وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

أسباب ومخاطر الخلافات الألمانية ـ الفرنسية على مستقبل أوروبا..!

السياسية:

تشهد العلاقات الألمانية الفرنسية فتورا غير مسبوق، على ذمة خلافات متعلقة بتباين سياسات البلدين في عدة مجالات، واي خلافات بين فرنسا وألمانيا ستنعكس سلبا على تماسك ووحدة الاتحاد الأوروبي.

ما هي أسباب الخلافات الألمانية الفرنسية وماهي مخاطرها على مستقبل الاتحاد الأوروبي..؟
وتعد فرنسا وألمانيا عرابي سياسة الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، واي تباينات بينهما سيكون لها ارتدادات سلبية على تماسك الاتحاد، والذي تعيش اغلب دوله ازمات اقتصادية ما ينذر بمخاطر تهدد تماسكه، خاصة في ظل التدابير الانفرادية التي تتخذها كل دولة لمواجهة الازمات الاقتصادية، عوضا عن الخلافات حول ملف الدفاع والتجارة الخارجية.

الخلافات الفرنسية الألمانية في الملفات الثلاثة ظهرت إلى الواجهة بعد فشل اجتماع فرنسي ألماني كان من المقرر عقده في اكتوبر/تشرين ثان 2022، بسبب خلافات عميقة حول جدول الاعمال، وادى ذلك إلى فتور العلاقات بين البلدين، وجعل المستشار الألماني ادلوف شولتز يتجه لزيارة الصين في 04 نوفمبر/تشرين ثان 2022 وهو ما زاد من فتور العلاقات مع فرنسا التي لها تتعاطى بحذر شديد مع الصين، خاصة في الجانب التجاري.

ويعد الركود الاقتصادي الذي تعيشه اوروبا اهم اسباب ظهور الخلافات بين دول الاتحاد الاوروبي، وابرزها الخلافات بين فرنسا وألمانيا. في اكتوبر/تشرين أول 2022 أجلت ألمانيا وفرنسا اجتماعاً دورياً على مستوى وزاري عالي إلى يناير/كانون ثان 2023، وعقب التاجيل فترت العلاقات بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق. ورغم ان باريس وبرلين عزتا اسباب التأجيل الى أجندات الوزراء، لكن الخطوات التي تلت الاجتماع كشفت عن شقاق بين البلدين في عدة ملفات، وتوسع هذا الشقاق مع استمرار حرب أوكرانيا؛ لما لها من تأثير مباشر على دول الاتحاد الأوروبي، خاصة في الجانب الاقتصادي.

وجهات النظر مختلفة بين باريس وبرلين من قبل اكتوبر/تشرين ثان 2022 وبالذات في ملف الطاقة، وهو ما يتضح من الموقف الألماني الرسمي الذي يسعى للوصول إلى أرضية مشتركة مع الجانب الفرنسي في هذا الملف، خاصة ما يتعلق بادارة سوق الطاقة وأسعارها، فبرلين ترى ان مشاكل ألمانيا في هذا الجانب تختلف عن مشاكل فرنسا، فيما ترى باريس ان اي تدابير تتخذ بشكل آحادي سيكون لها انعكاسات سلبية على دول الاتحاد مجتمعة.

اجتماع اكتوبر/تشرين ثان الماضي كان من المقرر ان توقع فيه فرنسا وألمانيا عدة اتفاقيات في الجانب الاقتصادي، وبالتالي فإن تأجيله 3 أشهر في ظل الازمات الاقتصادية التي تعصف بدول الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى اتخاذ كل بلد تدابير احادية ستؤثر بعضها على البلدان الآخرى، وهو ما يزيد من توسع الشقاق الذي ادى إلى فتور في العلاقات، والذي ظهر من خلال فشل دول الاتحاد في تحديد سقف لأسعار الطاقة.

