وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

تبادل وليس “صفقة”

علي عبادي*

يقال إن المستعمِر (بكسر الميم) يملي لغته أو مفرداته على المستعمَر (بفتح الميم). هذا الأمر ينطبق على واقع الاحتلال الصهيوني الذي تمكن من ترويج مصطلحات عدة في المداولات الإعلامية خلال تاريخ المواجهة معه.

ونقتبس من المواجهة الأخيرة في قطاع غزة تعبير “صفقة تبادل الأسرى”. فمصطلح “الصفقة” ويقابله deal باللغة الإنكليزية يُستخدم في عالم التجارة والأعمال للإشارة الى اتفاق على تبادل مكاسب مالية ومادية بين طرفين، وقد جرّه إعلام العدو الى ساحة تبادل الأسرى، وهو موضوع إنساني. بل إن بعض وسائل الإعلام تحدَّث عن “صفقة الهدنة” وهو موضوع عسكري يتعلق – في حالتنا- بصراع وجودي وليس باشتباك عابر بين قوات الاحتلال وقوات المقاومة. ولذا، الأصح أن يقال “اتفاق تبادل” ويقابله بالإنكليزية Exchange agreement.

وتكمن أهمية هذه المفاضلة في ضرورة تأصيل مفاهيم الصراع مع عدو إحلاليّ استيطانيّ درج على استخدام مصطلحات تقبّلتها شعوبنا وإعلامنا في ما مضى من دون تمحيص في أبعادها. ونكتفي بالإشارة هنا الى مصطلح “قواعد اللعبة” التي استخدمها العدو بكثرة في تناول الضوابط التي تحكم القتال مع المقاومة، خاصة في لبنان، وكأننا نخوض مباراة أو نمارس لعبة ما! في حين أن المقاومة استخدمت بدلاً منه تعبير “قواعد الإشتباك”.

ونأتي على ذكر الموضوع الذي يدور حوله التبادل، هنا تُستخدم تعبيرات عدة:

– الرهائن Hostages: ويكثر استخدام هذه التسمية في الإعلام الغربي الذي اعتاد في ما مضى على تداوله للحديث عن مدنيين وقعوا في أيدي قوة مسلحة بهدف الحصول على فدية مالية أو مبادلتهم بتحرير أشخاص موقوفين لدى السلطات. ولأن هذا المصطلح يتضمن اعتبار “الرهائن” ضحايا من يحتجزهم، وبالتالي يفيد بإدانة ضمنية لمن يقوم بفعل الإحتجاز، فقد أشارت وسائل إعلام غربية الى المعتقلين من المستوطنين الصهاينة لدى المقاومة في عملية “طوفان الأقصى” بوصفهم “رهائن”. ولذلك، يفضَّل من جهتنا استبعاد هذا المصطلح في وصف حالة المحتجَزين الصهاينة لدى المقاومة. كما يفضَّل استبعاده عن حالة المعتقلين الفلسطينيين أو العرب لدى العدو لأن اعتقالهم إنما تم في نطاق صراع حول قضية نضالية حقوقية وهم ليسوا مجرد أشخاص لا علاقة لهم بهذه القضية.

– السجناء Prisoners: ويُستخدم هذا المصطلح غالباً للإشارة الى موقوفين في السجون في قضايا جنائية بتهمة الخروج على القانون. وهذه ليست حال المعتقلين في سجون العدو.

– الأسرى Captives: وهؤلاء من يقعون في أيدي العدو أثناء القتال بين قوتين متحاربتين. وهذه ليست حال المعتقلين في سجون العدو الذين أُخذوا من بيوتهم عنوة أو من الشارع وكانوا عُزّلاً في قبالة العدو المدجج بالسلاح.

– المعتقلونDetainees: واستُخدم هذا المصطلح في لبنان وفلسطين للإشارة الى مدنيين يقعون تحت سلطة الاحتلال الذي ينتهك حقوقهم ويحجز حرياتهم لمجرد تعبيرهم عن رفض وجوده على أرضهم. والكلمة نفسها بالإنكليزية تحمل أيضاً معنى المحتجَزين. لكن اللغة العربية غنية بالمعاني وتتوسع باستمرار، وكلمة “المعتقلين” صارت أقرب الى مفهوم الاعتقال السياسي، في حين أن كلمة “المحتجزين” أكثر عمومية وأقل ارتباطاً بالبعد الحقوقي السياسي. ومن هنا يصح إطلاق وصف “المعتقلين” على الفلسطينيين في سجون العدو لمشروعية قضيتهم النضالية، وإطلاق وصف “المحتجزين” على المستوطنين لدى المقاومة الذين يشاركون الاحتلال عدوانَه على الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والحق.

وقد درج الفلسطينيون على التسامح في استخدام تعبير “الأسرى والأسيرات” بهدف تشريف قضية المعتقلين في سجون العدو ورفع مستوى الاهتمام بنضالهم وتأييد حقهم في مواجهة الاحتلال بمختلف الوسائل المتاحة. لكن تعبير “المعتقلين” أكثر دقة وواقعية بالنظر الى أن غالبيتهم محتجَزون من دون سبب أو سند تفترضه قوانين الحرب.

وعلى هذا، نقترح استبعاد كلمة “صفقة” من التداول نهائياً في هذه القضية لأننا في صدد صراع وجودي مع العدو الصهيوني، ولسنا في مقام عقد اتفاق مادي رضائي في نزاع يحتمل الحل. فضلاً عن أن كلمة “صفقة” تناسب التسوية والتطبيع، ويميل العدو الى ترويجها لتعويد شعوب المنطقة على تقبل التعامل معه. كما نقترح استخدام تعبير “المعتقلين” في مقام الحديث عن الفلسطينيين في سجون العدو، و”المحتجزين” للإشارة الى المستوطنين الموجودين في قبضة المقاومة.

* المصدر: موقع العهد الاخباري
* المقالة تعبر عن راي الكاتب