وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

طالبات المدارس في اليمن يُقتلن من أجل سوق حُرة لآلة الموت والدمار الغربية

صحيفة “تسايت” الألمانية الرسمية “مقلاع تحريض”على مزيد من التسلح وإفساح مجال أوسع وأكثر حرية لعملية تصدير الأسلحة. وهي تبرر ذلك بـ “أمن” أوروبا” و أن روسيا بعبع ينبغي الخوف منه. وأي آراء تخالف ذلك غير مقبولة.

بقلم: ديتريش كلوزه

(صحيفة “در فرايتاج” الألمانية، ترجمة: نشوى الرازحي-سبأ)-

اثنتا عشر تلميذة تتراوح أعمارهن بين السادسة والرابعة عشرة عاماً ورجل بالغ كان بين الجثث، التي كانت حصيلة  غارة جوية شنتها قوات التحالف بقياد السعودية في السابع من إبريل 2019 على مدرسة للبنات في العاصمة اليمنية صنعاء. وإذا ما سلطنا الضوء على صادرات الأسلحة و الحروب لوجدنا أن تلك الغارة لم تكن إلا نتيجة طبيعية للسعي للتنافس في عملية تصدير أسلحة غربية أرخص وأفضل. و من خلال النقاط التالية يمكننا رؤية “قيمنا الأوروبية” الحقيقية وما الذي تهتم به في الواقع:

1ـ تصوير روسيا كعدو كوسيلة للتحريض على مزيد من التسلح

2ـ “أسلوب التضمين” في الصحافة كوسيلة للتحريض لبيع الأسلحة

3ـ”أسلحة رخيصة وجيدة” تعني مزيد من صادرات الأسلحة

4ـ التحريض للحرب واحتكار وسائل الإعلام

5ـ التحريض الإعلامي ومسؤولية وسائل الإعلام

6ـ مرة أخرى: صادرات الأسلحة تجعل أسلحة الاتحاد الأوربي “قادرة على المنافسة”

7ـ  “الأمن” كمدعاة للتزويد بالسلاح؟

8ـ المعدات الحربية الألمانية تستخدم فعلاً في الحرب على اليمن

في عدد صحيفة “تسايت” الألمانية الرسمية الذي نُشر بتاريخ 4 إبريل2019، في الصفحة رقم 15 وفي موقعها الإلكتروني بتاريخ 3 إبريل 2019، نُشر مقال بقلم أولريش لادورنر و ميشائيل تومان، حرضا فيه بطريقة نثرية وبتلاعب لئيم بالعبارات لعميلة التزود بالسلاح في أوروبا ولمبيعات الأسلحة الأوروبية حتى للبلدان التي تشارك في مناطق الأزمات.

كانت فكرة المقال الأساسية تدور حول التأكيد على أن التزود بالسلاح وتصديره ضروري لـ “الأمن” في أوروبا.

1ـ تصوير روسيا كعدو وسيلة للتحريض لمزيد من التسلح:

لقد اتخذ الكاتبان من رسم صورة روسيا على أنها عدو وأنها تشكل أحد التهديدات المُحدقة بأوروبا و”أمنها” إن لم تكن هي التهديد الرئيسي، حسب افتراضهما، الفكرة الأساسية لما يريدان إيصاله من أفكار وتحريض لمبيعات الأسلحة . تلك الفكرة بالطبع مدعومة وبصورة دائمة وعلى نحو موحد -من قبل ما يسمى بـ “أحزاب الكارتل” (المجموعة البرلمانية المعروفة بالائتلاف الحاكم “الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU / CSU” والحزب الديمقراطي الاجتماعي SPD  وحزب الخضر Grüne والحزب الديمقراطي الحر FDP )، التي تمثل التيار السياسي الرئيسي فضلا عن وسائل الإعلام الرسمية. وقد عمل ذلك الدعم لهذه الفكرة بصورة متفردة على مدى سنوات على جعلها مترسخة لدى الرأي العام بحيث أُلغي معها وجود أي فكرة أخرى.

بفضل هذه التسقية (الري) المستمرة الرتيبة لفكرة “روسيا عدو” يكفي فقط أن ترد كلمة “روسيا” في أي سياق سياسي حتى تثير لدى لقارئي والمستمع والمشاهد – وهو المطلوب بالطبع- عملية ربط سلبي معين للأفكار وبالتالي يتم حصد “نجاح” رائع لدعايةٍ وتحريض يجري العمل عليها منذ سنوات طويلة.

ومع ذلك، فإن صورة العدو هذه التي رُسمت لروسيا ليست أكثر من مجرد استمرار للقوالب النمطية المعادية لروسيا، حيث ظلت تلك القوالب قائمة حتى يومنا هذا وبنفس زخمها الذي كانت عليه منذ القرن التاسع عشر إباتن الحرب العالمية الأولى ، خلال الحقبة النازية وفي زمن أديناور و”الحرب الباردة”. وقد فسر المراقبون الأمريكيون صورة العدو هذه على أنها نوع من العنصرية. ولكنها على أي حال، وكما يتضح أمامنا اليوم، نظرية مؤامرة هائلة تؤثر بشكل مباشر على سياساتنا ولا تعزز أمننا، بل على العكس تعرضه للخطر.

وطالما وأن فكرة “العدو روسيا” ليست بالجديدة إذ إنها قائمة منذ الأزل فقد تم استغلالها إذ لن  يكون من المُلاحظ أن الهدف من ورائها هو الدعم و التحريض لتجارة الأسلحة.

بالطبع، أجتهد الكاتبان على أن يظهرا نظرية المؤامرة من خلال مواجهة تهديد روسي محدق مع أن مسألة التسلح لها أبعاد أخرى بعيدة تماما ولها علاقة بالمصالح العليا للولايات المتحدة الأميركية.

المقال كله يدور حول روسيا باعتبارها “عدواً”. و من خلال ذلك تم تعزيز حجة التسلح بأكملها بالإصرار العدواني على ضرورة أن يكون هناك “دفاع أوروبي” يصاحبه تزويد متكامل بالأسلحة مع تصديرها وعواقبه.

والمستغرب في الأمر هنا هو العدوانية الشديدة التي تم بها تقديم المقال. وبصرف النظر عن هذه العدوانية، نتساءل هذه هي المرة هي المرة رقم كم التي سعى الإعلام الرسمي لتقديم هذه الفكرة لنا فيها؟  فالإعلام السياسي الرسمي لم يتوقف أبداً عن تعميم هذا الموضوع رابطاً به على الدوام مسألة التزويد بالسلاح استعداداً للمواجهة مع روسيا وتصويرها كعدو. الآن، وفي هذه الفترة بالذات،  وجد الكاتبان أن هناك ضرورة مُلحة لتكرار تعزيز الفكرة وذلك لأن في الوقت الحالي ظهرت أصوات سياسية مختلفة تعارض موضوع تصدير الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية، خصوصا بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

توقف التيار السياسي والإعلامي منذ فترة طويلة عن مناقشة مسألة ما إذا كانت زيادة الإنفاق العسكري ضرورية أو مرغوبة – ناهيك عن توقفه عن مناقشة مسألة تقليص التصدير الذي يعتبر على العكس من زيادة الإنفاق هو الوسيلة الأفضل. وبالطبع الحديث عن موضوع ما، لا يعني أن هناك تفضيل له كحل. ولا يزال احتكار وسائل الإعلام الرسمية مستمراً: فموضوع تقليص الإنفاق العسكري بحد ذاته أمر غير وارد هذا إن كان قد طُرح بالفعل.

إن مسألة الترويج للأسلحة في وسائل الإعلام الرسمية أشبه ما يكون اليوم بالترويج من خلال فتيات بملابس خفيفة لسيارة يقول صانعوها أنها بمواصفات حماية فائقة من أنها في الحقيقة ليست كذلك وهم يعلمون ولكنها بفضل إعلان الفتيات تلقى رواجا كبيرا.

