فلسطين والمنطقة عام. لذلك، يأتي دعم الأمن الفلسطيني أولويةً. وهنا، لا تشكل السلطة حجر عثرة بقدر ما تمثله “إسرائيل” باشتراطاتها.

رغم ما توحي به “تل أبيب” في الإعلام عن رغبتها في إطاحة السلطة، فإنها وواشنطن حريصتان على بقائها إلى الحد الذي يضبط الإيقاع داخل الضفة ويسهل المهمات عبر التنسيق الأمني. لذلك، تتحكّم “تل أبيب” في قوة رام الله وأجهزتها، فيما تواصل واشنطن مساعدتها في ضبط هذه الأجهزة وتوليفها بما يخدم مصلحتهما، مع التلويح أحياناً بعصا خفض الموازنات أو الرتب حين لا يأخذ الصهيوني بالتوصيات.

من المهمّ النّظر إلى الجزء الذي خصّصه “معهد الأمن القومي الصهيوني” في تقريره لعام 2022 حول السلطة. جاء في التقرير تحت عنوان “توجهات كيان إسرائيل نحو السلطة الفلسطينية” أنَّ الأولى ترى وضع السلطة ضعيفاً، لكنه باقٍ مع أنها تمر بظروف من فقدان الاستقرار، فقد كان من المفترض أن تجري الانتخابات الفلسطينية في أيار/مايو 2021 لإنهاء الانقسام، وأيضاً لطمأنة الإدارة الأميركية الجديدة والأوروبيين إلى تلبية مطالبهم بتجديد الشرعيات الفلسطينية، ولكن بسبب توقعات عباس خسارة “فتح” ألغى الانتخابات بدعوى أن كيان “إسرائيل” ترفض إجراءها في القدس، ثم أدى مقتل الناشط الفلسطيني نزار بنات على يد الأجهزة الأمنية إلى تظاهرات واحتجاجات بين الشباب الذين يرون السلطة وكيلاً عن الاحتلال.

في النتيجة، يشرح المعهد أنّ كيان “إسرائيل” تسعى لاستقرار السلطة بالمساعدات الاقتصادية والتنسيق الأمني الذي تراه ضماناً للبقاء؛ فخلال السنوات الأخيرة، تراجع حجم المساعدات الخارجية لرام الله، وصار اعتمادها أكثر على الأموال التي تجبيها كيان “إسرائيل” من المقاصة، لكن الأخيرة ترى أن الفساد المستشري في السلطة، وضعف النظام القضائي، إضافة إلى التنافس على خلافة عباس، سوف يخلق ضعضعة أمنية واقتصادية. لذلك، سوف تتعاون مع مصر والأردن والولايات المتحدة وبعض الدول العربية لمساندة السلطة بسبب المصلحة الحيوية في بقائها واستمرار العلاقة القائمة على الاتفاقات، بما فيها الترتيبات الاقتصادية والأمنية.

بعد هذا الاستعراض، يوصي تقرير المعهد بالعمل في 4 مجالات:

1. ترتيبات انتقالية (3-5 سنوات) من دون اتفاقية مكتوبة، يجري العمل خلالها على تقوية السلطة كشريك شرعي لـ كيان “إسرائيل”، بمساعدتها على بناء هياكلها وأجهزتها حتى تستطيع أن تحكم، وتمكين الأجهزة الأمنية من العمل في مناطق “ب” وأيضاً “ج”، وإنشاء رصيف مخصص للسلطة في ميناء أسدود مع مسار للقطارات إلى المعابر (ترقوميا وإيرز)، والمبادرة برزمة من المشاريع بالتعاون مع الدول العربية في الطاقة والبيئة والمياه والمناخ، ومن الممكن إعادة النظر في بروتوكول باريس الاقتصادي.

2. مباشرة العمل بخطة الانفصال عن الفلسطينيين من دون اتفاق، عبر وقف البناء خارج المستوطنات والكتل الاستراتيجية وتوسيع مناطق نفوذ السلطة حتى تسيطر على 90% من الفلسطينيين.

3. الحفاظ على مفاتيح الأمن بأيدي “الجيش” من حدود الضفة حتى نهر الأردن، وتطوير التعاون مع الأجهزة الأمنية لمحاربة الإرهاب.

4. تعمل كيان “إسرائيل” على تشجيع دول الخليج على مساعدة السلطة وإمكانية دمجها في المشاريع الإقليمية.

انطلاقاً مما سبق، يمكننا توقع أن الدعم الأميركي للأجهزة الأمنية سيتواصل بصرف النظر عن الواقع السياسي، وخصوصاً أن التوجه الصهيوني لا يزال يتصرف بهذا المضمون رغم الاختلاف في بعض التفاصيل. وربما تُصرف دفعات إضافية لتلك الأجهزة، لكن ذلك مرهون بأدائها في موجة التصعيد الحالية، مع بقاء الأرقام مبهمة في هذا الجانب، ومن دون تفاصيل عن طبيعة هذا الدعم وشروطه والأجهزة المستفيدة أكثر منه.

في المقابل، ستسعى السلطة لتنشيط التنسيق الأمني بأعلى مستوياته من دون إعلان التفاصيل، مع أنَّ نتائجه ستكون ظاهرة للجمهور الفلسطيني والمقاومين تحديداً، وما جرى مع “عرين الأسود” أخيراً ليس إلا جزءاً بسيطاً من المهمة الكبيرة.

في مسار آخر مختلف، ربما تعني عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم، واحتمال عودة ترامب أيضاً إلى الرئاسة، انقلاباً في الرؤية أو تغييراً في الإستراتيجيات. لذلك، سارع الأميركيون إلى التحذير هذا الشهر من سيناريو يجري فيه تغيير أحد أطراف “الصهيونية الدينية” وزيراً للأمن (سيكون هو المسؤول مباشرة عن التنسيق مع USSC)، وكذلك عبر السفير الأميركي توم نيدس الذي خاطب نتنياهو بالقول: “تعيين وزير الدفاع يجب أن يكون بحذر وبمراعاة، وبطريقة تراعي العلاقة الحميمة بين كيان إسرائيل والولايات المتحدة”، محذراً من تكرار الحديث عن “ضم الضفة”، لأنّنا “سنحارب أي محاولة لذلك”، ليس حباً بالفلسطينيين، إنما كي لا تحترق الطبخة الأميركية الموقد تحتها النار منذ عقود، ويعود اللفتنانت جنرال ومن معه إلى بيوتهم خالي الوفاض بعدما صرفوا المليارات… وربما يبتعثون إلى مكان آخر في الكرة الأرضية يمارسون فيه لعبة شبيهة.

المصدر : الميادين نت
المادة الصحفية : تم نقلها حرفيا من المصدر ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع