وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

كيف يفكّر المستعمرون؟

إيهاب شوقي*

يتناسى البعض وهو يراقب الأحداث ويتعرض لتحليلها بعض الأمور التي تشكل أعمدة تحليلية هامة لا غنى عن وضعها بالاعتبار واضافتها كأطراف للمعادلة للخروج بنتائج دقيقة، ولوضع تصورات للتعاطي مع الازمات او وضع حلول لها.

ومن هذه الامور، يأتي التصور الشامل لخرائط الأحداث وربطها دون التعاطي بالقطعة، وكذلك معرفة طريقة الاستعمار في التفكير والتخطيط، والأهم هو الخروج من القوالب الجامدة للتعريفات والأوصاف.

وللتوضيح، يمكننا تناول هذه الامور ببعض التفصيل:

أولًا: في مجال ربط الحوادث عبر النظر بصورة بانورامية شاملة، لا يمكننا تناول الأحداث بمعزل عن السياق الاقليمي والدولي ووضعه وتوازناته.

في هذا الاطار يمكن ضرب مثل بالملف الليبي وكيف يجرنا لملفات أخرى أبعد، فلا يمكن على سبيل المثال تناول الوضع في ليبيا بمعزل عن الوضع في سوريا واليمن، ولا يمكن فصل التنافس التركي القطري من جهة والاماراتي السعودي من الاخرى، عن المواقف التركية من اليمن.

كذلك لا يمكن فصل هذه الملفات عن السياق الدولي والذي يشهد صراعا جيو – استراتيجيًا بين امريكا وروسيا في منطقتنا، ولا يمكن فصل الملف عن الصراع التركي – الفرنسي والذي تعمل تركيا به كذراع امريكي لكبح جماح فرنسا والتي تطمح لدور اوروبي مستقل نسبيا عن امريكا.

هنا يمكن قراءة الوضع في الساحل الافريقي، وانقلاب مالي الذي يؤثر فيما يبدو على النفوذ الفرنسي لصالح امريكا.

قد تقود امريكا لبعض التهدئة الشكلية في ليبيا مكافأة للامارات على خطوتها التطبيعية، ولكن امريكا لن تسمح بسهولة بتحقيق الطموحات الروسية والفرنسية في ليبيا وشمال افريقيا كمدخل لمنطقة الساحل التي أولتها امريكا أهمية كبرى، ورغم عدم جدية امريكا في مكافحة الارهاب الا ان محاصرة نفوذ الصين وروسيا وأيضًا فرنسا هو هدف حيوي للاستراتيجية الامريكية ولا ينفصل عن شعار (امريكا أولًا) والذي يرفعه ترامب ويفسره كثيرون بشكل خاطئ على أنه يعني العزلة والانسحاب.

وهو يجرنا الى ملف أذربيجان وأرمينيا ومحاولة مقايضة الملفات مع الروس، وبشكل عام فإن جميع الملفات والاحداث بمكن ارجاعها للسياقات الاقليمية والدولية وهو ما يعطي تصورات أدق وقراءات أكثر واقعية بعيدًا عن البطولات الزائفة أو الشعارات الرنانة التي لا تعبر عن حقيقة الادوار وحجم القوة الحقيقية.

ثانيا: طريقة الاستعمار في التفكير والتخطيط، تعتمد على خطط طويلة الامد، ووجود خطط بديلة (خطة باء)، كما يعتمد منهجًا في التحليل والتخطيط يبتعد عن المنهج الذي يسود منطقتنا ويصبغ مفاهيمها.

بمعنى أن التوصيفات ليست مطلقة كما يسود لدينا، فمثلا الشعب، ليس قالبا واحدًا، وانما شرائح وأطياف يمكن أن تشكل شعوبا داخل كل شعب، وهو ما يجعل الخطط الاستعمارية تشكل انعكاسًا لهذا المنهج، وهو ما يكمن وراء القاعدة الاستعمارية الشهيرة (فرق تسد).
كذلك هناك مفهوم الأجيال، وهو مفهوم ارتبط بالتسويق التجاري واستهداف الشرائح ولكنه ارتبط ايضا بالسياسة واستهداف شرائح الفريسة الاستعمارية.

فهناك تقسيم شائع للاجيال، وهو جيل الطفرة السكانية لمواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية، وجيل اكس (x) ويضم مواليد اوائل الستينيات الى اوائل الثمانينات، وجيل واي (y) او الالفية وهو من الثمانينيات الى بداية الالفية، وجيل زد (z) وهو من بداية القرن الى وقتنا هذا، ويعرف ايضا بجيل ما بعد الالفية.

ورغم بعض الاختلافات في تقسيم الشرائح العمرية، الا اننا يمكن ان نرصد هذا التقسيم في منطقتنا وخصائصه على النحو التالي:

الجيل الاول وهو جيل الآباء والأجداد ممن تخطوا السبعين عامًا وهو يعرف وفقًا للتوصيف الغربي بأنه الجيل الصامت والمحافظ.

الجيل “x”، وهو الكهول المتراوح عمرهم بين الاربعين والستين، ويغلب عليه الكلاسيكية والتوازن ومراعاة الابعاد الاخلاقية والهدوء.

والجيل “w” او الالفية وهو جيل الشباب الناضج من أواسط العشرينيات الى بدايات الاربعينيات من العمر، ويتميز باجادة التكنولوجيا والاعتماد على وسائل التواصل بشكل كبير.

والجيل “z” أو ما بعد الالفية يغلب عليه المراهقون، وهو أبرع الأجيال في التكنولوجيا وأكثرهم استخداما للتواصل الاجتماعي.

وقد عملت امريكا وقوى الاستعمار على استهداف الشرائح وخاصة جيل الالفية وما بعد الالفية لتشويه المفاهيم وحرف الصراع واستبدال الوجدان، مستغلة صمت الأجيال الاولى وهدوء الأجبال الوسيطة، وهو ما يفسر تراجع الزخم الشعبي للقضايا الكبرى وتراجع وزن الرأي العام لدى متخذي القرار وتجرؤهم على التفريط.

لم ينج من هذه المذبحة للأجيال الا جماهير المقاومة ومن تربوا سياسيًا وعقائديًا على مفهوم المقاومة والتحرر الوطني.
ونستطيع أن نقول باطمئنان إن الوجدان الشعبي سليم وفطرة الشعوب سوية، ولكنها بحاجة الى انعاش وتوعية وكشف لما قام به الاستعمار وفضح لممارساته وخططه.

انها مبادرة لالقاء الضوء على خطط الاستعمار وذيوله ومبادرة لانقاذ الأجيال مما لحق بها، والتعاطي معها بما يناسب طبيعة كل جيل وفقا لما تربى واعتاد عليه وهي مهمة المثقفين ورجال الوعي والكلمة.

* المصدر : موقع العهد الإخباري