و كما هو الحال في العديد من المجالات الأخرى، يتم التعتيم  في الإعلام الرسمي على ما تم كشف القناع عنه واعتبر مقبولاً على الإطلاق أكثر من أي وقت مضى بحكم الأحداث التي تجري. واليوم مسألة إعادة التزويد بالسلاح لدى النخب السياسية عموماً لم يعد مسألة “إذا كان” بل مسألة كيف وكم وما مدى سرعة القيام بذلك؟  والصحافة اليوم لا تُقدم إلينا سوى حساء مؤيد لتصدير السلاح، وهو نفس الطعام الذي بات يتكرر تقديمه لنا، ولكن تختلف حرارته بين مرة وأخرى وهو الخيار الوحيد.

ولكن الصحفيان لادورنر و تومان سكبا كامل كايين الفلفل في الحساء وكان ذلك ملحوظا من العنوان: “العاجزون” ويقصد بهم رجال السياسة الألمان (ملاحظتي: أصحاب الدعاية والتحريض لتجارة السلاح) وهما بهذا الوصف ينتقدان رجال السياسة كونهم لم يكونوا حازمين أكثر كما يريد لادورنر وتومان في مسألة تصدير الأسلحة.

وهما بالتحديد قد أطلقا وصف “العاجزون”على الحزب الديمقراطي المسيحي، حيث كان المقال موجه له بشكل واضح. كما أنهما بطبيعة الحال يقصدان كذلك الائتلاف الحاكم “الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. CDU / CSU.

أراد كل من لا دورنر وتومان منا معرفة أن الائتلاف الحاكم وخاصة الحزب الديمقراطي الاجتماعي لديه فتور في موضوع تصدير الأسلحة وبوصفهما للسياسيين بالعاجزين أرادا التحريض أكثر  لعملية تصدير الأسلحة إلى السعوديين والإماراتيين. ومقال كهذا، بمثل هذه البلاغة من شأنه أن يثير مسألة الشكوك ويحقق الانقياد للفكرة المراد إيصالها من قبل الكاتبين ولكن الحمدلله أن هناك إمكانية “التعليق عبر الانترنت” في موقع صحيفة “تسايت”.

2ـ”أسلوب التضمين” كوسيلة للدعاية وتعليقي على ما ورد في المقال بالتفصيل:

كان لافتاً أنه حتى بعد مرور 19 ساعة من نشر المقال لم يكن هناك ولا حتى تعليق واحد عليه. وكان ذلك الأمر غريباً بالطبع خصوصاً وأن الموضوع كان مثيراً للجدل. أنا فقط كتبت تعليقاً واحداً قلت فيه: “لماذا لم يعلق أحد هنا حتى الآن؟ أليس هذا تحريض سيئ وترويج لمبيعات الأسلحة .” ثم ورد سؤال من قارئ آخر: “ما ورد في هذا المقال هو ترويج لمبيعات الأسلحة”. وشجعني هذا على كتابة تعليق أطول اضطررت إلى تقسيمه إلى جزأين، فالتعليق ينبغي أن لا يتجاوز عدد كلماته 1500 حرفاً.

كان لا فتاً طريقة التلاعب الشديدة بالكلمات التي يراد بها إقناع القارئ بسلك نفس تيار الكاتبين. وكان ذلك التلاعب من خلال استخدام ما يسمى بـ “التضمين” الذي يتقنه الكاتبين ببراعة.

أصبح أسلوب “التضمين” يستخدم في الأونة الأخيرة سياسياً لطرح المشكلة و حلها في نفس الوقت. فمثلاً مع مصطلح “تيار اللاجئين” ربما يفهم المرء حشوداً كبيرة من الناس ولكنه يتضمن أيضت المعنى المبطن بأن تيار اللاجئين ظاهرة مهددة ويتم الإيحاء بحلها المفترض وهو “المنع” أو “الإغلاق”، أي العمل على منع وصول اللاجئين إلى أوروبا.

بدا من الأسهل بالنسبة لي أن أعلق على كل جملة في مقال لادورنر وتومان وفقاً لمبدأ “التضمين” وعند الحاجة علقت على كل كلمة. وبما مجموعه 3000 ألف حرفاً، نجحت بالتأكيد في التعليق على الثلث الأول من المقال. وفيما يلي العبارات و التعليقات عليها:

ورد في المقال: “أوروبا تريد ضمان أمنها في المستقبل بشكل أفضل.” وعلقت بالقول: ” تحريض مبطن للدفع بمبيعات الأسلحة يراد به القول بأن أوروبا  لم تحقق نتائج جيدة وعليها فعل ذلك.

وعلى قولهما “هل يمكن الاعتماد في هذا الأمر على ألمانيا؟” قلت: ما هو المقصود بـ “الاعتماد”؟

ما يجب أن يُفهم هنا هو المشاركة في إعادة العمل على تصدير الأسلحة وليس منع تصدير الأسلحة.

وعلى قولهما :الاتحاد الأوروبي … لا يكاد يستطيع الدفاع عن نفسه عسكرياً”، علقت بالقول: ” تحريض واضح الغرض منه الدفع لمزيد من مبيعات الأسلحة، فالاتحاد الأوروبي بالتأكيد رابع أقوى قوة عسكرية على وجه الأرض.

وعلى قولهما “العديد من الأوروبيين يدركون أنهم أنفسهم يجب عليهم ضمان سلامتهم في المستقبل بشكل أفضل” علقت بالقول: هذا تأكيد على التحريض لتصدير الأسلحة كوسيلة سيئة تقود إلى بر الأمان. وتسمح فقط بحل المشكلة من زاوية واحدة وهي مبيعات الأسلحة.

وعلى قولهما “إذا لم نلتزم معاً في الدفاع، فما الذي سيحدث؟”. قلت: تهيئة دعائية لما سيلي ذكره:

“هذا ما يقوله السياسيون الألمان ولكن لا يطبقونه.” وعلقت بالقول: تحريض يريدان به القول أنتم أيها الألمان سيئون تقولون أنكم ملتزمون بالدفاع عن أوروبا ولكنكم لا تفعلون ذلك.

وعلى قولهما: “الألمان لم يعودوا أوربيين كما كانوا.”

علقت بأن الدعوة للاستمرار في المشاركة في مشاريع التسلح هو تحريض قوي لمواصلة مبيعات الأسلحة. وربط أوروبا هنا بعملية التسلح فيه نوع من الجرأة. فأوروبا تعلم أن لديها مشكلات مختلفة تماماً غير التسلح.

وعلى قولهما: “إن تحديات الدفاع عن أوروبا ضخمة وردود الألمان إزاءها صغيرة.”

مرة أخرى، هناك بيانان دعائيان صريحان، يقصد بهما تضييق نطاق تفكير القارئ في أمر واحد: “مزيد من التسلح ومبيعات أسلحة دون حصر” وأي شخص لديه تحفظات هنا يعتبر أن  “ما يقدمه ضئيل”.

وعلى قولهما: “برلين بخيلة بالمال والالتزامات الواضحة.”. علقت قائلا:

المقصود هنا هو مشاريع الأسلحة المشتركة والإنفاق في مسائل الدفاع و في بعض الأحيان المشاركة بالبعثات الأجنبية وكلمة “بخيلة” هي تصنيف أشبه بالضئيل ولا يحمل سوى معنى واحد وهو “مزيد من مبيعات الأسلحة وبذل المهام القتالية.”

و ذكر الكاتبين أن ألمانيا كانت تحارب في الهندكوش في زمن السيد بيتر ستراك، وزير الدفاع الألماني بين عامي 2002-2005)  الذي نُسب إليه القول إننا ندافع عن أمننا في جبال هندكوش لا يعني هذا طبعا شيئا بالنسبة للكاتبين شيئا وما يهمهما هو أن تظل ألمانيا تدافع عن نفسها في هندوكوش ومالي وأماكن أخرى.

