وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

الصين وفيروس كورونا.. المواجهة تستمر

السياسية – خالد الحداء:

حالة من الهلع يعشيها العالم من استمرار انتشار فيروس كورونا الجديد، وبعد قرابة شهرين من إعلان بكين أول تحذير بخصوص المرض وإبلاغ منظمة الصحة العالمية عن العديد من حالات الإصابة بالفيروس ، هذا الوباء طال آلاف الأشخاص وحصد مئات الأرواح خاصة في الصين، بؤرة الوباء.

يعتقد العديد من الخبراء أن فيروس كورونا الجديد ظهر في أول الأمر أواخر ديسمبر 2019 في منطقة ووهان الصينية، وتحديدا في سوق لبيع الحيوانات البرية، وانتشر بسرعة ملفته مستفيدا من تنقل المواطنين لتمضية عطلة رأس السنة القمرية في بداية شهر يناير.

الواضح أن حالة الهلع سببها في الواقع إعلامي أكثر منه صحي خاصة وأن هناك مجموعة من خبراء الأوبئة على مستوى العالم قد ابدوا تفاؤل بشأن انحسار الفيروس، وبأن سرعة انتشاره ستتباطأ قريبا مع تناقص أعداد الحالات الجديدة في بعض المناطق، وأن ذروة الانتشار ستكون على أبعد تقدير مع نهاية فبراير الحالي، أن لم يكن قبل ذلك، ومن ثم  يتلوها استقرار ثم تراجع وذلك بناء على التوقعات الصحية المبنية على التحركات الصينية والدولية.

يمكن تتبع هذه الأمراض حسب الأكاديمي الفرنسي جيل فاني من خلال تحديد الثغرات التي تمر من خلالها، كالفقر ونقص النظافة وكثافة القطعان وتنقلها، وتغير المناخ الذي يعطل استخدام الأراضي.

حيث يتواجد أكثر من 1400 من مسببات الأمراض المعروفة في البيئة المحيطة بالإنسان، التي تسبب أمراضا بشرية محددة، وأن حوالي ثلاثة أرباع الأمراض الحيوانية تأتي من الحيوانات البرية، وانتقلت هذه الميكروبات عن طريق الفيروسات أو البكتيريا أو الطفيليات ذات المنبع الحيواني والتي تكيفة بمرور الوقت مع الكائن البشري بسبب الطفرات الوراثية، إلا أن ربعها هو الذي ينتقل من إنسان إلى إنسان، والباقي ينتقل من الحيوان فقط إلى الإنسان.

فيما يخص الحيوانات التي تأتي منها هذه الفيروسات فهي كالتالي: تأتي الإنفلونزا من الخنازير والبط والحصبة من الماشية ، والسعال الديكي من الخنازير والكلاب، والإيدز وحمى إيبولا من الشمبانزي، ومتلازمة الجهاز التنفسي الحادة كالسارس والفيروس التاجي الحالي من الخفافيش، وداء الكلب من الخفافيش والثعالب والكلاب .. الخ.

وكشفت العديد من  الدراسات العلمية أن مساكن الحيوانات البرية والممارسات الزراعية والتحضر جعلت من الكلفة البيئية كبيرة، ولكن الأسوأ يكمن في أن آثار التقدم في ما يخص علم الأحياء أوقفها بل وألغاها التطور الاقتصادي الحالي المتسارع والذي من شأنه أن يعيد أحياء الأوبئة مرة آخرى.

فيروس كورونا المستجد

وفقا للخصائص السريرية والوبائية المحدثة للفيروس الناشئ، يعتبر فيروس “كورونا المستجد 2019” سلالة مستجدة (جديدة) من فيروس كورونا ومشابها إلى حدا كبير لفيروسات كورونا التي تنتقل في العادة من الحيوانات إلى البشر، وينتمي كورونا لعائلة الفيروسات التاجية، وأخذت اسمه من الكلمة اللاتينية “كورونا” وتعني الهالة والتاج، لأنه يظهر تحت المجهر ككرة تحيط بها خيوط ممتدة مما يجعل شكلها كالهالة التي تحيط بالشمس أو كزوائد التاج.

وتم الإبلاغ عن انتقال هذا الفيروس المستجد من إنسان إلى آخر مع تدرج مسار المرض من أعراض خفيفة إلى معتدلة في غالبية من اصيب بالعدوى، ويكثر انتشار الوباء في فصل الشتاء وأوائل الربيع ومع ذلك فقد تظهر مضاعفات أكثر حدة وصولا إلى الوفاة لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة و ضعف ونقص المناعة، ومعظم الحالات التي تم الإبلاغ عنها حتى الآن هي في الصين وبلدان أخرى مثل: كوريا الجنوبية واليابان وإيران وتايلاند  وتايوان، وايطاليا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

يعتقد العديد من الخبراء أن فيروس كورونا الجديد يعيش في أمعاء الخفافيش، ينتقل عن طريق إفرازاته ، كالبراز والبول والهواء إلى الحيوانات الأخرى أو الإنسان فينتقل بسهولة إليهم، وخلال الانتقال من الخفافيش إلى الإنسان يتكاثر الفيروس ويتحول ويصبح قادرا على الانتقال إلى بشر آخرين، وتهاجم الفيروسات التاجية على عمومها الجهاز التنفسي والقناة الهضمية للثدييات والطيور.

ويمكن للفيروس العيش في الإنسان وأن ينتقل من شخص إلى آخر، وبالتالي فإن الفيروس ينتقل من خزانه “حامله” الأساسي إلى خزان آخر، ثم من إنسان إلى إنسان، وتتراوح فترة حضانة فيروس كورونا المستجد بين يوم و14 يوما وهي فترة كافية لظهور المرض لدى الحاملين للفيروس وعملية انتقال الفيروس من الخفاش إلى الإنسان نادرة، لكنها عندما تحصل فإن جسم الإنسان غير مؤهل للدفاع عن نفسه.

فيروسات سابقة لكورونا المستجد “الجديد”

خلال التاريخ المعاصر، واجه الإنسان قبل ظهور كورونا المستجد نوعان من فصيلة فيروس كورونا  ففي العام 2002 انتشر فيروس سارس أو ما يعرف بإنفلونزا الطيور، وهو أحد أشكال فيروس كورونا وكان أول ظهور له في الصين، وأظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية أن الفيروس قتل 299 شخصا في ذلك الوقت.

وخلال 2013 ظهر فيروس كورونا الذي انتقل من الجمل إلى الإنسان، ووفق منظمة الصحة العالمية فإن كورونا أو ما يعرف أيضا بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية اكتُشف لأول مرة في المملكة العربية السعودية في عام 2012.

الصين ومكافحة الوباء

الأمر الذي يثير الكثير من علامات الاستفهام، لماذا توجه الاتهامات إلى دول شرق وجنوب شرق اسيا تحديدا الصين، بأنها موطن الأمراض المعدية مقارنة ببقية مناطق العالم؟ وفي هذا المقام يشير الأكاديمي الفرنسي جيل فاني، إن الأصل المبكر للزراعة المكثفة منذ العصر الحجري الحديث في شرق آسيا ظل منشأ الأوبئة التي تنجم عن الحيوانات الأليفة، في حين ظلت أفريقيا – بلاد الغابات- بيئة للأمراض التي تنجم عن الحيوانات البرية، وخاصة الأمراض التي تنقلها الحشرات.

وفي هذا السياق تشير الاحصائيات الصينية إلى تضاعف الزراعة المكثفة بأكثر من عشر مرات منذ العام 2000، وذلك بفضل الزراعة الضخمة المحيطة بالمناطق الحضرية، حيث توجد مئات الملايين من الحيوانات التي تعاني من نقص المناعة وتلوث بسوائلها المياه الجارية، وبتصدير المنتجات المختلفة تنتشر الجراثيم والفيروسات، وتعرضت الصين خلال العقود الماضية للعديد من الأوبئة أبرزها:

– الطاعون الدبلي خلال الأعوام 1894-1903 وانتشر الوباء في الصين والهند ومناطق أخرى حول العالم وبلغت أعداد الضحايا بعشرة ملايين.

– الإنفلونزا الآسيوية خلال عامي 57 – 1958 وانتشر الوباء على نطاق واسع في الصين والعالم خلال موجتين وقدرت أعداد الوفيات بمليون إلى أربعة ملايين شخص.

– إنفلونزا هونغ كونغ خلال عامي 68-1969 وقدرت أعداد الضحايا بمليون إلى مليوني شخص.

– متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد “سارس” خلال شتاء 2002 وربيع 2003 ظهر في إقليم “غوانغدونغ” وقدرت أعداد الوفيات بأكثر من 800 وفاة منها 350 في الصين.

– إنفلونزا الطيور “أتش5 أن1” خلال العام 2003 وباء إنفلونزا الطيور وقدرت أعداد الوفيات بحوالي 400 حالة.

هذه الحقائق وعلى الرغم من أهميتها إلا أنها لا تعكس بالضرورة ما هو قائم حاليا، حيث تشير العديد من التقارير الدولية إلى الجهود الكبيرة التي تبذلها الصين حيث شهدت الأمراض المعدية انخفاضا كبيرا منذ أوائل ستينيات القرن العشرين، وهو إنجاز تحقق من خلال التدخلات الصحية الفعالة والكبيرة والمقدمة لأكثر من 1.405 مليار نسمة وعلى امتداد الجغرافيا الصينية الممتدة على مساحة 9.6 مليون كم²، وهو ما أسهم في القضاء لاحقا على العديد من الأمراض المعدية الأخرى، بما فيها شلل الأطفال والجدري.

ولم يكن انتشار فيروس كورونا الجديد “مؤخرا” سوى تأكيدا على قدرة الصين الكبيرة في التعامل مع الوباء، حيث عززت الصين القيود على التنقل سعيا منها لكبح انتشار فيروس كورونا، قبل أن تخفف من تلك القيود في وقت لاحق، وأقر الرئيس الصيني شي جين بينغ في وقت سابق، بأن الوضع خطير.. محذّراً من “تسارع” انتشار الفيروس، ويعتقد أن ظهور الفيروس تزامن مع فترة سفر وانتقال بين الشعب الصيني بمناسبة “عيد الربيع” وهو ما يعد أحد أهم الأسباب التي ساهمت في انتشار الفيروس بهذه الصورة المفزعة.

يشير خبراء الصحة أن فيروس كورونا الجديد ليس فتاكا كما يصوره الإعلام خاصة عند معرفة أن معدل الوفيات حتى الآن يقدر بحوالي 3.3% بين المصابين، بالمقابل بلغت أعداد الوفيات جراء فيروس سارس 9.6%، ويشير الخبراء أن الفارق في سرعة الانتقال، حيث فاق عدد الحالات المصابة بعد شهر واحد من ظهور كورونا الجديد العدد الإجمالي للمصابين بفيروس سارس على مدار ثمانية أشهر، وحتى الآن أعلنت الصين عن اصابة 77150 حالة اصابة فيما بلغت أعداد الوفيات حوالي 2592، وفي ذات السياق ذكرت لجنة الصحة الوطنية بالصين اليوم الثلاثاء 25 فبراير، بأنه تم تسجيل 409 حالات إصابة مؤكدة جديدة بفيروس كورونا مقارنة بـ 648 حالة في اليوم السابق، وهو ما يعد مؤشراً جديد أن الوضع يتخذ منحى إيجابيا وهو ما يعني نجاح الصين في ما قامت به من إجراءات بهدف احتواء انتشار الفيروس.

لا يوجد حاليا أي لقاح متاح للحماية من فيروس كورونا المستجد 2019، وقد يستغرق الأمر شهوراً ، لأن اللقاحات يجب أن تخضع لاختبارات قبل أن يتم الموافقة على تصنيع لقاح ضد الفيروس، غير أن الخبر الجيد أن مجموعة من العلماء استطاعوا فك الشفرة الجينية للفيروس ونشروها، وهو ما سوف يساعد في تطوير لقاح مضاد للفيروس، وعلى الرغم من عدم توفر علاج محدد حتى الآن، فإن الأشخاص المصابين بفيروس كورونا المستجد 2019 يتلقون رعاية طبية لتخفيف أعراض المرض.

رب ضارة نافعة، أعتقد العديد أن ظهور فيروس كورونا المستجد في الصين سيشكل انتكاسة كبيرة لمكانة الصين الاقتصادية والمرشحة خلال العقود القادمة لأن تكون قطبا عالميا، ولكن ما أن ظهر الفيروس إلا وكان التعامل السلطات الصحية ومن قبلها السياسية بطريقة شفافة واحترافية في ذات الوقت، وهو ما عكس في الحقيقة الامكانيات والقدرات الكبيرة والمتقدمة في المجال الصحي التي تمتلكه الصين، إضافة إلى أن ما تعلنه السلطات من تحديثات منتظمة للمعلومات بشأن الاجراءات المتعددة تجاه الفيروس والاصابات والوفيات سوى شاهد على الشفافية والثقة التي تتحرك من خلالهما بكين تجاه الأزمة.