وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

الإمارات في أحضان إسرائيل

بقلم: د/أميرة ابو الفتوح
السياسية: ترجمة: نجاة نور، سبأ:

في مقالتي السابقة تساءلت عن الذي من تصب في مصلحته المعركة التي تدعو الإمارات لها وتريد إشعالها بين مصر وتركيا لفهم حقيقة دورها الوظيفي, لمن تلعب ولمصلحة من؟ أي دولة مهتمة بإضعاف أقوى جيشين في المنطقة ودفعهما إلى معركة يخسر فيها حتى المنتصر؟
بعد يوم واحد فقط، جاء الرد من الإمارات نفسها عندما أعلنت رسمياً تطبيع العلاقات مع إسرائيل في جميع القطاعات, وأعلنت ذلك من خلال ترامب الذي شهد هذه الاتفاقية المحرمة، والتي سماها زوراً اتفاقية سلام، وكأنهم في حالة حرب، وليسوا في حالة حب، والتي من الواضح للقاصي والداني إنها أول اتفاقية سلام في التاريخ بين المحتل ووكيله.
لم يكن هذا الإعلان مفاجئاً لمن يتابع تصرفات أبو ظبي منذ وصول محمد بن زايد إلى السلطة.
كل الأحداث كانت تشير إلى هذا الاتجاه وكان لا مفر منه, ولعل المفاجأة تكمن في التأخير في الإعلان رسمياً عن ذلك، إذ أن التطبيع كان يجري على قدم وساق منذ فترة طويلة, حيث تسارعت وتيرتها منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، وأحبطت الدولتان هذه الثورات معاً وغذتا الثورات المضادة، فهما ضد الديمقراطية وحرية الشعوب العربية، مما سيؤدي إلى إسقاطهما.

أخذ تطبيعهم أشكالاً عديدة، منها التطبيع في الرياضة باستضافة الفريق الرياضي الإسرائيلي والاحتفال به، والتلويح بالعلم الإسرائيلي في سماء أبو ظبي مع عزف النشيد الوطني الإسرائيلي, كما كان هناك تطبيع ثقافي يتمثل في استضافة وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية ميري ريغيف، والترحيب بها ترحيباً حاراً بالزهور، وكذلك مرافقتها لزيارة مسجد الشيخ زايد، على الرغم من أنها سبق أن وصفت الأذان بأنه ” بكاء كلاب محمد”.

بكت في كرم الضيافة التي لقيتها، حيث تحقق الحلم الصهيوني الذي طال انتظاره، حيث لا يُسمح للصهاينة بالتجول في الدول العربية في وضح النهار وعلى مرأى من العالم كله دون الحاجة إلى إخفاء هويتهم الصهيونية.

كما شهدنا تطبيعاً عسكرياً، حيث شارك الجيشان في مناورات عسكرية مشتركة عامي 2016 و 2017، إضافة إلى شراء أبو ظبي أسلحة من إسرائيل, ويشمل ذلك على سبيل المثال لا الحصر، طائرات التجسس وأدوات المخابرات الحديثة وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة التي أرسلوها إلى ليبيا لدعم حفتر المجرم.
لعب الفن دوراً مهماً في التطبيع، حيث أنتجت أبو ظبي مسلسلات صهيونية دون أدنى خجل وعرضتها في رمضان الماضي، بعد أن انتشر العشق الصهيوني لولي العهد بعد أن اختفى وراء الكواليس لسنوات عديدة, حيث سلط المسلسل الضوء على تاريخ العلاقات المميزة بين العرب واليهود, مسلسل “أم هارون” يكرّم الأم اليهودية مقارنة بجيرانها العرب.
كما عرضوا مسلسلاً آخر يدعو إلى التطبيع مع العدو الصهيوني بصراحة غير مسبوقة بعنوان “مخرج 7” ، تعرض فيه قضية التطبيع بصراحة وتضليل, إنه يتعدى رغبة دولة في التطبيع، بل يبرر الهجوم على الفلسطينيين باتهامهم باتهامات يصعب بثها على قناة عربية إلا بتعليمات من بن زايد نفسه.

كانت هناك حملات منظمة لتلميع العدو الصهيوني من خلال الدراما التلفزيونية والبرامج التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي وتصريحات من يعرف بالنخب الإماراتية لتعميق هذا المفهوم المضلل.
استقبلت دولة “المؤامرة” وزراء وشخصيات إسرائيلية في مختلف المجالات في عدد من المؤتمرات التي عقدت في دبي.
وسرب مؤخراً أن نتنياهو زار أبوظبي سراً مرتين، وزار مسؤولون إماراتيون إسرائيل سراً وعلناً عشرات المرات, كما أرسلوا علناً طائرتين تحملان معدات حماية شخصية إلى مطار بن غوريون وسمحوا لطائرات طيران الإمارات بالتحليق مباشرة في المطارات الإسرائيلية.
علاوة على ذلك، أبرمت العديد من الصفقات التجارية الكبرى، ووقعت مؤخراً اتفاقية تعاون بينهما لمكافحة فيروس كورونا.

لقد ولى عهد السرية و “اللاءات” الثلاث للجامعة العربية (لا مصالحة ولا اعتراف ولا مفاوضات مع إسرائيل) التي تقرر بعد هزيمة يونيو 1967، تم نسيانها.
مبادرة السلام العربية، التي أطلقها الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية عام 2002، دفنت بعد أن اعتبرتها جامعة الدول العربية سابقاً أساس التطبيع مع إسرائيل، حيث تنص على إقامة دولة فلسطينية معترف بها دولياً على حدود عام 1967 وعودة اللاجئين وانسحاب إسرائيل من مرتفعات الجولان مقابل الاعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية وتل أبيب.

ومن أجل أن توافق إسرائيل على جميع الأوراق المطلوبة والاعتراف بها رسمياً، كان على الإمارات السماح ببناء كنيس يهودي على أرضها ويسمح إقامة صلوات فيه, واحتفل الإعلام والدوائر الدينية في إسرائيل بأول صلاة سبت في شبه الجزيرة العربية.

علاوة على ذلك، تم جذب 3000 يهودي من دول مختلفة للإقامة في الإمارات العربية المتحدة وأنشأوا حساباً رسمياً على موقع التواصل الاجتماعي تويتر, يُعرف باسم “JewishUae” في الوقت الذي يتم فيه طرد الفلسطينيين من البلد.

كل ما سبق هو ما يجري علنا، حيث حرصت أبو ظبي على إبرازه بحجة نشر روح التسامح والسلام في المنطقة، لتبييض العلاقة الآثمة بينها وبين إسرائيل, أما ما يخفي وما يجري وراء الكواليس فهو أعظم وأخطر.

تعاون أبو ظبي وتل أبيب يقوم على محاربة الإسلام بذريعة محاربة “الإرهاب” وهو السبب الرئيسي للتقارب بينهما وهو الأمر الأهم من توحيد الدولة الوظيفية مع الدولة العاملة، فالدولتان تكرهان الجماعات الإسلامية وخاصة جماعة الإخوان المسلمين وتخشى على نفسيهما منهم.

يصف بن زايد التنظيم بأنه خطر إسلامي وشيك وبالتالي أصبحت المعركة وجودية لكليهما ويعملان كقوة واحده, أحدهما يفكر ويخطط والآخر ينفذ وينفق مليارات الدولارات على المؤامرات.

ومع ذلك، فإن المُنفذ أو الخادم، لا يقارن بالمتآمر أو العقل المدبر ولا يمكن أن يصل إلى نفس المستوى بغض النظر عن أي شيء، على الرغم من أنهما يصبحان كذلك في النهاية.

يمكننا القول أن الإمارات أصبحت دولة إسرائيلية، حيث يتم استخدامها لتحقيق أهداف إسرائيل ومصالحها الوطنية، لكن ليس لها الحق في لعب دور أكبر منها ولا يمكن أن تنافسها في منطقة الشرق الأوسط.

ولعل الجدل بين السفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة يوسف العتيبة ومستشارة نتنياهو السابقة كارولين جليك، قبل شهرين، يوضح تلك العلاقة المثيرة للجدل أو غير المتكافئة.

فقد كتب العتيبة في صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية: “مع وجود جيشيْن أكثر قدرة في المنطقة ومخاوف مشتركة بشأن الإرهاب والعدوان وعلاقة عميقة وطويلة الأمد مع الولايات المتحدة، يمكن للإمارات العربية المتحدة وإسرائيل إقامة تعاون أمني وثيق وأكثر فعالية”.

وفي فقرة أخرى، كتب: “بصفتنا أكثر تقدماً اقتصادياً وتنوعاً في المنطقة، يمكن أن تؤدي العلاقات التجارية والمالية الموسعة إلى تسريع النمو والاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط”.

ومن جانبها, ردت عليه كارولين جليك بغطرسة شديدة واستخفاف ببلده، في صحيفة إسرائيل هايوم، قائلة: “لا أحد يفعل أي شيء وإذا كنا نتحدث بالفعل عن موضوع الخدمات، فإن الجانب الأقوى في هذه الشراكة هو إسرائيل.

الاقتصاد الإسرائيلي أقوى بكثير من اقتصادات النفط في الخليج الفارسي [لم تقل الخليج العربي لمزيد من إذلاله] من الذي يعتقد العتيبة أنه سيعتبره تهديداً عندما يُباع النفط بسعر 37 دولاراً للبرميل؟”.

هذا هو الكيان الصهيوني، بكل غطرسته وغروره الذي تتجه إليه الأنظمة المهينة المتعصبة من أجل التطبيع معه والحصول على رضاه وشرف حمايته, وفي هذه اللحظة أتذكر قصيدة “المهرولون” لنزار قباني”.

وقفنا بالطوابير, كأغنامٍ أمام المقصلة
و ركضنا.. و لهثنا..
و تسابقنا لتقبيل حذاء القتلة..!

أتمنى يا نزار أن يتوقف الامر عند تقبيل حذاء القتلة، لكنهم شاركوا في القتل واستخدموا بندقيتهم لقتل أبناء هذه الأمة، ليس فقط في فلسطين، بل في سوريا وليبيا واليمن والعراق ولبنان.

ومن المؤسف أنه في وقت كهذا ساد فيه الصمت من قبل جامعة الدول العربية ، ولم يصدر أي موقف رسمي من هذه الاتفاقية ، مما أطلق رصاصة رحمة على المبادرة العربية (التي بالمناسبة أنا ضدها منذ إعلانها). وأمينها العام ، أصدقاء عميلة الموساد “تسيبي ليفني”.

وهنا نجد المفارقة العجيبة ان مواطنين يهوداً ضد الاحتلال يهاجمون العلاقات الطبيعية بين الإمارات وإسرائيل. إنهم يبررون رفضهم بالقول إن الاتفاق يأتي في سياق جهود لتبييض الاحتلال وأعماله العنيفة في الأراضي الفلسطينية وتبييض الإمارات وانتهاكاتها الجسيمة في اليمن.

لا يمكننا التغاضي عن توقيت وسياق هذا الاتفاق، لأنه جاء في وقت يمر فيه كل طرف من أطرافه الثلاثة، الأب ترامب، ومحمد بن زايد ونتنياهو بأزمة.

إنها اتفاقية “أزمة” كما قال زميلي فراس أبو هلال، حيث يواجه ترامب مشاكل داخلية كبيرة بعد فشله في التعامل مع أزمة فيروس كورونا وأزمته المتصاعدة مع الصين.

هو أيضا على بعد أشهر قليلة من الانتخابات واستطلاعات الرأي تظهر أنه يتخلف عن منافسه جو بايدن، وبالتالي فهو يريد تحقيق إنجاز سياسي خارجي يمنحه دعم الجناح اليمين لدى الصهاينة.

نتنياهو يواجه تهم فساد موثقة وهو في أضعف حالاته وبالتالي يأمل أن يتمكن من خلال هذا الاتفاق من الهروب من الأزمة وتحسين صورته في نظر الجمهور الإسرائيلي، مما يحسن فرص إعادة انتخابه.

أما محمد بن زايد الذي عانى من هزائم عسكرية وسياسية في ليبيا واليمن، فيحتاج إلى نصر دبلوماسي لاستعادة مكانته, فكل هؤلاء الرجال الثلاثة يعيشون في أوهام الانتصارات الكاذبة.

كم عدد الجرائم العربية التي ارتكبت باسم فلسطين على مر السنين؟ لقد استخدمت الأنظمة العربية الصهيونية، عبر السنين، القضية الفلسطينية العادلة سلعة وورقة مساومة على حساب تضحيات شعبها البطل من أجل مصلحته.

ووصل الفساد والتواطؤ في الإمارات إلى حد زعمها أنها وقعت هذه الاتفاقية لصالح الشعب الفلسطيني وإلغاء اتفاق الضم وبناء دولتين.

هذا ادعاء ساذج ومضلل، حيث سرعان ما أثبت نتنياهو أنها كذبة في بيانه فور إعلان الاتفاق، مصرحاً أن قرار الضم لا يزال ساري المفعول لكن تم تأجيله.

وحقيقة الأمر أن نتنياهو اتخذ قرار تأجيل الضم بعد أن رفضه المجتمع الدولي وأكثر من نصف الشعب الإسرائيلي، باعتباره انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، ويخشى من تداعياته على المستوطنين الصهاينة.

وفي أحدث تصريح له، قال نتنياهو أن اتفاقية التطبيع مع الإمارات لا تتطلب انسحاب إسرائيل من أي منطقة وقال عراب الاتفاق، ترامب، أن إسرائيل غير مطالبة الآن أو في المستقبل بالانسحاب من أي أرض.

فقط الكيان الصهيوني الذي يريد اختراق قلب الأمة العربية وجعل شركاته تتسلل إلى بلدانه، حيث سيستفيد من هذا الاتفاق الملعون.

الأموال المستثمرة في فلسطين المحتلة سوف تملأ الخزينة الإسرائيلية بمئات المليارات من الدولارات.

بن غوريون نفسه لم يحلم قط بأن ينقذ العرب الاقتصاد الإسرائيلي ويضخون الحياة في شرايينه, ولسوء الحظ فإن المؤامرة على الأمة تنفذها أيادي عربية.

إن أخطر مكر في هذه الاتفاقية المشبوهة والتي ستجر باقي دول الخليج وبعض الدول العربية، كما صرح كوشنر أن التطبيع بين إسرائيل والسعودية حتمي، هو أن هذه الاتفاقيات تتجاوز التطبيع وتصبح تحالفاً استراتيجياً.

اتفاقيات على كل المستويات, وهذه الدول العربية تنضم رسمياً إلى الجانب الإسرائيلي في أي حرب ضد الفلسطينيين أو الدولة الإسلامية، مثل تركيا أو إيران.

فهذه الاتفاقية هي مجرد نواة لتحالف الناتو العربي الصهيوني بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل.

لاشك أن التحالف الإماراتي الإسرائيلي في ظل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية يعتبر خيانة لفلسطين والقدس والأقصى، وطعنة غادرة في قلب القضية الفلسطينية.

هذه محاولة جديدة لتصفيتها، لكنها ستنتهي بالفشل كما فعلت كل المحاولات السابقة التي سعت لتحقيق نفس الهدف.

على مدى سنوات نضالهم الطويلة، تعرض الفلسطينيون للطعن في ظهورهم من قبل العديد من إخوانهم بسبب الدين والدم والأرض.

لقد عاشت فلسطين وظلت القضية الفلسطينية، قضية الأمة المركزية، حية في قلوب العرب وضمير كل فرد حر في العالم, ولن تتأثر باتفاقية تسليم أو اعتراف أخرى.
ستشير البوصلة دائماً إلى فلسطين، بغض النظر عن مدى محاولة العدو الصهيوني والأنظمة العربية الصهيونية دفعها للإشارة في اتجاه بعيداً عن هدفها الأصلي.
ستبقى المقاومة هي الحل لتحرير فلسطين، كل فلسطين من النهر إلى البحر مهما طال الوقت.

* صحيفة “ميدل إيست مينتور” البريطانية
* المادة الصحفية تم ترجمتها حرفياً من المصدر وبالضرورة لا يعبر عن رأي الموقع.