وفي مجال تحديد أسعار الطاقة، جاء فشل التوصل لاتفاق بين ال27 دولة المنضوية في الاتحاد نتيجة القرارات أحادية الجانب من كل دولة، فمع استمرار ازمة الطاقة وجدت كل دولة نفسها أمام مشكلات تتعقد يوما عن آخر، فاضطرت لاتخاذ تدابير وقائية لمنع استفحال تلك المشاكل، ومن هذه الدول ألمانيا اكبر اقتصاد في الاتحاد الاوروبي، وهو ما جعل بعض الدول تصف ألمانيا بأنها “أنانية”. وبعيدا عن الخلافات القائمة بين دول الاتحاد، سنجد أن ألمانيا لجأت لتلك التدابير تحت ضغوط الاحتجاجات الشعبية وحالة الغضب الشعبي من ارتفاع وتضخم أسعار المواد الغذائية والطاقة، وتباين وجهات النظر داخل الائتلاف السياسي الثلاثي الحاكم والتي تحولت إلى خلافات تكاد تعصف بالحكومة الحالية، وأمام هذه الضغوط أعلنت برلين عن دعم حكومي للطاقة بقيمة 208 مليار دولار توجه للأسر والشركات الصناعية الألمانية، وهو ما أثار حالة من القلق الشديد في كثير من العواصم الأوروبية، وأبرزها باريس، وترى تلك العواصم ان سياسة ألمانيا في هذا الجانب تهدد الشركات الأوروبية، كون الدعم الحكومي الألماني سيسمح للشركات الألمانية بميزة غير عادلة على منافسيها الأوروبيين، وبالتالي ستؤثر سلبًا على السوق الداخلية. وعدت باريس هذا الاجراء الألماني بأنه يتعارض مع المصالح الفرنسية، ويشوه السوق الأوروبية، كون الدول الأخرى ليس لديها نفس الوسائل لحماية مواطنيها.

والى جانب هذه الاشكاليات داخل الاتحاد الأوروبي فإن هناك مخاوف لدى الشركات الأوروبية من منافسة الشركات الامريكية بسبب الفوارق في اسعار الطاقة وقانون خفض التضخم الأمريكي، وكذا مع الشركات الأسيوية، والتدابير المقترحة لمواجهة تلك المنافسة تتباين من دولة إلى اخرى داخل الاتحاد بسبب تباين ثراء الدول ومستوى دخل الفرد والسياسة التي تنتهجها كل دولة في ملفات الطاقة والتجارة الخارجية والدفاع.
واصبحت الخلافات بين برلين وباريس اليوم علنية، وقد اقر بذلك ستيفن هيبستريت، المتحدث باسم المستشار الألماني أولاف شولتز، والذي أكد أن هناك عدداً من النقاط العالقة مع باريس حالياً، موضحا أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق عليها رغم الجهود التي تبذل بهدف حلّها.

وبالتالي فإن الخلاف الفرنسي الألماني سينسحب إلى داخل الاتحاد الاوروبي نظرا لما تتمتع به الدولتان من ثقل ونفوذ سياسي واقتصادي داخل الاتحاد، وهو ما يظهر من خلال الانقسام بين دول الاتحاد الأوروبي الثرية التي يمكنها تحمل قروض جديدة، وتوجه الحكومات التي تعاني من ضائقة مالية للبحث بشكل منفرد عن مصادر للتمويل.

وهناك خلافات شائكة بين ألمانيا وفرنسا، ظهرت بشكل لافت إلى الواجهة مع استفحال ازمة الطاقة، ومن ابرزها في هذا الجانب نقطتين: الأولى تتعلق بالرفض الألماني الشديد لمقترح فرنسي بوضع سقف لأسعار الغاز والكهرباء، حيث تبرر ألمانيا رفضها لاعتمادها على الغاز في صناعاتها، وهذا الموقف الألماني تدعمه دول عدة من بينها الدنمارك وهولندا، فهذه الدول تتحفظ على تدخل السلطات بالأسواق، وترى برلين أن تخفيض الأسعار اصطناعياً يضر بهدف الاقتصاد في استخدام الطاقة ويدفع إلى مزيد من الاستهلاك؛ وتعتبر أن وضع سقف الأسعار قد يدفع المنتجين إلى بيع غازهم في مكان آخر، ما سيؤثر سلباً على الإنتاج الأوروبي. والنقطة الثانية تتعلق بالموقف الفرنسي المماطل لإحياء مشروع “غاز ميدكات” لخطوط الأنابيب التي تربط البرتغال وإسبانيا وتمر عبر فرنسا إلى ألمانيا، والذي تتحمس له ألمانيا بشدة، وان كانت باريس قد بدأت بالتعاطي مع هذه النقطة، فقد اعلنت موافقتها على احياء المشروع، لكن لم تبدي اي خطوات عملية على الارض.