ومن ثم سيتم إسقاط القرار الألماني لتقييد صادرات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية. ألا توجد أهمية لمقتل خاشقجي؟ ولا أهمية لكون ذلك كان أسوأ قمع؟  هل لا يهم انتشار التطرف في جميع أنحاء العالم؟ ولكن قبل كل شيء هل ترون أن استخدام الأسلحة في حرب اليمن أمراً ينبغي أن يمر مرور الكرام؟ والقتل والدمار في اليمن شيء لا يهم؟ نعم هم يرون أن ذلك كله لا يهم.

كما أنه لا يهم بالنسبة لهما أن القانون في ألمانيا يحظر تصدير الأسلحة إلى مناطق الحروب، وأن البرلمان الأوروبي قد اتخذ قراراً واضحاً ضد صادرات الأسلحة هذه.

ألم يهتم الكاتبان بأن هناك أشخاص سيُنكبون وبلدان في العالم الثالث ستُدمر حين كتبا:

“مشروع الدبابات الفرنسية الألمانية ومشروع القوة الجوية بما تحتويه من الطائرات المقاتلة والطائرات بدون طيار وأنظمة الدفاع الجوي – كل ذلك على حافة الهاوية ومعه أيضا القدرة الألمانية على الاندماج في الاتحاد الأوروبي”.

وعلقت بالقول:  هل تعتمد”القدرة الألمانية على الاندماج” على صادرات الأسلحة! ياله من تحريض سخيف!

إن تعليقي بكتابة “تحريض سخيف” هو بالتأكيد ليس لغة فصحى. ولكن به استطعت أن أختزل عدد الأحرف في التعليق إلى 1500 حرفاً بالفعل.

وكانت أكثر تعليقاتي بالقول “هذا تحريض” وهذا “هراء بحت” للأسباب التالية: من الطبيعي أن هناك دائما خلافات بين دول الاتحاد الأوروبي تتمثل بالبريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والجريسكت (خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي والضغط الألماني على دول مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال وهذا ليس موضوعنا الآن)، و ما أريد قوله هو أيُ “عدم اندماج” لألمانيا يقصده الكاتبان؟  ألمانيا ما زالت عضو في الاتحاد الأوروبي.

حسنا. لكن ما الذي حدث؟ بعد حوالي نصف ساعة تم حظر التعليق على المقال. إذن، لم يكن عدم وجود تعليقات على المقال محض مصادفة. فمن الواضح أن التعليق على مسألة التحريض للدفع بمبيعات الأسلحة بات من المحرمات في صحيفة “تسايت” الرسمية، الأمر الذي باتت معه مراقبة المحتوى بما فيها من خطاب للكراهية أمر مهم.

ومن ثم أتيحت فرصة التعليقات مرة أخرى. وبعد مرور يوم على تعليقي جاء تعليق مؤيد لصادرات الأسلحة وظلت التعليقات كما هي ثلاثة أيام وفي 11 إبريل أصبح إجمالي التعليقات 357.

في وقت لاحق، لاحظت شيئاً ما في مقطع، لم ألاحظه في البداية: “الصواريخ والطائرات التي يريد الفرنسيون والبريطانيون تصديرها”  و مقطع آخر: “الفرنسيون يكثرون الحديث عن أفضلية الألمان.”. اللغة التي استخدمها الكاتبان كانت غادرة هنا أيضا.

حيث لم يستخدما ألفاظ “الحكومة البريطانية والحكومة الفرنسية (بما في ذلك صناعة الأسلحة الخاصة بهما) واستخدما الكلمات “البريطانيين” و “الفرنسيين” رغبة منهما في صرف الانتباه عن “النخبة”. إن عملية الاختصار في الكلمات هنا لم تكن اعتباطاً. فقد أرادا بها إخفاء الاختلاف الأساسي بين السكان والحُكام.

وذلك لأنه وفقاً لاستطلاع للرأي أجري في سبتمبر2018 رفض 59 بالمائة من البريطانيين تصدير الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية، طالما وأن هناك احتمال لاستخدامها في اليمن، في حين تقبلته نسبة 15 بالمائة. وقد تابعت ووثقت النقاش العام في بريطانيا لأكثر من ثلاث سنوات: غالبية المعارضة تقف ضد عملية تصدير الأسلحة وجميع منظمات الإغاثة، كما أن هناك مقاومة متعددة وشديدة لدرجة لا يمكن تخيلها لو قارناها بالمقاومة لدى الألمان.

و في فرنسا، أُجري استطلاع للرأي في مارس 2018 ووُجد أن 75 بالمائة من المشاركين في الاستطلاع يعارضون تسليم الأسلحة إلى الدول المشاركة في حرب اليمن. وهذه النسبة أكثر بكثير من نسبة الرافضين في ألمانيا، حيث أراد 65٪ تمديد توقف التصدير، في حين دافعت نسبة 14 بالمائة ممن شملهم الاستطلاع عن عملية تصدير الأسلحة.

ولكن ما الذي تريده “النخبة السياسية” ووسائلها الإعلامية الرسمية وما الذي تريده غالبية الشعوب؟ لغة الكاتبين في الصحيفة ميعت هذا الفرق تماما؟ 59 بالمائة من البريطانيين و 75 بالمائة من الفرنسيين لا يعنون بالنسبة لهما “الفرنسيين كافة والبريطانيين كافة.

دعونا  نستمر في التدقيق في نص المقال:

قال الكاتبان “الخلاف بشأن بيع الطائرات والصواريخ للرياض يهدد بتقويض عنصر أساسي في الدفاع عن أوروبا في المستقبل: المتمثل بتشييد صناعة أسلحة مشتركة وأنظمة تسلح مشتركة. فبكلمة “يهدد” يكون قد قيل كل ما يُراد إيصاله للقارئ. فالـ “التهديد” أمر سيء بالطبع وهنا دعوة لصده.

وقولهما “ومع ذلك، لن يتمكن الأوربيين من الدفاع عن أنفسهم ضد أي هجوم روسي في الحالات الطارئة” فيه تحريض آخر يفترض بطبيعة الحال حدوث هجوم روسي على أنه احتمال حقيقي وتهديد محدق بالفعل.

والأرقام التي أوردها الكاتبان هي ما تحدد نسب عدم منطقية التهديد المزعوم المحدق لهجوم روسي. فوفقا لهما بلغت في العام 2017 ميزانية الدفاع الأميركية 610 مليار دولار أميركي وميزانية الدفاع للاتحاد الأوروبي 224 مليار دولار في حين بلغت ميزانية الدفاع الروسية 67 مليار (والأكثر إثارة للاهتمام ربما تكون الأرقام التي نتجت في العام 2018 حيث بلغت ميزانية الدفاع الأميركية 716 مليار دولار). وبذلك يكون قد قيل كل شيئ ويكون “العاجزون” قد انفضحوا، وهناك حاجة لبعض الأفكار البهلوانية للتغطية على ذلك.

فمن ناحية، موسكو بعيدة كل البعد عن وضع كل ما تملك في الميزانية العسكرية، التي تخدم التسلح.” وهذا هو الواقع فعلا. وكل ما في الأمر أنه تم استغلال هذه النقطة لتكون تحريضاً محضاً بأن الروس وحدهم من يفعلون ذلك. في حين أنه في الولايات المتحدة، هناك ما يسمى بـ “الميزانية السوداء” ولكن الأمر يتعلق بما هو أبعد من ذلك.

