وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

القبضة الأمريكية على أنظمة الخليج (3)

وزير حرب ترامب مستشارًا للامارات

د. علي دربج* 

 

ليس من قبيل المبالغة القول إن مكانة الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة الأميركية تخطت حتى ما تحظى به السعودية من حماية ورعاية من قبل القيادات الأمريكية المتعاقبة. فالقوات المسلحة الإماراتية كانت قاتلت إلى جانب القوات الأمريكية في أفغانستان والعراق وسوريا. والإمارات ذاتها تسمح للبنتاغون بنشر 5000 عنصر من قوات المارينز في قاعدة الظفرة الجوية، وإرساء السفن الحربية الأمريكية في جبل علي، وهو ميناء عميق المياه بالخليج. والأكثر أهمية، أنه منذ عام 2012 كانت هذه الدولة ثالث أكبر مشترٍ للأسلحة الأمريكية بعد السعودية وأستراليا، وفقًا لمعهد “ستوكهولم” الدولي لأبحاث “السلام”، الذي يتتبع مبيعات الأسلحة العالمية.

بالمقابل يُعد أسلوب الحياة “المبهرج” في الإمارات العربية المتحدة أحد أبرز عوامل الجذب المغرية لكبار المستشارين والجنرالات العسكريين الأمريكيين الذين توجه المئات منهم إلى هذه الدولة الغنية بالنفط، حتى قبل وبعد انتهاء خدماتهم في بلدهم الأمّ.

ومن أبرز الأسماء اللامعة في هذا الاطار، الجنرال المتقاعد من مشاة البحرية جيم ماتيس الذي كان مستشارًا عسكريًا للإمارات قبل أن يصبح وزيرًا للحرب في إدارة ترامب، حسبما تظهر الوثائق التي كشفتها صحيفة “واشنطن بوست” الشهر الماضي، ومشروع الرقابة الحكومية الأمريكية (POGO).

ما كانت مهمة وزير حرب الرئيس ترامب جيم ماتيس في الإمارات؟

في الواقع، يعتبر ماتيس أبرز مشجع أمريكي للقوات المسلحة الإماراتية، فهو يشير إلى الإمارات باسم “إسبرطة الصغيرة” بسبب براعتها في الحرب كما يدّعي. قاد الجنرال المتقاعد من مشاة البحرية، من فئة الأربع نجوم، جميع القوات الأمريكية في الشرق الأوسط قبل أن يدير البنتاغون خلال إدارة ترامب.

في حزيران/ يونيو 2015، وبعد عامين من تقاعده من سلاح مشاة البحرية، تقدم ماتيس بطلب للحصول على تصريح فيدرالي “لقبول العمل المدني” مع الإمارات كـ”مستشار عسكري”. وافقت قوات المارينز ووزارة الخارجية على طلبه في آب/ أغسطس 2015، بحسب السجلّات.

ومع أن الوكالات الحكومية الأمريكية حجبت وثائق أخرى تحدد واجباته الدقيقة وتعويضاته المالية المتوقعة، لكن روبرت تيرر – الرئيس المشارك لمجموعة كوهين، وهي شركة استشارية في واشنطن يعمل فيها ماتيس كمستشار كبير – كشف أن ماتيس قدّم نصحًا للإماراتيين بشأن “الجوانب التشغيلية والتكتيكية والإعلامية والأخلاقية” للعمليات العسكرية.

ما ينبغي ذكره، أنه من غير الواضح كم من الوقت عمل ماتيس في الامارات، بحيث عاد إلى الخدمة الحكومية الأمريكية كوزير حرب للرئيس دونالد ترامب، في كانون الثاني/ يناير 2017، حيث كان شغل هذا المنصب لمدة عامين.

وفي آذار/ مارس 2019، بعد شهرين من مغادرته البنتاغون، تقدم مرة أخرى بطلب للحصول على الموافقة لقبول التوظيف من الحكومة الإماراتية، وهذه المرّة كمتحدث مميز في مؤتمر حول العلاقات الأمريكية ــ الإماراتية، استضافه رئيس الدولة. اللافت أن سلاح مشاة البحرية، نقّح تفاصيل الترتيبات المالية، قائلاً إن الكشف عنها ينتهك الخصوصية الشخصية لماتيس.
من هي القيادات العسكرية الأمريكية الرفيعة الأخرى التي عملت أيضًا في الامارات؟
إضافة إلى ماتيس، ورد اسم تشارلز بولدن جونيور، وهو لواء متقاعد في مشاة البحرية ورائد فضاء، شغل منصب مدير ناسا خلال إدارة أوباما. في حزيران/ يونيو 2016، سافر إلى أبو ظبي لتوقيع اتفاقية تعاون بين ناسا ووكالة الفضاء الإماراتية. كما ألقى محاضرة حول مهمة ناسا إلى المريخ أمام جمهور من كبار الشخصيات، بما في ذلك الشيخ محمد.

تظهر الوثائق أنه بعد تسعة أشهر من انتهاء ولاية بولدن كرئيس لـ”ناسا”، تقدم بطلب للحصول على موافقة اتحادية للعمل كمستشار لوكالة الفضاء الإماراتية. وقال في طلبه إن الوكالة ستدفع له مقابل حضور اجتماعين للمجلس الاستشاري سنويًا. وافق كل من سلاح مشاة البحرية ووزارة الخارجية على الطلب، لكنهما حذفا التفاصيل المالية من الوثائق، مشيرين إلى حقه في الخصوصية. وفي مقابلة، رفض بولدن الإفصاح عن المبلغ الذي دفعه الإماراتيون له.