وفي ملف الدفاع، فالخلافات تتوسع بين باريس وبرلين، ما أدى إلى انقسام أغلب دول الاتحاد إلى فريقين توزعا بين ألمانيا وفرنسا، فمع استمرار الحرب في اوكرانيا يزداد القلق في اوروبا من الصواريخ الروسية، خاصة مع توسع الضربات الصاروخية الروسية مؤخرا في أنحاء أوكرانيا.

وفي الاجتماع الأخير لحلف الناتو وقعت 14 دولة بقيادة ألمانيا اتفاقًا لانشاء نظام دفاع جوي جديد يسمى مبادرة Sky Shield الأوروبية، وهذا الاتفاق أثار غضب باريس، لكون المبادرة تهدف إلى إنشاء برنامج دفاع جوي مشترك في قارة اوروبا لا يشمل فرنسا، كما ان فرنسا بدت منزعجة بشدة من أن الدرع سيشمل أنظمة ألمانية وأمريكية وصهونية، وفرنسا ترى ان ذلك اختراق للسيادة الأوروبية. وامام هذا الاتفاق لجأت فرنسا لتطوير درعها الدفاعي الصاروخي مع إيطاليا.

ومن هنا فإن ذلك سيؤدي إلى تشكيل تجمعات عسكرية أصغر داخل أوروبا، وهو ما سيكون له تأثير سلبي على وحدة وتماسك دول الاتحاد الاوروبي، وسيصب في صالح روسيا والولايات المتحدة، والتي ستصبحا اكثر نفوذا في القارة، ما يعني تقسيم القارة مستقبلا تبعا لنفوذ الدولتين، كما كان عليه الحال ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي في ديسمبر/كانون اول 1991، وذلك سيؤدي إلى ضعضعة الاتحاد الاوروبي من الداخل.

اما في ملف التجارة الخارجية، فيبدو الخلاف واضحا بين ألمانيا وفرنسا؛ خاصة فيما يتعلق بالموقف من الصين، وظهر هذا الخلاف بوضوح اثناء زيارة المستشار الالماني شولتز إلى الصين. وخلال العام الماضي اعتبر الاتحاد الأوروبي والقيادة الألمانية ان الصين اصبحت قوة عالمية عظمى إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما جعل دول في الاتحاد وفي مقدمتها ألمانيا تبدأ بتشكيل علاقتها مع الصين، وهذا الاندفاع الألماني قوبل بامتعاض فرنسي بمبرر ان ذلك سيؤدي إلى تبعية أوروبا للصين، على اعتبار ان الصين ستدخل الى السوق الاوروبية كمنافس وليس كشريك، وفي هذا الجانب يؤكد صناع السياسة الفرنسية على الحاجة إلى جبهة اوروبية موحدة تبعد القارة عن التبعية الاقتصادية. وفي تقرير صدر عن المعهد الفرنسي للاستراتيجية العسكرية، IRSEM في اكتوبر/تشرين اول 2021 اكد أن الضغوط الاقتصادية كانت إلى حد بعيد واحدة من أقوى الروافع الدبلوماسية الصينية في قارة أوروبا، وهذا يعد من اهم بواعث الموقف الفرنسي من الصين. وضدا من الموقف الفرنسي ترى ألمانيا ضرورة التقارب مع الصين، والتعاطي معها كشريك وليس كمنافس، وهذا الموقف الألماني نابع من ان الصين تعد واحدة من أكبر شركائها التجاريين، حيث وصل التبادل التجاري بينهما إلى 260 مليار دولار تقريبا العام الماضي، وهذه العلاقة التجارية المتنامية جعلت المستشار الألماني يدير ظهره لجميع المخاوف المحلية والأوروبية عندما جاء الصينيون لشراء حصة في ميناء هامبورغ الذي يعد ثاني أكبر ميناء في أوروبا، ومن ثم قام بزيارته الى الصين بصحبة عدد من كبار رجال المال والأعمال رغم تصاعد الازمة بين بكين وواشنطن على ذمة جزيرة تايوان، وجاءت هذه الزيارة رغم ادراك برلين لموقف باريس من التقارب مع الصين، والزيارة بحد ذاتها رسالة إلى فرنسا بأن ألمانيا مستعدة للذهاب بمفردها، وأن صحت الانباء المتداولة بأن
شولتز رفض عرضًا من ماكرون بالذهاب سويا إلى الصين للتأكيد على فكرة أوروبا الموحدة، فإن ذلك مؤشر على ان ألمانيا بدات تفكر باقتصادها بعيدا عن الاقتصاد الأوروبي، وهو مؤشر على حجم المخاوف الألمانية التي ستجعلها تنكفئ على نفسها لمعالجة مشاكلها الداخلية، وذلك قد يؤدي إلى موقف ألماني أحادي يخالف موقف الاتحاد الاوروبي من حرب اوكرانيا، وان حصل ذلك بعيدا عن الموقف الفرنسي فإن ذلك نذير بتفكك الاتحاد الأوروبي.

