وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

من أجل الاستقلال : عبد الناصر يلهب حماس ثوار 30 نوفمبر

خالد الأشموري *

يعتبر الثلاثين من نوفمبر 1967م في حياة اليمنيين ذكرى جلاء آخر جندي بريطاني من مدينة عدن الباسلة.. بعد كفاح مسلح ونضال مستميت وطويل، خاضه ثوار اليمن ضد الاستعمار البريطاني الغاصب.

هذا المحتل الذي جثم على أرض اليمن 129عاماً وعمل على تمزيق جنوب اليمن إلى أكثر من 22 سلطنة ومشيخة بهدف طمس الهوية اليمنية الوطنية التي حافظ عليها اليمنيين من خلال التضحيات المستميتة التي قدمها ثوار اليمن رخيصة في سبيل بقاء اليمن حراً مستقلاً.. فكان يوم الثلاثين من نوفمبر عام 1967م يوم انتصار إرادة الشعب اليمني وتقرير مصيره في الحرية والاستقلال الذي لم يكن سهلاً أو مكرمة بقدر ماهو حق مشروع عبر عنه اليمنيون عبر نضالات وثورات شعبية مسلحة قدموا خلالها قوافل من الشهداء وآلاف الجرحى في سبيل التحرر من الاستعمار البريطاني.
سيظل هذا اليوم ذات معاني ودلالات عظيمة مميزة في صفحات التاريخ اليمني وستظل ذكراه محفورة في وجدان كل أبناء اليمن وأبناء العروبة وبخاصة أبناء الكنانة ” مصر ” الذي كان لثورة يوليو 1952 المبادرة إلى جانب أبناء الشعب اليمني حتى خروج المحتل البريطاني من اليمن.
وبما أن اليمنيين يعيشون هذه الأيام الاحتفال بالذكرى الـ 55 للاستقلال فقد أرتأيت في هذا المقال تخصيصه للدور المحوري الذي قامت به جمهورية مصر العربية بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر.

توجسه رسائل إنذار للمستعمر

اجمع الباحثون والكتاب أنه كان ولا بد من المحتل الإنجليزي أن يرحل من أرض اليمن وقد أدرك الزعيم جمال عبد الناصر هذا حين وقف إلى جانب ثورة الـ 14 من أكتوبر 1963م في جنوب اليمن ضد الاستعمار البريطاني ، خاصة وأن الثورة في الجنوب كانت في بداياتها المخاضية مطلع عام 1964م.. وبرغم الصعوبات التي تكتنف قراره في دعم ثورة اليمن وإدراكه للمحاذير الجمة التي تترتب على ذلك لكنه أصر على المضي قدماً لتحقيق الهدف المنشود وهو طرد المستعمر الأجنبي من جنوب اليمن.. فكان نتاج ذلك طيرانه إلى صنعاء في الثاني والعشرين من أبريل 1964م وهي الزيارة التاريخية التي أفزعت المستعمر الأجنبي في جنوب اليمن.. فكان الدور الثوري والمعنوي العظيم بكل تجلياته حين سجل التاريخ بأحرف من نور تلك الزيارة التاريخية التي قام بها عبد الناصر إلى صنعاء، حيث صافح الجماهير اليمنية المحتشدة في صنعاء بمختلف طبقاتها وشرائحها فقد التقى بالقبائل، والعلماء، والموظفين، والعمال، والمزارعين ، والتجار، وأفراد القوات المسلحة، والشباب حيث تحدث إلى الجماهير بقلب كبير ومفتوح، مذكراً الشعب اليمني بماضيه المشرق والمشرف، وقال: كان لليمنيين الدور في نشر الإسلام في شرق وجنوب آسيا .. وسطها وشمالها” وأضاف : ” حينما كنت أزور مناطق في مختلف أنحاء آسيا كنت أسمع منهم أن الإسلام وصل إلى هنا بواسطة اليمانيين”.
ولم يكتف الرئيس جمال عبد الناصر بزيارة صنعاء فقط، بل حرص على زيارة محافظة تعز كونها أقرب نقطة إلى الجنوب المحتل، وأمام عشرات الآلاف التي احتشدت في ميدان العرضي القى خطاباً تاريخياً حماسياً لا يزال اليمنيون يتغنون به خطاباً قابلته الجماهير المحتشدة بالتصفيق الحار والدموع والأهازيج حتى وصلت مشاعر الحب والحماس لهذا الزعيم العربي حملة على الأعناق، خاصة بعد أن عمد الزعيم العربي إلى توجيه عدة رسائل إلى المستعمر الأجنبي في الجنوب الحبيب.
وقال في خطابه جملته الشهيرة التحذيرية لبريطانيا ” أن بريطانيا لا بد وأن تجلو عن عدن – أن كلاً من عدن والجنوب أرض عربية، وأنه من المستحيل تماماً على بريطانيا أن تفرق بين عرب وعرب أو يمنيين عن يمنيين”.
ثم قال جملته الأشهر التي حملت في طياتها إنذاراً صريحاً وجازماً، ودعماً معنوياً عالياً لثوار الجنوب المحتل ” أن بريطانيا التي تنظر إلى ثورتكم بكراهية وحقد، يجب أن تحمل عصاها على كتفها وترحل من عدن.. إننا نعاهد الله على هذه الأرض المقدسة أن نطرد بريطانيا من كل جزء من الوطن العربي”.
وقال ” أيها الإخوة الثوار رأيت الشعب اليمني فيكم اليوم تتمثل القوة والعزة والثورة والحرية هذا الشعب اليمني الذي صمم دائماً من أجل الحرية فقاتل وكافح وثار ونصره الله وحقق له العزة والكرامة والحرية.
أيها الإخوة أنتم شعب يمني واحد، أراد الاستعمار أن يفرق بينكم واراد أن يجعلكم شيعاً وأحزاباً ولكن إرادة الله وإرادتكم كانت فوق إرادة الاستعمار ولم يفلح الاستعمار.. واليوم نحن نعلنها للجميع بأن بريطانيا ومنذ عدة أشهر ترسل الأسلحة لكي تضرب ثورتكم ولكن الأسلحة لم تستخدم ضدكم بل ارتدت إلى صدور الاستعمار وإلى أعوانه، لن نمكن الاستعمار من أن يبقى في أي جزء من أرض الأمة العربية ولا بد للاستعمار ولا بد لبريطانيا التي تنظر إلى ثورتكم بكراهية لا بد أن تحمل عصاها وتخرج من عدن.).
نجاح الزيارة:
يؤكد الكثير من الخبراء المحللين على أن خطاب عبد الناصر في تعز نجح نجاحاً كبيراً في رفع معنويات الثوار في جنوب اليمن المحتل، كما عمل على إزعاج المستعمر الأجنبي وقد تصاعدت الهجمات على قوات الاحتلال، واكتسبت ثورتهم زخماً وازدادت ثورة تحرير الجنوب اشتعالاً وقوة.. ففي شهر واحد فقط” مايو 1964م ” سقط العشرات من الجنود كما اتجهت أنظار العالم نحو ردفان في ثورتها وأرسلت بريطانيا الكثير من النجدات المتمثلة في الكتائب إلى عدن لتعزيز جيشها بعد أن تبين أنه غير قادر على مقاومة الثوار الأبطال.

