وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

الأيديولوجيا و”طوفان الأقصى”

عماد الحطبة*

 

رغم أن كلمة أيديولوجيا مشتقة من جذريْن لاتينيين “آيديا” بمعنى فكرة، و”لوجوس” بمعني لغة أو منطق، بيد أن الحديث عن عصر الأيديولوجيا يرتبط إلى حد كبير بالحديث عن عصر الحداثة.

ليست الأيديولوجيا بحدّ ذاتها فكرة حداثية، فالأديان التي عرفها الإنسان منذ فجر التاريخ تعدّ أيديولوجيات، لكن عصر الحداثة اعتمد الأيديولوجيا كوسيلة لتفسير العالم، وقسّم تاريخ البشرية إلى أيديولوجيات سواء كانت سماوية أو وضعية، وجعل من هذه الأيديولوجيات وسيلته لفهم تاريخ العالم وواقعه وتطوره نحو المستقبل.

على الجهة المقابلة، وفي الفترة التاريخية نفسها، ظهر الفكر العلمي التجريبي “الأمبريقي” الذي اعتمد الحقائق العلمية المجردة كوسيلة لتفسير العالم، لكن الغلبة كانت دائماً للأيديولوجيا.

بعد الحرب العالمية الثانية، كثر الحديث عن عصر ما بعد الحداثة، الذي وجّه مفكّروه سهام هجومهم إلى الحداثة باعتبارها قد فشلت، بل وجلبت على العالم كوارث وأفكاراً متطرفة كالنازية والفاشية، وحروباً مدمرة كالحروب العالمية. بلغت موجة ما بعد الحداثة ذروتها بثورة طلاب الجامعات الفرنسية عام 1968 والتي هددت بنية النظام الرأسمالي في أوروبا، لكن هذا النظام استطاع احتواءها وإفراغها من كل محتواها الثوري لتصبح حالة من الفوضى والاستكانة إلى الواقع، بل وتحويلها إلى نصر عريض لليمين الفرنسي بزعامة شارل ديغول، لتسقط تماماً، آخر ثورات الغرب بسقوط أهم منظّريها؛ ميشيل فوكو ولويس التوسير.

حاول البعض رفع شعار “بعد ما بعد الحداثة” في محاولة لإنقاذ ما بعد الحداثة، لكن التيار الذي ساد كان العودة إلى الحداثة بعد “تطهيرها” من خطاياها، واشتهر في هذا المجال الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس.

رغم ذلك، قد يكون من المبكر جداً الحديث عن موت “ما بعد الحداثة”، فموجة التفكيك التي تركت أثرها في المجتمعات والفكر وحتى الفلسفة تحتاج إلى سنوات لتجاوز آثارها المدمرة. لقد طالت موجة التفكيك تلك السرديات التاريخية الكبرى وشككت بكل شيء حتى الحقائق العلمية تحت لافتة “الشيء الوحيد الثابت أن لا شيء ثابت.”

مزهوة بانتصارها على المعسكر الاشتراكي، ربطت الرأسمالية فكرة ما بعد الحداثة بسقوط الأيديولوجيا، وأطلقت العنان لفكرة “ما بعد الأيديولوجيا” التي تهدف إلى تقويض السرديات الوطنية الكبرى كالهوية الوطنية، وأعراف المجتمعات وتقاليدها، والأديان، وحتى التشريعات القانونية، لصالح سرديات صغرى تتجاوز القضايا الرئيسية في المجتمعات لصالح قضايا ثانوية وفرعية.

في سياق “ما بعد الأيديولوجيا”، تتحوّل الأمة إلى فئات ذات ثقافات وقضايا متعددة مرتبطة بالإثنيات، والجندرية، والفئة العمرية والتوزيع الديموغرافي، وتغيب قضايا مثل الحرية والسيادة الوطنية، والاستقلال عن الأجندات الوطنية للمجتمعات. المستهدف كل العالم، والعدو هو الرأسمالية التي تقودها الولايات المتحدة وتحاول فرض ثقافتها على العالم، سواء تحت اسم الأمركة، أو العولمة.

ثقافة الهمبرغر والعولمة والمدن الذكية، ليس الهدف منها تسويق منتجات الرأسمالية فحسب، بل السيطرة على المجتمعات وتوجيهها نحو تحقيق مصالح المركز الرأسمالي السياسية، والتي تؤمن هيمنة هذا المركز على مقدرات العالم الاقتصادية وتسخيرها لمصالحه. لتحقيق هذا الهدف كان لا بد من إنهاء عصر الأيديولوجيا، التي تدعو إلى أي نوع من أنواع التحرر أو الخصوصية الوطنية.

علينا الاعتراف أن الرأسمالية نجحت إلى حد كبير في تحقيق أهدافها، خاصة في المرحلة التي تلت انهيار منظومة الدول الاشتراكية، وتصرفت الرأسمالية وكأنها صاحبة اللحظة الأخيرة من التاريخ، وأصبحت تعدّ كل خروج عن صورة العالم التي ترسمها، تمرداً لا بد من تصويبه سواء بالعقوبات الاقتصادية، أو بالعمل العسكري المباشر. أمام القوة الغاشمة وقف العالم مرتعد الفرائص، وفرضت الولايات المتحدة وحلف “الناتو” شروطهما على الجميع.

بدت الحرب الروسية -الأوكرانية، وكأنها أول تمرد مسلح على العالم كما صاغته الرأسمالية، لذلك كان الردّ صارماً وواسعاً وطال جميع مناحي الحياة، الاقتصادية والسياسية والرياضية، وحتى العلمية والأدبية والثقافية، رغم أن الصراع كان داخل البيت الرأسمالي نفسه ولم يحمل طابعاً أيديولوجياً، لكن الرأسمالية التقليدية لم تكن تتحمّل ولو تمرداً بسيطاً من الاقتصادات الناشئة والطامحة، وترى فيه خطراً داهماً لا بد من التصدي له.

جاءت معركة “طوفان الأقصى”، لتقدم أيديولوجيا تحررية في مواجهة المشروع الرأسمالي الذي يفرض سيطرته على منطقتنا. هذه الأيديولوجيا، رغم غلبة التوجهات الدينية على خلفياتها الفكرية، لكنها لم تخض حرباً دينية، بل أعلنت عن حرب ذات طابع تحريري وتحرري، فهي من ناحية، تقاتل في سبيل تحرير الأرض، ومن ناحية أخرى، تناضل في سبيل التحرر من هيمنة المستعمرين.

الصورة الإنسانية التي حملتها مقاطع إطلاق الأسرى لدى المقاومة في غزة، تقابلها الصواريخ اليمنية على المصالح الاقتصادية الغربية، والصواريخ العراقية على التجمعات العسكرية للعدوين الأمريكي والصهيوني، وصواريخ حزب الله على المستوطنات الصهيونية في شمال فلسطين، جميعها تشير إلى أن محور المقاومة قد حدد أعداءه بوضوح، وهو يخوض معاركه ضدهم ليس بهدف القتل أو الانتقام، ولكن بهدف التحرر والانعتاق من هيمنة المستعمر.

كل من يقاوم المستعمر ويسعى إلى تحرر وطنه هو صاحب أيديولوجيا تحررية، حقيقة بسيطة حاولت الرأسمالية ردمها تحت جنازير الدبابات، وكمبيوترات الشركات متعددة الجنسيات، لكن الشاب عاهد أبو سته أعاد إليها الاعتبار، عندما أطلقت صرخته “ولعت” فرددها العالم وراءه، لم تكن دبابة “ميركافا” تلك التي “ولعت” بل صرح معبد الرأسمالية الذي انهار على رؤوس كهنته.

* المصدر: الميادين نت

* المقال يعبر عن رأي الكاتب