وفقًا لحسابات أجراها معهد خدمات المملكة المتحدة للأبحاث Royal United Service Institute تم تحديد ميزانية الظل العسكرية الروسية بنسبة تتراوح بين 30 و 50 بالمائة من الميزانية العسكرية الرسمية والتي تشكل نسبة حوالي 40 بالمائة. ونظراً للتوجه القوي المناهض لروسيا في هذا المعهد فمن المرجح كثيراً أن تكون النسبة أقل من 30 بالمائة.

وإذا ما ألقينا نظرة فاحصة لأمكننا التعرف بدءا من الـ 800 قاعدة عسكرية أجنبية والعديد من المرتزقة ومقدمي خدمات العلاقات العامة الذين يتولون مزيد من المهام الأساسية السابقة للجيش الأميركي ووصولاً إلى تولي المهام القتالية وعمليات التدخل العسكري خارج الحدود وتمويل الميليشيات المحلية والحلفاء و”الوكلاء” من كل شكل ولون في كل أنحاء العالم، فإن تكلفة الأمن الداخلي القائم، والاستخبارات العالمية والعمل العسكري (مثل هجمات الطائرات الأمريكية بدون طيار التي تنفذها وكالة الاستخبارات الأميركية كل ذلك لو تمت حسبته لوجد أن الميزانية العسكرية الأمريكية الحقيقية تقترب من 1000 مليار دولار والأمر لا يختلف كثيرا عنه في الاتحاد الأوروبي.

هناك استعداد حتى لتغيير عدم التوازن الغريب للميزانية العسكرية الأميركية والأوربية مقابل الميزانية العسكرية الروسية بنحو12.5: 1 بشكل طفيف حتى بالمقارنة مع “ميزانيات الظل”. من يهجم على من في حالة الشك هذه، ربما لا يتطلب الأمر الكثير من الخيال.

وبالتالي فإن التخويف بميزانية الظل الروسية لا تنطلي على أحد. إنه تحريض واضح الغرض منه إخفاء الحقائق المزعجة.

لكن المؤلفان مُحقان دون شك في قولهما أن “روسيا تمتلك جيشاً مدرباً وقوياً ويمتلك أسلحة نووية فعالة.”

فعلاً هذه الفعالية وهذه الكفاءة مفقودة لدى الأوروبيين. وزيادة الإنفاق العسكري بالطبع ليست حلاً لمجابهة ذلك.

“تقدر المفوضية الأوروبية أنه يمكن توفير ما بين 25 و 100 مليار يورو كل عام إذا تم الإعلان عن عقود الأسلحة في جميع أنحاء أوروبا”. هذا أمر لا يمكن التشكيك به بالتأكيد. حتى أنه يمكن توفير مصاريف الإنفاق العسكري بشكل كبير وبدون خسائر. ولكن الكتابان لم يشجعا هذه الفكرة لأنهما يهدفان إلى التشجيع لزيادة الإنفاق العسكري.

وفي قولهما: “لا يمكن أن يتحقق النجاح ما لم يكن الألمان على استعداد لتقديم التنازلات. يقول الفرنسيون والبريطانيون إن الصادرات جزء من السياسة الخارجية الإستراتيجية وستجعل الأسلحة أكثر قدرة على المنافسة من خلال قلة ثمنها وجودتها.”

أنظروا كيف ربط الكاتبان السياسة الخارجية الإستراتيجية لأوروبا بالتنازلات الألمانية في مسألة صادرات الأسلحة.

إنها كارثة أن تكون فكرة تصدير الأسلحة جزء من “سياسة خارجية إستراتيجية”. فماذا يجب أن يفهم المرء في ظل “السياسة الخارجية الإستراتيجية”؟ ربما يعني ذلك القوة العسكرية وخاصة في العالم الثالث وتقديم الدعم للطغاة والأنظمة الذي يحققون عبره مآربهم الخاصة (الاقتصادية والجيولوجية). حتى لدرجة تنفيذها لعملياتها العسكرية الخاصة في سبيل فرض تحقيق تلك المصالح، تماما مثل الوجود الفرنسي في النيجر لتأمين إنتاج اليورانيوم الفرنسي. فهل ينبغي المشاركة في هذا أيضا؟

والمهمة العسكرية الألمانية في مالي والتي تم ذكرها لاحقًا في المقال وبالطبع انتقدت فقط باعتبارها متساهلة جداً، وهذا أمر مستغرب، هي أيضاً جزء من هذه “السياسة الخارجية الإستراتيجية” القوية. فتلك المهمة تهدف قبل كل شيء إلى حماية تعدين اليورانيوم الفرنسي في النيجر المجاورة. فما الذي خسره الجيش الاتحادي الألماني بالفعل في بلد إفريقي؟ هو لا يدافع عن ألمانيا هناك وإنما يعمل ضمن مهمة تحتمها عليه السياسة الخارجية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي.

يريد مقال لادورنر وتومان أن يوحي بأن ألمانيا ترغب في لعب دور خاص داخل الاتحاد الأوروبي، مع إظهار فرنسا وبريطانيا كممثلين للاتحاد الأوروبي. من الواضح أنهما قد نسيا مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عما قريب كما أنهما تجاهلا مسألة أن مجموعة كاملة من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، وحتى برلمان الاتحاد الأوروبي، تقف إلى صف ألمانيا: فـ “كل من هولندا وفنلندا والدنمارك تفرض قيوداً مماثلة على تصدير الأسلحة ضد المملكة العربية السعودية. وكذلك السويد وبلجيكا والنمسا لها مواقف منتقدة لصادرات الأسلحة إلى السعودية. وقد دعا البرلمان الأوروبي مراراً إلى فرض حظر على الأسلحة على السعودية ”

3ـ “أسلحة رخيصة وجيدة” يعني مزيد من صادرات الأسلحة:

لتلميذتان اللتان قُتلتا جراء الغارة الجوية على صنعاء في 7 أبريل 2019 و يبدو أنهما ماتتا مختنقتين تم نقلهما إلى المستشفى جثتان هامدتان. ولكن لأجل ماذا تم قتل هاتين الطفلتين؟ أليس من أجل أن تكون الأسلحة الأوربية منافسة وبسعر أقل وبجودة أفضل؟ لا أظنكم تقولون من أجل “القيم الغربية” الأساسية.

صادرات الأسلحة، التي لا يفتر الحديث عنها مرة أخرى هي السبب في ذلك: إن صادرات الأسلحة إلى البلدان المشاركة في الحرب على اليمن ضرورية، وفقاً لمقال لادورنر وتومان، لأن من شأن ذلك أن يجعل الأسلحة الأوروبية أكثر منافسة وأرخص وأفضل. ولكن كيف ذلك؟ “أرخص” واضح: لأنه كلما زاد حجم الصادرات كلما كان إنتاجها أرخص، وبالتالي ستكون غير مكلفة أيضا حتى بالنسبة للاتحاد الأوربي نفسه لو احتاج استخدامها في “مجابهة روسيا”، تلك الحجة الواهية.

ولكن كيف “أفضل”؟ لن يتحقق ذلك من خلال انتاج أكثر. “الأفضلية” ستتحقق قبل كل شيء إذا تم تجريب الأسلحة الأوروبية (مع الأسف) واختبارها لتحسين جودتها وذلك من خلال تصديرها إلى الدول المشاركة في الحرب على اليمن، خاصة السعودية والإمارات. وذلك يعني بكل بساطة هو القبول بأن يتم تدمير دولة بأكلمها ويقتل ويشوه عشرات الآلاف من الأشخاص (لاحظوا بأن هذا ما يزال ألطف وصف لما يدور فعلا)، في سبيل أن يصبح لديك الأسلحة اللازمة المجربة “للدفاع” عن الاتحاد الأوروبي بسعر أرخص وبجودة أفضل.

تسعى النخبة السياسية لتحقيق مصلحتها (المادية بشكل أساسي) من خلال الدفاع عن صادرات الأسلحة للسعودية وحلفائها من خلال التحجج بأمن أوروبا والدفاع عنه في مقال لا دورنر وتومان.

و حتى من دون هذا التلاعب بالتعابير كان واضحاً أن الربح والتفيُّد هو الدافع الرئيسي وراء رغبة الحكومات والشركات المصنعة للأسلحة في التمسك بصادرات الأسلحة للسعودية والإمارات بأي وسيلة. فالأمر كله يدور حول جني الكثير من المليارات من هذه الصادرات؛ بلغة واضحة أقول: وتلك الأرباح لا يمكن تحقيقها إلا من خلال القتل الجماعي والدمار الواسع النطاق في اليمن.

ولكن ما هي العقلية التي تقف وراء هذا الموقف؟

إنها عقلية تشبه عقلية وكلاء السيارات، عندما يزيدون من أرباحهم من خلال الغش في الديزل حتى وإن كان ذلك سيؤدي إلى وفاة الآلاف بسبب الجسيمات المعلقة التي تضر بصحة الجهاز التنفسي للإنسان وتضر بالبيئة.

إنها عقلية تشبه عقلية صناع المستحضرات الصيدلانية، الذين لا يهمهم سوى زيادة الأرباح حتى من خلال إنزال أدوية إلى سوق العالم الثالث دون أن يتم اختبارها بشكل كافٍ، حتى وإن كان ذلك سيؤدي إلى معاناة الناس.

إنها عقلية بعض الجزارين، الذين لا هم لهم سوى زيادة أرباحهم حتى لو استدعى ذلك الأمر إلقائهم اللحوم الفاسدة إلى السوق غير مكترثين لمرض الناس ومعاناتهم.

إنها عقلية صناع المنسوجات والأزياء الذين يضاعفون من أرباحهم عن طريق العمل الاستغلالي في العالم الثالث.

إنها عقلية شركات المواد الغذائية، التي تعمل على زيادة أرباحها من خلال حفر قرى في العالم الثالث من أجل تعبئة زجاجات المياة وبيعها.

إنها عقلية مصرفيي الاستثمار ومديري صناديق التحوط التي تهدف إلى تحقيق أقصى ربح ممكن من خلال المضاربة بالطعام حتى لو دفع ذلك الأمر بالكثير من الناس إلى هاوية الجوع.

نعم، إنها عقلية المدراء المألوفين وأؤلئك الذين يُدعون بـ “النُخب” في السوق المالية الحالية والرأسمالية المفترسة، والذين لا هم لديهم سوى زيادة الأرباح والتي لا تأتي فقط بالمعنى المجازي ولكن بالمعنى الحرفي إلا عن طريق المشي على الجثث.

لولا عمليات تسليم الأسلحة الغربية والدعم الغربي متعدد الأشكال لما تمكن السعوديون وحلفاؤهم من شن حربهم على اليمن. إن الأمن الذي يوفره الدعم الشامل وغير المشروط تقريبا من الغرب للسعوديين يجعلهم يتصرفون دون قيود في اليمن. فهم على يقين بأنهم مهما فعلوا هناك، فلن يفقدوا الدعم الغربي.

إن من شأن وقف إمدادات الأسلحة (والدعم الإضافي باللوجستيات والصيانة والخدمات)، إلى جانب الضغط السياسي، أن يؤدي بسرعة إلى حدوث تراجع للحرب وإنهاء التدخل الخارجي في المستقبل المنظور. صحيح أن الحرب قد تستمر كحرب أهلية تتصارع فيها عدة أطراف ولكن على مستوى أقل حدة وسيتمكن اليمنيون في أقرب فرصة ممكنة من إنهاء الحرب دون تدخل خارجي.

لقد أدت عمليات تسليم الأسلحة إلى تصعيد العمليات العسكرية والقتل والدمار في جميع مسارح الحرب وليس فقط في اليمن. والأصوات، التي تطالب بوقف تصدير الأسلحة إلى الأطراف المشاركة في الحرب (أيضا فيما يتعلق باليمن) هي الأكثر. وهي تشمل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية والكنائس وجميع منظمات الإغاثة الدولية والعديد من المهتمين.

ولكن سبق وقال بروس ريدل، عضو بارز في جهاز الاستخبارات الأميركية وزميل في مؤسسة “بروكينغز” الأميركية للأبحاث أنه إذا قالت الولايات المتحدة الأميركية للملك سلمان الليلة أن هذه الحرب يجب أن تنتهي فلن تشرق شمس اليوم التالي إلا وقد انتهت.

كما لخص البابا فرانسيس مؤخراً الجانب الأخلاقي بعبارة واضحة حيث قال: “كل بلد تصنع الأسلحة وتبيعها هي مسؤولة عن موت كل طفل وتدمير كل أسرة.” وبالطبع ينطبق ذلك أيضا على من يروجون لمبيعات آلة الموت وهم في قلب دولة ديمقراطية ويجتهدون في جعل الجمهور يتقبل أفكارهم أو ما هو أسوأ من ذلك، كما هو الحال مع الكاتبان لادورنر وتومان، اللذان يؤيدان تحريض الحكومة إلى مواقف الهدف منها جني أرباح أكثر.

4ـ التحريض للحرب واحتكار وسائل الإعلام الرسمية:

لم يعد الدور المهم الذي تلعبه وسائل الإعلام الحديثة الرسمية في التأثير المتعمد على الجمهور بالأمر السري مطلقاً. ففي العقد الماضي أخذت وسائل الإعلام تسير بشكل متزايد في اتجاه الصحافة التحريضية والمؤثرة على الجمهور لصالح “النخب السياسية”.

كتب راينر ماوسفيلد: “في العقود الماضية، كان يتم تقيد مساحة النقاش العام بشدة في كثير من الأحيان وكانت وسائل الإعلام الرسمية تحتكر النقاش. وكانت تلك نتيجة للأيديولوجية الليبرالية الجديدة التي أدت إلى تجانس أيديولوجي هائل  بين النخب الاقتصادية والسياسية ووسائل الإعلام الرسمية وقد انعكس ذلك أيضا على تجاربنا اليومية: جميع القضايا التي تمس المصالح الحيوية للمراكز الاقتصادية والسياسية للسلطة – سواء كان لها علاقة بسوريا أو إيران أو إسرائيل أو أوكرانيا أو روسيا أو فنزويلا – خاضعة لاختيار الحقائق وتحويرها لتتناسب مع السرد السياسي. وهذا التقييد الهائل لحيز النقاش العام يقوض بشكل أساسي شروط الديمقراطية، حيث يعتمد المجتمع الديمقراطي أساساً على قدرة المواطنين على التجمع في مجموعات مناسبة وأشكال تنظيمية مناسبة والتعبير عن اهتماماتهم المتنوعة وصياغتها ومناقشتها من أجل إيجاد أساس جماعي للتوفيق بين المصالح والعمل السياسي.

إن مثل هذا التوجه التحريضي للتيار الإعلامي الرسمي بأكمله يعد خطيراً بلا شك في مسائل السياسة الخارجية، في المواجهة مع الدول أو الكتل الأخرى، في إنشاء صور نمطية، في العسكرة  في مسائل التدخل في الخارج وفي الحرب والسلام. وقد كان التحريض الإعلامي أمر وأدهى في الحرب العالمية الأولى: سواء في ألمانيا أو المملكة المتحدة أو فرنسا أو الولايات المتحدة، حيث كان السكان في ذلك الوقت هم المستهدفون بها على نحو خاص.

وحتى يومنا هذا لا تزال تتكرر إساءة استخدام وسائل الإعلام لهذه الأغراض، ومن المفارقات أنه تطور بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

كتب ألبريشت مولر: “نحن ننزلق نحو الحرب، أيضاً لأن الإعلام الناقد سابقاً يشارك في رسم الصورة العدوانية. ربما لم يلحظ معظم القراء التغيير الأساسي الذي طرأ على مراحل في مسار معظم الصحف الرسمية الناقدة مثل “فرانكفورتر روندشاو” و”دي تاجس تسايتونج” و “زود دويتشه تسايتونج” ومجلة “در شبيجل” وصحيفة “تسايت” و”أرتيه” و”بانوراما” أو ربما أنهم لا يريدون تقبل فكرة أن هناك تغير قد طرأ وظلوا يثقون بتلك المنابر الإعلامية.

وبالتالي، في جميع وسائل الإعلام الرئيسية، بما في ذلك صحيفة “تسايت” الهامة، نجد حقاً أن هناك توحد في جميع قضايا السياسة الخارجية، سواء تلك المتعلقة بالتسلح أو الناتو أو روسيا أو بوتين أو الشرق الأوسط أو سوريا أو إيران أو إسرائيل أو فنزويلا أو إسرائيل أو أوكرانيا وكذلك التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية. وكلما كانت القضية هامة بالنسبة “للنخب السياسية” – وخاصة تلك التي لها علاقة بمصالح أميركا- كلما زاد عامل التحريض في وسائل الإعلام.

وقد عُرفت صحيفة “تسايت” بأنها تنشط في  التحريض للحروب في سنوات ماضية.

والآن، في هذا العام 2019 ، يدور الأمر لدى لادورنر وتومان مرة أخرى حول تصدير الأسلحة وتأجيج الحروب. ومن الواضح أن موضوع مقالهما ليس قضية معزولة ، ولكنه جزء من حملة أكبر.

إن النقاش الحالي حول وقف تصدير الأسلحة للسعودية سيساعد الأطراف المعنية على شن هجوم متجدد على لوائح تصدير الأسلحة الألمانية المتراخية أصلاً. ومن خلال إبراز عناوين صحفية مثل “ألمانيا لا تستطيع عزل نفسها” أو “تحتاج أوروبا إلى قواعد مشتركة لمبيعات الأسلحة” تقوم وسائل الإعلام الرئيسية بحملات من أجل خلق أدنى قاسم مشترك لصادرات الأسلحة مع الشركاء الأوروبيين. وفي هذه الدورة، وافق زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي كرامب كارينباور على أن لا تكون اللوائح الأوروبية بخصوص مبيعات الأسلحة صارمة مثل اللوائح الألمانية”. بهذا المعنى، ناشدت أنجيلا ميركل وأورسولا فون دير لاين في مؤتمر ميونخ الأمني “توحيد لوائح التصدير الأوروبية” ، بمعنى آخر: من أجل “تخفيف اللوائح الألمانية”. وقد قالت القائد الأعلى دير لاين: “نحن الألمان يجب ألا نتظاهر بأننا أكثر أخلاقية من فرنسا أو نظرتنا في سياسة حقوق الإنسان أكثر بُعدا من بريطانيا.

يزعم منتقدو وقف التصدير أن ألمانيا هي الدولة الوحيدة التي تفرض قيودا كبيرة على صادرات الأسلحة. ولكن هذا ليس صحيحاً: فقد فرضت كل من هولندا وفنلندا والدنمارك قيوداً مماثلة على تصدير الأسلحة ضد السعودية. كما تنتقد السويد وبلجيكا والنمسا صادرات الأسلحة إلى السعودية. ودعا البرلمان الأوروبي مراراً إلى فرض حظر على مبيعات الأسلحة إلى السعودية.

على العكس من ذلك، صحيح أن ألمانيا “التزمت” أخيراً بقواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بصادرات الأسلحة وبقواعد التصرف لعام 1998 والتي تمت ترقيتها في عام 2008 إلى الموقف المشترك للاتحاد الأوروبي بشأن تصدير السلع والتكنولوجيا العسكرية. تم تبني هذا الموقف المشترك للاتحاد الأوروبي من قبل جميع الدول الأعضاء، بما في ذلك فرنسا والمملكة المتحدة ، وهو ملزم قانونًا لهم. وينص، من بين جملة أمور ، على حظر تصدير المعدات العسكرية إذا كان هناك خطر واضح من أنها ستُستخدم لانتهاك القانون الإنساني الدولي. ووجب تنفيذ ذلك القرار.

وقد تحدث موقع مرصد العسكرة imi-online.de عن موضوع هذه الحملة واسعة النطاق: اعترضت مجموعة شركات “وورث” التي تشتهر بالحرفيين الألمان ومقرها بادن-فورتمبيرغ على وقف صادرات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية. وهددت الشركة بمطالبتها بتعويضات أقل مبلغ فيها يتكون من ستة أرقام. حيث أنها وفقاً لمجلة “شبيجل” قد أكملت صنع أجزاء تبلغ تكلفتها 900 ألف يورو.

بالنسبة لصناعة الدفاع الألمانية، تعد منتجات شركة “وورث” وسيلة مثالية للعلاقات العامة لتصدير الأسلحة: فهي الشركة التي تصنع “المفتاح” الذي يتم تثبيته في سيارة الإسعاف المدرعة التابعة للشرطة الفرنسبة. ولهذا تجد أن شركة “وورث” تضع سياسة برلين تحت ضغط أخلاقي، حيث تطرح أمامها الأضرار التي قد تنجم عند عدم المقدرة على تغيير “مفتاح” مركبة طبية يمكنها إنقاذ الناس. و لقد تمكنت شركة “وورث” بعد نجاحها بالضغط من خلال نشاط لوبي العلاقات العامة من تنسيق عملية تصدير المزيد من المنتجات العسكرية الأوروبية إلى السعودية في غضون أسابيع.

لقد سقطت صحيفة “تسايت” بشدة كونها جزء من حملة الترويج والتحريض لمواجهة أكبر في أوروبا ولمزيد من الإنفاق العسكري ولمزيد من صادرات الأسلحة، التي من شأنها أن تؤجج الحروب!

وقد كانت حتى إلى جانب تبنيها لحملة الترويج للوبي التسلح تتناول أيضا مواضيع أخرى كالعلاقات الألمانية الروسية ولكنها اليوم لم تتطرق أبداً لرأي سيفيم داجدلين المنتقد لصادرت الأسلحة الألمانية كما أنها لم تذكر شيئا عن الذكرى الرابعة للهجوم السعودي على اليمن في 26 مارس، لم تهتم صحيفة “تسايت” لـ “أكبر أزمة إنسانية في الوقت الحاضر” وفقاً للأمم المتحدة. ولم تكتف بذلك فقط بل نشرت على موقعها الالكتروني في 28 مارس موضوعا محايدا لا يكترث للحرب على اليمن كتبه أيضا كل من لادورنر وتومان سلطا فيه الضوء على رغبة الألمان في تصدير الأسلحة ولم يسلطا الضوء على العواقب التي ستترتب على ذلك في اليمن.

6ـ التحريض للحرب ومسؤولية وسائل الإعلام

تحقق وسائل الإعلام مبدأ “الحرب قبل بدء الحرب”. كيف تحسم وسائل الإعلام قضايا الموت والحياة”. هذا هو عنوان الكتاب الجديد لأولريش تويش الناقد لوسائل الإعلام، الذي قال عنها في إحدى المقابلات الصحفية: ”

وسائل الإعلام سلاح ذو حدين. فالدعاية والتحريض في وسائل الإعلام هي عكس سياسة السلام، عكس بناء الثقة. إنها معادية للدبلوماسية. إنها تُسعر الحروب وتفاقمها. كما يمكنها أن تُعد للحرب وأن تحدد موعدها ناهيك عن إضفاء الشرعية عليها، أو أن تجعلها تبدو حتمية، أو على الأقل تُمهد لعملية الانتقال إلى العنف من خلال إثارة العدو، أو تجرده من الإنسانية.  وعلى النقيض بإمكان وسائل الإعلام أن تخلق فرص التراجع عن التصعيد في حالة نشوب الصراع.

أولئك الذين يعرضون سلام العالم للخطر بشكل عام هم أيضا يعرضون سلامهم الداخلي للخطر (والعكس صحيح كذلك). حيث ينشأ تفاعل سلبي جراء التوترات الدولية والصراعات والحروب من جهة والقمع الداخلي واللامركزية وتآكل الديمقراطية من ناحية أخرى. فعندما تزداد التوترات الدولية، ينشأ خطر الحرب و تتفاقم النبرة السياسية الداخلية.

مسؤولية وسائل الإعلام خطيرة على نحو خاص في جميع القضايا المتعلقة بالحرب والسلام. ففي أوائل سبعينيات القرن الماضي، كانت وسائل الإعلام في الولايات المتحدة وأوروبا هي التي ساهمت في التغطية الإخبارية الناقدة التي أدت لإنهاء حرب فيتنام. وفي الأعوام 2014/2015 ، ساعدت وسائل الإعلام الغربية في جعل القتل الجماعي في شرق أوكرانيا يختفي وراء جدار من الغموض وساهمت في استمراره.

ينطبق الأمر نفسه منذ العام 2015 على الحرب والإبادة الجماعية في اليمن. حيث لا يزال الموضوع يلعب دوراً ثانوياً في التقارير الغربية. وسائل الإعلام بذلك لا تعمل فقط على تعتيم أكبر كارثة إنسانية في الوقت الحاضر (وفقًا لتقييم الأمم المتحدة) على أية حال وإنما تساهم أيضا في إطالة أمد الحرب من خلال منع ظهور جمهور ناقد يجبر السياسة على التحرك – كما حدث في حرب فيتنام في أوائل سبعينيات القرن الماضي.

وبهذا المقال لصحيفة “تسايت” المحرض لتصدير الأسلحة إلى السعودية بذريعة “الدفاع عن أوروبا” يجري في الواقع العمل على إطالة أمد الحرب وإراقة مزيد من الدماء وخلق مزيد من المعاناة الإنسانية في اليمن.

بعد أيام قليلة من نشر مقال لادورنر وتومان في “تسايت”، قصف السعوديون أهدافاً زعموا بأنها عسكرية في العاصمة اليمنية صنعاء. وفي الواقع كان من تضرر – في الصباح- هو مدرسة للطالبات. قتلت إثنتا عشرة طالبة تتراوح أعمارهن بين السادسة والرابعة عشرة و رجل بالغ. والبعض من الطالبات مات اختناقاً.

لقد قُتل في اليمن جراء الأسباب المباشرة للحرب وغير المباشرة ما لا يقل عن 150 ألف ضحية. إن موت شخص واحد يعد كارثة، هذا مثل قديم. فما بالك بآلاف القتلى وفق الإحصائيات. لا شك أنه لم يعد لذلك المثل القديم أي وزن.

هذه هي بثينة. الطالبة التي أحبت الذهاب إلى المدرسة وكانت مجتهدة. سرعان ما جُهز كفنها.ألم تكن هذه “التلميذة” بالزي المقدس مناسبة للعمل في إحدى المكاتب في مدينة هامبورج الآمنة.

هنا نرى الفتيات بعد الهجوم الأول وهن يصرخن في حالة ذعر شديد على الشرفات. كن بحاجة للصوت ليصرخن في مثل تلك الحال. بثينة أيضا تقف في مكان ما هناك

تدافعت البنات وهن يهبطن الدرج. وحال الدرج فيما بعد هو الذي شرح لنا مدى حجم الذعر الذي عانينه. بثينة ربما لم تصل إلى نهاية الدرج!

أخذن الفتيات يركضن في الشارع ويصرخن بأعلى صوت. بثينة بالتأكيد لم تتمكن من الوصول إلى الشارع. يبدو أن بثينة قد أصيبت في رأسها. فذلك واضح من الصورة الثانية التي تُظهر الكفن وقد غطاها بشكل كامل.

 

 

 

من الواضح أن هذه الفتاة في حالة صدمة. ربما رأت زميلاتها في الدراسة قد هلكن. ولكن من يهتم لهذا الأمر؟7 – مرة أخرى: صادرات الأسلحة تجعل أسلحة الاتحاد الأوروبي “منافسة أكثر” إلخ.

 

كانت هذه ملاك. وهناك أيضا صورة أخرى لها وهي في الكفن. في الأماكن التي يرغب البعض أن  تكون أسلحتهم فيها “أكثر منافسة وأرخص وأفضل” لا يكون للآخرين حق في البقاء على قيد الحياة.

لم نناقش بعد “القدرة على المنافسة” للأسلحة التي ينتجها الاتحاد الأوروبي. من الواضح أن رؤيتهم تقول أن قدرة المنتج على المنافسة ستزداد إذا أصبح “أرخص وأفضل”.

إن الإشارة إلى القدرة التنافسية المزعومة تدل، بالطبع، على أن لوبي التسلح لا يهتم فقط بتطلعات القوة الدفاعية الأوروبية، ولكنه يهتم  قبل كل شيء بتسويق الأسلحة في جميع أنحاء العالم خارج الاتحاد الأوروبي،

هناك طريقة بسيطة للغاية لزيادة الإنتاج الأوروبي للأسلحة (التي يفترض تجار الحروب أنها ضرورية والشك في ذلك غير مقبول) بدون أي عوائق. سيتحقق ذلك إذا اشترت الدول الأوروبية ما ينتجه الاتحاد الأوربي فقط. ألن يعزز ذلك قدرات الدول الأعضاء الدفاعية؟ فوفقاً للحجج المطروحة سيزداد ذلك بزيادة الإنتاج. ولكن بالطبع ما يحدث في هذه المرحلة يبدو مختلفاً تماما. لنأخذ فقط مثال الطائرات المقاتلة. على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي ينتج أنواعه الخاصة ، إلا أن عدداً لا بأس به من دول الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية قد اشترت الطائرات الأمريكية أو تفكر في القيام بذلك في المستقبل.

فقد قامت كل من الدنمارك وإيطاليا وهولندا والنرويج وبلجيكا وألمانيا وبولندا والنرويج (كدولة غير تابعة للاتحاد الأوروبي)  بشراء المقاتلات الأمريكية من طراز F-35 . وألمانيا أيضا ترنو إلى شراء المقاتلات الأمريكية F-18.

لادورنر وتومان بالطبع لا يمكن أن يتطرقا لمثل هذا الموضوع لأن تصدير مثل هذه الأسلحة إلى مناطق الحرب لا غبار عليه في الاتحاد الأوروبي.

وإذا ما طلب من دول الاتحاد الأوروبي التمسك بشراء أسلحة الاتحاد الأوروبي، ربما يجادل الليبراليون الجدد (السياسيون والإعلاميون) بأن هذا يتعارض مع المنافسة الحرة والتجارة الحرة واقتصاد السوق. تلك هي تعويذة الليبراليين بأسرهم. ولذا كم هو لطيف أن نعرف بصورة أكثر تحديداً من أجل ماذا قتلت طالبات المدارس في اليمن. لقد قتلن من أجل سوق حُرة لآلة الموت والدمار.

وبالمناسبة، في أنظمة الدفاع الجوي، تعتب كفاءة نظام SS 400 الروسي المضاد للصورايخ ضعف كفاءة نظام باتريوت الأمريكي. كما إنه أفضل و أرخص. ولكن لأسباب مالية وعسكرية (لها علاقة بخدمة المصالح الأميركية) ، يجب أن يكون SS 400 هو المنافس والباتريوت هو المستهلك والأكثر مبيعاً لأصحاب المتاجر. اشترت تركيا الآن أنظمة SS 400 من روسيا ولذلك سيتم فرض العقوبات عليها إلى جانب تهديدات أخرى. وحتى مصر، التي تريد شراء طائرات مقاتلة روسية من طراز Su-35 ، أصبحت الآن تتلقى التهديدات الأمريكية. لسوق حُرة؟ ياله من هراء. واضح جداً عدم الرغبة في إغضاب الولايات المتحدة الأميركية بإخراجها من سوق الأسلحة الأوروبية. ولكم هو لطيف أن نعرف بصورة أكثر تحديداً لماذا قتلت طالبات المدارس في اليمن. لقد قتلن كي تتفوق الولايات المتحدة في سوق السلاح العالمي.

  1. تحقيق “الأمن” عن طريق “التزود بالسلاح”

من الواضح أن لادورنر وتومان لا يفهمان سوى أن “الأمن” مرتبط بالقوة العسكرية، وهو موقف يهيمن في الوقت الحاضر على السياسة والإعلام. كان الوضع في الماضي مختلفاً، كانت سياسة الانفراج منذ نهاية الستينيات موجودة بالفعل. أحد الدلائل على ذلك هو انطلاق “مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا” في العام 1973. في ذلك الوقت كان من الواضح أن “الأمن” له علاقة كبيرة بالتعاون، ولا يمكن أن يكون هناك أمن حقيقي إلا إذا كان ثنائياً.

بالطبع ، لا يجد لادورنر وتومان فكرة مناسبة عن “الأمن”. من الجيد أنه في نفس العدد من صحيفة “تسايت”، الصفحة رقم 5، نُشر مقال طويل حول مظاهرات للشباب من أجل حماية المناخ. في حين يدعو مقال لادورنر وتومان إلى العمل في أقرب وقت ممكن على إنفاق 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي الذي طلبه الناتو على الأسلحة. حيث بلغت نسبة الإنفاق على الأسلحة في العام 2018 “فقط” 1.24 ٪ ، أي حوالي 38 مليار يورو. ونسبة 2 ٪ تقدر بـ 61 مليار يورو. بفارق 23 مليار يورو سنويا. إذا كنت تريد حقاً إنفاق هذه الأموال على “الأمن”، فمن الأحرى أن تستثمرها في حماية المناخ وليس في التسلح.

9ـ المعدات الحربية الألمانية تستخدم فعلاً في الحرب على اليمن

في صنعاء ، 7 أبريل 2019، تم إنهاء مشوار حياة مازال في بدايته

نشر موقع برنامج “تاجسشاو” التابع للقناة الألمانية الأولىtagesschau.de خبرا مثيرا في 9 إبريل بعنوان طائرات “تورنادو” و “يوروفايتر” في حرب اليمن قالت فيه: ” منذ فترة طويلة يشتبه في أن تكنولوجيا التسلح الألمانية تستخدم في حرب اليمن. وأقرت الحكومة الاتحادية بذلك لأول مرة في اجتماع سري لها.

لأول مرة، اعترفت الحكومة الفيدرالية بأن مقاتلات “يوروفايتر” و “تورنادو”  تستخدمان في حرب اليمن.

فوفقاً للبحث الذي أجرته كل قناة “NDR” (راديو وتلفزيون شمال ألمانيا)  وقناة “WDR” (راديو وتلفزيون شرق ألمانيا) وصحيفة “زود دويتشه تسايتونج”، عقدت لجنة الشؤون الخارجية اجتماعاً سرياً في البندستاج الألماني بعد أن عرفت الحكومة الاتحادية من خلال معلومات استخباراتية خاصة بأمر استخدام الطائرات المقاتلة في اليمن.

ووفقاً لتك المعلومات، استخدمت المملكة العربية السعودية طائرات مقاتلة من طراز “تورنادو” و “يوروفايتر” في الحرب ضد جماعة الحوثيين في اليمن.

و قد اشتركت كل من ألمانيا وبريطانيا العظمى وإيطاليا بصنع الطائرات من هاذين الطرازين.

وقد تلقى أعضاء اللجنة الاقتصادية تقريراً من وزير الدولة في وزارة الشؤون الاقتصادية أوليفر فيتكه. وفي التقرير الذي اطلعت عليه قناة NDR (راديو وتلفزيون شمال ألمانيا) ونشرتها لأول مرة قناة  ZDF(تلفزيون ألمانيا القناة الثانية)، وضح فيتكه أن إمدادات الأسلحة إلى دولة الإمارات أو العربية السعودية لن تنتهك شرط الاستخدام النهائي المزعوم حتى لو تم استخدام الأسلحة خارج حدود الدولة حتى وإن كان عسكرياً.

لا تريد الحكومة الفيدرالية التعليق على العملية علانية.

غضبت سيفيم داجديلن، المتحدثة باسم فريق نزع السلاح نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب اليسار، من تقرير وزير الدولة وقالت: “تعرض حكومة ألمانيا الاتحادية على السعودية والإمارات استخدام المعدات العسكرية الألمانية في حربهما الوحشية ضد السكان المدنيين في اليمن. يجب على الحكومة الاتحادية أن تنهي معاشرتها هذه لشيوخ الدم في الخليج”.

الآن، من الضروري تمديد حظر الأسلحة ليشمل جميع بلدان تحالف الحرب على اليمن وعدم التراجع عن ذلك المطلب. فحتى الكنائس والجماعات المعنية بشؤون السلام تنتقد بشدة تسليم الأسلحة للجماعات المتحاربة في اليمن.

تمديد وقف الأسلحة ضد السعودية

بعد اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، أمرت حكومة ألمانيا الاتحادية بوقف إمدادات الأسلحة للسعودية. فقبل أسبوعين، وافق حزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي على تمديد حظر الأسلحة حتى نهاية سبتمبر 2019.

ومع ذلك ، حتى الآن ، لا تزال المشاريع الأوروبية المشتركة مثل تصنيع مقاتلات “تورنادو” و”يوروفايتر” مستبعدة من عملية وقف التصدير هذه. حيث ترغب السعودية بشراء 48 مقاتلة من طراز “يوروفايتر” من بريطانيا العظمى، وفق إعلان مجلس الوزراء الاتحادي في نهاية العام 2018.

ولكن كم عدد تلميذات المدارس التي نريد قتلها لجعل أسلحتنا “منافسة أكثر وأرخص وأفضل”؟

فآخر الأخبار تقول بأن برلين وافقت على تسليم الأسلحة للأطراف المتحاربة في اليمن. فبمجرد توصل حزبي الائتلاف الحاكم إلى حل وسط، تم إصدار تصاريح جديدة. جاء ذلك وفقاً لمعلومات مجلة “شبيجل”، وسيتم تسليم الأسلحة إلى السعودية والإمارات.

هاهي حكومة ألمانيا الاتحادية تصدر الأسلحة مرة أخرى للدول المشاركة مباشرة في حرب اليمن. فقد وافق مجلس الوزراء سرياً على تصدير المواد الحربية بما في ذلك إلى السعودية  والإمارات. جاء ذلك في قائمة صادرة عن وزارة الاقتصاد الاتحادية حصلت “شبيجل” على نسخة منها.

المملكة العربية السعودية، التي تم وقف تصدير الأسلحة لها بسبب الغضب جراء مقتل الصحفي جمال خاشقجي، أصبحت تحصل على المنتجات الألمانية عبر الشركات الفرنسية.  وقد تم الاختلاف على مثل هذه المنتجات في أوساط الائتلاف الحاكم على مدى أشهر طويلة.

يتعلق ترخيص التصدير المثير للجدل بشركة  كاماج Kamag المُصنّعة لمعدات النقل في مدينة- أولم  والتي تقوم بتصدير “تكنولوجيا إنتاج المقطورات” إلى فرنسا، و “وجهتها النهائية” هي السعودية.