وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

عالَمان موازيان.. و”إسرائيل” في الوسط

إيهاب زكي*

رغم الطفرة في عالم الاتصالات وسهولة الوصول للمعلومة والحدث والموقف، إلّا أنّ هناك عالمين متوازيين لا يلتقيان، عالمٌ يرى في “إسرائيل” أوهن من بيت العنكبوت، وآخر يراها قوة لا تُقهر.

العالم الأول يعيش الواقع الحقيقي ويشاهد بالعين المجردة تراكم العجز “الإسرائيلي”، والذي تتبدى مظاهره في عدوانيتها الملجومة، وهو ما يتنافى مع الطبيعة العدوانية للكيان، ولا أسباب ذاتية لهذا اللجم بل أسبابٌ قهرية، تتجلى في إدراك “إسرائيل” لتآكل قدرتها على صناعة أي انتصار سريع وحاسم على أيّ جبهة، بل إدراكها أنّ فتح أيّ جبهة واشتعال حربٍ شاملة، قد تكون حربها الأخيرة، وهذا في مقابل العالم الآخر الذي يعيش واقعاً افتراضياً يملؤه الصخب والنواح والإحباط، ويعتقد يقيناً أنّ الكيان متغولٌ على عروبتنا وجغرافيتنا بلا رادع، وأنّ وجوده أصبح مؤبداً وواقعاً ولا بد من وسيلة للتعايش، فيكون الاستسلام بأقل الخسائر هو الخيار العقلاني والمتاح.

والعالم الموازي الافتراضي ليس كتلةً واحدة ومتجانسة، بل عالم متعدد الأقطاب متشظي الجبهات، يسوّق لذات النتيجة الاستسلامية. ففي الوقت الذي يجعل أحد أقطابه -كالسعودية والإمارات- فلسطين كبش فداء على مذبح الرضا الأمريكي، يجعلها القطب الآخر -التركي القطري- ورقة للمناكفة على طريقة الكيد الحمواتي، ويتم التعامل مع فلسطين باعتبارها توازي الطلب السعودي إغلاق قناة “الجزيرة” مثلاً، فتتمسك قطر بفلسطين كما تمسكت بالجزيرة، رغم أنّ قطر أول من طبعت خليجياً، والجزيرة أول من استضافت ضيفاً “إسرائيلياً” في خطة مدروسة لإعادة أنسنة “الإسرائيلي” في العقل الجمعي العربي.

وهذا التناكف لا يفسد في ودّ التطبيع قضية، فكلا الطرفين لديه علاقات سرية وعلنية مع كيان العدو، وجمهور الطرفين يتعامل مع فلسطين متخيلة وليس فلسطين حقيقية، فجمهور المحور السعودي – الإماراتي يراها عقاراً قابلاً للمساومة، فيما جمهور المحور القطري التركي يراها فردوساً مفقوداً صالحة أطلاله للشعر البكائي، وكلا المحورين يبثان روح العجز، فهو المدخل الوحيد لتبرير كل الخيانات، وهو العجز الذي يتأثر به حتى من هم خارج نطاق الالتزام المعلن فكرياً بالمحورين، فالعجز يبدو مغرياً أحياناً حيث لا جهد ولا تكاليف، والكثرة كذلك جاذبة، فتجعل العقل يستسلم للباطل تحت وطأة الانبهار بالسواد الأعظم.

هذان العالمان تقبع بينهما “إسرائيل”، فإنّ نظرت يميناً رأت عالم الحقيقة المرير، ورأت الارتباط الشرطي بين مراكمة القوة لدى محور المواجهة ومراكمة عجزها، وإن نظرت شمالاً وجدت عالم الافتراض الوردي، صخب ونواح وتفكك ومناكفات، ويأسٌ وإحباطٌ وتلاسن وبكائيات، وهذا المشهد هو ما كانت تطمح لتعميمه حين تم استهداف سوريا، فيصبح كل العالم العربي على هذه الشاكلة، وحينها لم يكن نتن ياهو ليتفاخر فقط بأنّ السلام أصبح مقابل السلام، بل سيصبح السلام مِنةً “إسرائيلية”، يدفع العرب مقابلها أمنهم ومستقبلهم وتاريخهم واقتصادهم وعقولهم ولسانهم وشرفهم وأعراضهم وعروبتهم وحتى دينهم، ويقف الجميع على بابها استجداءً لسلامها، ولكن انتصار سوريا ومحورها جعل الحلم “الإسرائيلي” كوابيسَ لا مناص منها ولا طائل من كل محاولات الاستطباب.

ولكن هذا لا يعني أنّ محور المواجهة خرج من المعركة الطاحنة في سوريا بلا خدوش، فقد عمل العدو على افقاد المحور جماهيريته التي كانت على امتداد الوطن العربي في العام 2008. وكما ذكر روبرت باير ضابط الاستخبارات الأمريكية السابق في كتابه “الشيطان الذي نعرف” الصادر عام 2008 ” من خيارات المحافظين الجدد في واشنطن لمواجهة إيران، إشعال الولايات المتحدة لحربٍ سنية-شيعية، تكون بدايتها باستهداف حزب الله، عبر تسليح التكفيريين لمحاربته”، وبذلك يفقد الحزب جاذبيته العابرة للطوائف والمذاهب. وكانت المحاولات الإعلامية المحمومة لتحويل الصراع في سوريا إلى صراعٍ مذهبي تنبع من هذه القاعدة، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فإن كانت جاذبية محور المواجهة قد خُدشت وجماهيريته تقلصت، فإنّه بالمقابل راكم قوة وقدرة أشد مضاضة على العدو من الجاذبية والجماهيرية، وأصبحت إيران التي كان يُراد عزلها وإبعادها كأنّها دولة طوق، وأصبح حزب الله الذي كان يُراد توريطه في حربٍ مذهبية تستنزفه قوةً وتفقده الأخلاقية، أصبح هو من يرسم لـ”إسرائيل” حدود قدرتها وبفرض عليها قواعد الميدان، وسوريا التي كان يُراد تحطيمها وتقسيمها أصبحت تمسك بخارطة الإقليم، وجغرافيتها تختزل انبثاق موازين القوة في القرن الجديد. ورغم ذلك فلا يضيرنا الاعتراف بأنّ المخطط الأمريكي الصهيوني، قد نجح في خلق العالم الموازي عبر خدش الجاذبية وضرب بعضٍ من الجماهيرية، ولكن في مفاهيمٍ عقائدية أو وطنية يحملها محور المواجهة. قد لا تبدو هذه محنة بقدر ما هي منحة تصوغها الأقدار لسنتّها التي لن تجد لها تبديلاً.

* المصدر : موقع العهد الإخباري