ثورة يوليو تدعم ثوار الجنوب اليمني:
وقال الكاتب المصري سامي شرف: لقد مثل قرار القاهرة بمساندة ثوار اليمن التزاما عقائدياً للمبادئ التي قامت عليها الثورة الأم في مصر واستمرار لنفس الدور الذي سبق القيام به نحو الجزائر وسوريا والعراق، وكل حركات التحرر التي احتاجت للمساعدة والمساندة باعتبار أن الحرية العربية لا تتجزأ والدفاع عن حقوق شعب عربي هو دفاع عن حقوق الأمة كلها لقد كان واضحاً بعد مؤامرة الانفصال بين مصر وسوريا في سبتمبر 1961م أن الاتجاه السائد لدى القوى المعادية للتحرر العربي هو خنق كل صوت ينادي بالتحرر العربي، وفي نفس الوقت فإنه كان من المستحيل على مصر أن تمارس دورها إلا في مجالات تأثيرها وتأثرها.
ويضيف سامي : لا بد من التأكيد أن القرار لم يكن انفعالياً أتخذه جمال عبد الناصر كما صوره البعض بل كان قراراً نابعاً من منطلق أخلاقي ومبدئي التزمت به ثورة 23 يوليو 1952م.
هذه الثورة قد أحدثت زلزالاً في شبه الجزيرة العربية كلها دفعت الاستعمار البريطاني إلى إعادة حساباته وأضطر تحت ضغط الحركة الوطنية المدعومة من القاهرة للانسحاب من إمارات وسلطنات الجنوب العربي كله وقيام جمهورية اليمن ودولة الإمارات العربية المتحدة بعد ذلك، وأعقب ذلك الانسحاب العسكري من منطقة الخليج العربي أيضاً، كما دفعت النظم التقليدية في شبه الجزيرة إلى إعادة ترتيب أوراقها، وتوجيه قدر أكبر من الاهتمام لصالح تحديث وتنمية شعوبها، ما أصبح البحر الأحمر بحيرة عربية خالصة.
ويواصل سامي شرف” لقد أرتكزت ثورة يوليو في تخطيط استراتيجيتها وترتيب أولوياتها على فكرة التحرر كفكرة محورية في كل تحركاتها وجاء الوطن العربي ، في مقدمة الدوائر التي يجب العمل من أجل تحريرها تمهيداً لوحدتها الشاملة، وإقامة نظام للأمن القومي العربي يمتلك عناصر القوة اللازمة لمواجهة التهديدات الخارجية وكانت اليمن – ومن وجهة النظر – نقطة ارتكاز حيوية في الأمن القومي المصري والعربي بحكم موقعها الاستراتيجي في جنوب البحر الأحمر وفي مواجهة السودان والقرن الإفريقي وباب المندب، وأدركت الثورة في مصر مبكراً أن أي تغيير سياسي في اليمن يمكن أن يحدث ردود فعل إيجابية لصالح حركة التحرر الوطني في الوطن العربي كله. (صحيفة الثورة – صنعاء – العدد- 17479- صـ 7).

دلالات ومعاني سامية ليوم الاستقلال تكمن عظمتها في شموخ الإرادة اليمنية الصلبة باستعادة الحق السيادي المشروع ورفض الهيمنة أو الوصاية أو التحكم بالمصير من قبل بريطانيا – ما كان يسمى بـ ” الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”.

المصدر: عرب جورنال
المادة الصحفية تعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي الموقع