ما حجم وقيمة رواتب الأجانب ومعاشات الجنرالات العسكريين الأمريكيين في الامارات؟

بينما احتفظ البنتاغون بسريّة رواتب الجنرالات والأدميرالات، فقد كشف عن رواتب الضباط من ذوي الرتب الدنيا والأفراد المجندين. تظهر تلك الوثائق أن الإماراتيين يدفعون بشكل جيد.

في هذا السياق، تلقى كبير ضباط الصف الأول المتقاعد من Navy SEAL Team 6 راتبًا قدره 348000 دولار، بالإضافة إلى 54400 دولار للإسكان والسفر، للعمل في الإمارات العربية المتحدة كمدرب على الرماية. وبالمثل، وافق عقيد متقاعد بالجيش الأمريكي، على وظيفة براتب 324 ألف دولار سنويًا، كمستشار للجيش الإماراتي.

أكثر من ذلك، يتلقى الموظفون الأمريكيون المتقاعدون الذين ينتقلون إلى الإمارات بدل سكن ومواصلات من خمسة أرقام، بينما يستمرون في تحصيل معاشاتهم التقاعدية العسكرية الأمريكية. في حين أن أولئك الذين لديهم مهارات متخصصة أو درجات متقدمة يكسبون أكثر. إذ حصل شون كونورز قائد البحرية المتقاعد على إذن اتحادي في عام 2019، لتولي وظيفة براتب مقداره 600 ألف دولار سنويًا، كنائب للرئيس في شركة نواه للطاقة، وهي شركة مملوكة للدولة، قامت ببناء أول محطة للطاقة النووية المدنية في العالم العربي.

وفي الاطار ذاته، عندما أسس محمد بن زايد كلية الدفاع الوطني لتعليم الضباط الإماراتيين قبل عقد من الزمن، بدأت المدرسة في عملية توظيف وتجنيد أكاديميين عسكريين من الولايات المتحدة.

تظهر الوثائق أن توماس دروهان الأستاذ في أكاديمية القوات الجوية الأمريكية، تم استدراجه إلى البلاد براتب 240 ألف دولار، وبدل سكن 49 ألف دولار. أما زميله دانيال بالتروسيتيس، وهو كولونيل متقاعد بالقوات الجوية، فقد انتقل إلى أبو ظبي ليصبح عميدًا للكليّة براتب مقداره 338،000 دولار، فضلًا عن 53،200 دولار كامتيازات الإسكان.

إضافة الى ذلك، تكشف السجلات أن الموظفين المجندين السابقين الذين يعملون في الإمارات يمكنهم أيضًا جني أموال ممتازة، حيث يكسب الميكانيكيون واللحامون والرسامون 100000 دولار أو أكثر سنويًا.

ما هي بالتحديد مهمات المستشارين والجنرالات الأمريكيين في الامارات؟
يعتمد الإماراتيون على الأمريكيين لتعليمهم كيفية استخدام ترسانة واسعة من الأسلحة الأمريكية الصنع، بما في ذلك الطائرات المقاتلة F-16، وطائرات بريداتور من دون طيار، وبطاريات صواريخ من طراز باتريوت، وصواريخ ثاد الاعتراضية. كما يعتني الميكانيكيون الأمريكيون، بالمعدات المتخصصة أثناء دمجها مع الوحدات العسكرية الإماراتية.

أشرف جيمس تشامبرز سابقًا، وهو جنرال متقاعد بالجيش يحمل نجمتين، على اللوجستيات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط. ثم قاد فريقًا قدم المشورة للقيادة اللوجستية المشتركة لدولة الإمارات من 2018 إلى 2020. بينما أمضى ويليام جي ويبستر جونيور، جنرال عسكري متقاعد من فئة ثلاث نجوم عامًا واحدًا في أبو ظبي كمدير أول لنقطة المعرفة، على “مراجعة تطوير القدرات” للجيش الإماراتي.

ليس هذا فحسب، في عام 2019 تلقى تود هارمر، العقيد المتقاعد بالقوات الجوية الأمريكية، تفويضًا اتحاديًا للعمل كعضو ضغط في العاصمة لصالح حكومة الإمارات العربية المتحدة. تظهر الوثائق أنه ضغط على الكونجرس للموافقة على مبيعات الأسلحة الكبرى للإمارات، وحصل على راتب أساسي سنوي قدره 180 ألف دولار من صاحب عمله، شركة أمريكان ديفينس إنترناشونال.

ونتيجة استقدامها لهذه المواهب الامريكية (التي شاركت في العديد من الاجتياحات والاحتلالات والتدخلات العسكرية في افغانستان والعراق وغيرهما) طوّرت الإمارات قدرات متقدمة للمراقبة والإنترنت لاستهداف المعارضين، بمساعدة قراصنة وجواسيس أمريكيين وإسرائيليين سابقين.

في المحصلة، مع تعزيز قدراتهم العسكرية من قبل المتعاقدين الأمريكيين والأسلحة، أصبح قادة الإمارات – وفقًا لاعترافات لمسوؤلين في ادارة الرئيس جو بايدن – أكثر ميلًا للتدخل في النزاعات بعيدًا عن الوطن، ضاربين عرض الحائط بحقوق الإنسان، خصوصًا في اليمن، وليبيا، والأهم أنها تجسست (وفقًا للواشنطن بوست) على المعارضين نيابة عن الرياض، حيث جمعت الأجهزة الأمنية الإماراتية معلومات استخبارية عن جمال خاشقجي، قبل تقطيعه بالمنشار استنادا لتقرير لـ CIA.

باحث ومحاضر جامعي
  • المصدر: العهد الاخباري
  • المادة تم نقلها حرفيا من المصدر ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع