وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

العدل ملاك .. والجور هلاك !!؟

 

                                                                                                             أحمد يحيى الديلمي

 

العنوان مأخوذ من مقوله خالدة لإمام المتقين ويعسوب الموحدين علي بن أبي طالب عليه السلام حدد فيها صفات العدل وأهميته  لاستقامة الحياة ، وهي رؤية عظيمة تدل البشر على مكانة العدل وبشاعة الجور وتؤكد أن الإمام  علي بلغ أقصى مراتب الهداية وفهم أصول الدين وأحكام التكليف ، لذلك أهتم ببيان العدل بقصد رفع مستوى وعي الناس وفي المقدمة من تُسند إليه الولاية العامة ودوره المباشر في إشاعة العدل وحماية الأمن والاستقرار بطرق عادلة ومشروعة تُترجم القصد الإلهي الثابت في النصوص ، التي أوكل الخالق سبحانه وتعالى  أمرها إلى الصفوة من علماء الدين لاستنباط المقاصد الصحيحة وبيانها للناس لتحديد الآليات الكفيلة بإقامة القسط والرفض المطلق للظلم والجور .

بينما أوكلت مهمة إقامة العدل ومواجهة الظلم إلى جهاز القضاء وعملية اختيار القاضي وصفات منهج التقاضي إلى ولي الأمر ليستعين بأصحاب الخبرة وهم العلماء الذين ذكرهم القرآن الكريم بشكل مرادف للفظ الجلالة ، قال تعالى : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو وأولوا العلم قائماً بالقصد لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) “18” آل عمران .

بناءاً على التنظيم الجديد ومراتب التقاضي يتحمل مجلس القضاء الأعلى أعباء هذه المسئولية وعليه الاستعانة بكبار العلماء لوضع المنهج وتحديد صفات وشروط القاضي عبر التثبت من صدق إيمانه ومدى تحريه للصدق والأمانة وفهمه لأحكام أصول الدين والقوانين المنظمة لمهنة القضاء حتى لا يستغل المهمة ويوظفها لتحقيق مكاسب ذاتية أو نزوات شخصية ، فهل تُراعى عملية الاختيار كل  المعايير السابقة ؟!! .

للآسف الأداء في أروقة المحاكم يؤكد عدم الأخذ بأي معيار لأنه تم تجريد مهمة القضاء من القدسية وأصبحت مجرد وظيفة من الوظائف دون أي اهتمام بشروط الأهلية ، وهذا أهم سبب لابتزاز الخصوم وضياع الحقوق وكله بالقانون.

دون شك فإن بلادنا تمتلك منظومة قانونية متميزة تمت صياغتها بأفق واسع وائم بين أحكام الشرع القويم وبين مقتضيات الزمن والتحولات التي حدثت نتاج التطور التاريخي بأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية لضمان الاستفادة من دروس التاريخ الناصعة وتجارب الآخرين بأفقها الحضاري والإنساني دون المساس بقدسية الشرع القويم وأحكامه القطعية ، أي أن المشرع اليمني أنطلق من قاعدة فقه الضرورة فأعاد صياغة القوانين وهيكل تشريعات التقاضي بأسلوب مختلف ألم بشروط التعاطي الإيجابي مع أنظمة القضاء على المستوى الدولي .

رغم أهمية وحيوية هذه الخطوة إلا أن البعض أعاد التناقضات الصارخة بين النصوص وممارسات الواقع من قبل بعض القضاة إلى مواد جافة في القوانين تم أخذها من تجارب بعض الدول ، ركزت كثيراً على الشكليات وأهملت الجوهر ، مع أن مفردات تلك النصوص قد تقلصت في الدول التي أخذت منها وتغيرت دلالاتها ، مما جعل ذلك البعض يؤكد أنها سبب التراخي عن العدل والإنصاف لأنها أعطت القضاة مداخل كثيرة للتلاعب والتسويف والمماطلة ، إذ يتم الخوض في العملية بأفق انتهازي يجعل إجراءات التقاضي وسيلة لعدم الإنصاف وإعادة الحقوق إلى أهلها ، قال أحد المهتمين بالشأن القضائي ” أن القضاء اليمني تاه بين طاغوت القوانين وجهالة القائمين عليه ” جاء ذلك في تعليقه على حكم صدر عن دائرة من دوائر المحكمة العليا ضد أحد القضاة الذي أخل بصفات التقاضي وأتخذ من التحكيم وسيلة للتلاعب ، وهنا لابد من الإشارة إلى نقطة هامة وهي أن المادة (58) من قانون التحكيم أعطت هذا النوع من الأحكام صفة أحكام القضاء وأوكلت أمر النظر فيها إلى محاكم الاستئناف وهو أمر غير طبيعي لأن التحكيم يتم بخيار الطرفين والمفروض أن لا يكون فيه استئناف ، للحد من اللجوء إلى مثل هذا النوع من التقاضي لما يمثله من طاغوت وجبروت ، أما الحكم الصادر عن الدائرة السالفة فلقد مثل انتصاراً حقيقياً للعدالة وسابقة نوعية تتطلب من مجلس القضاء التعاطي معها بشفافية ونشر الحكم في وسائل الإعلام لتحقيق أمرين هامين :

إشعار القاضي أينما كان موقعه أنه معرض للمسائلة وأن لا أحد فوق القانون وأن الحصانة التي كفلها له القانون لا تقرر الابتزاز والاستغلال بل لابد أن ترتقي بأداء القاضي إلى مستوى فهم المسئوليات والأعباء التي حتمت الحصول على الحصانة .

استعادة ثقة المواطنين بالقضاء باعتباره حارس للقيم وأمين على الحقوق والكرامات والأعراض .

أكتفي بما اسلفت والحليم تكفيه الإشارة .. والله من وراء القصد ..