تحويل اوروبا إلى مركز جيوسياسي مؤثر ومستقل ممكن في الوقت الحالي، واهم شروطه استقلالية القرار الأوروبي، لكنه لن يحدث إلا إذا عملت فرنسا وألمانيا معا، لكنهما اليوم تتباعدان اكثر، وان ظل الاتحاد الاوروبي يعمل كتكتل اقتصادي، ويركن بجانبه الدفاعي على حلف الناتو، فإنه سيظل اسيرا للتبعية الامريكية، ومهما كانت سياسته الخارجية مرنة فإنه سيفقد هذه المرونة وسيسير وفقا لموقف الحلف الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية، كما حصل في الحرب الاوكرانية، حيث كان موقف الاتحاد الأوروبي الذي تمثله فرنسا وألمانيا مع نزع فتيل التوتر والتعاطي بإيجابية مع المخاوف الروسية، لكنهما وجدت نفسيهما مضطرتين ومعهما اغلب دول الاتحاد لتأييد موقف حلف الناتو الذي دفعت لاتخاذه واشنطن، فكانت اوروبا اكثر من يدفع ثمن الحرب اليوم، لتجد ألمانيا نفسها مضطرة لاتخاذ تدابير حمائية للاقتصاد الألماني، رغم انه يضر بالاقتصاديات الاوروبية الأخرى من دول الاتحاد الأوروبي، ويضر ايضا بوحدة الاتحاد وتماسكه، وهنا نتحدث عن ألمانيا باعتبار أنها اكبر اقتصاد اوروبي، وأي قرار تتخذه سيكون له انعكاسات على اقتصاديات الدول المنضوية في الاتحاد.

ولما كانت فرنسا وألمانيا هما اكبر قوتين في هذا التكتل الاقتصادي فإن خلافهما يهدد وحدته ويجعله يتضعضع من الداخل، يقول جاك بيير جوجون، الخبير في شؤون ألمانيا في مركز أبحاث مقره باريس، أن الفتور الحالي في العلاقات الفرنسية الألمانية خطير للغاية، مؤكدا ان “بعض الدول الأعضاء الأصغر في الاتحاد الأوروبي، مثل بولندا ودول البلطيق، اصبحت تشكك في القيادة الفرنسية الألمانية “.

ومما سبق يتضح ان استمرار الحرب في اوكرانيا سيؤدي إلى تزايد الشقاق والفتور في العلاقات الألمانية الفرنسية تحت ضغوط استفحال الازمات الاقتصادية التي تعصف بكل بلد على حدة، وسيجد كل بلد نفسه مضطرا لاتخاذ تدابير وقائية تمنع مزبد من انهيار اقتصاد الدولة، وأول هذه الدول ستكون ألمانيا والتي ستكون مضطرة لترك اقتصاد الاتحاد الأوروبي وراءها والمضي قدمًا بمفردها لحماية اقتصادها، وهو ما سيؤدي إلى توسع هوة الخلاف مع فرنسا، وبالتالي تضعضع الاتحاد الأوروبي، تماما كما يحصل عندما تتوسع الخلافات بين الوالدين فيتشرد الابناء.

المصدر: عرب جورنال
المادة الصحفية : تم نقلها حرفيا من المصدر ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع