وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)

حرب “الوطن الأزرق”: لعبة جيواقتصادية وجيوسياسية

تركيا تحاول استعادة إرث السلطنة وروسيا تحقق حلم القياصرة بالوصول إلى المياه الدافئة

 

رفيق خوري

شرق المتوسط هو المسرح الذي تتسلط عليه الأضواء حالياً، لكن اللعبة الكبيرة كانت ولا تزال تدور في الشرق الأوسط الذي شهد كل أنواع الصراع الجيوسياسي والجيواقتصادي تحت سقف الاستراتيجيات الدولية، من حروب الأرض إلى حروب الأنهار، وصولاً إلى حروب البحار وما تحت سطحها من نفط وغاز.

حروب الاستيلاء على الأرض بدأتها الحركة الصهيونية في فلسطين، وتستكملها تركيا في شمال قبرص وشمال سوريا والعراق وغرب ليبيا، وتديرها إيران بالواسطة في اليمن ومباشرة وبالواسطة في سوريا والعراق عبر الميليشيات التي تقاتل عنها ولها، وتعمل على “اقتطاع” قسم من الشعب لمصلحتها بالأيديولوجيا الدينية والسلاح، كما في تجربة “حزب الله” في لبنان الذي يقاتل أيضاً في سوريا.

حروب الأنهار كانت بدايتها السطو الإسرائيلي على نهر الأردن والطمع بنهر الليطاني في لبنان وهي لا تزال باردة. قد تصبح حارة حول مياه النيل بين إثيوبيا والسودان ومصر من خلال الخلاف على ملء “سد النهضة” في إثيوبيا، أرض المنبع، وتأثيره في حصة كل من السودان بلد الممر ومصر بلد المصبّ، والتلاعب بنسب التدفق في نهري دجلة والفرات نحو بلد الممر سوريا وبلد المصبّ العراق لا يزال جزءاً من سياسة تركيا عند الأزمات، أما المبرر فإنه الحاجة إلى السدود.

وقارع الطبول هذه الأيام في حرب البحار هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمبرر هو ادعاء “حقوق” في ما تسميه أنقرة “الوطن الأزرق”، ويقول وزير الدفاع خلوصي أكار إن بلاده “قادرة على حماية مصالحها في الوطن الأزرق”. أي “حقوق”؟ مجرد “بلطجة” بحرية بعد “البلطجة” البرية في ليبيا للحصول على حصة من مخزون النفط والغاز في البحر المتوسط، ففي التنقيب عن النفط والغاز في المتوسط نزاع طبيعي بين لبنان وإسرائيل اللذين في حال عداء، وتحاول أميركا التوسط لترسيم الحدود البحرية بينهما بنوع من التسوية المقبولة. والباقي تعاون بين أعضاء “نادي غاز المتوسط” وهم اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل والسلطة الفلسطينية وفرنسا وإيطاليا، أما لبنان فلا يزال خارجه. وأما تركيا التي تريد اقتحامه، فإنها “تتلطى” وراء القسم الشمالي الذي سلخته بالقوة العسكرية عن قبرص في سبعينيات القرن الماضي، وهي اكتشفت كميات كبيرة من الغاز في البحر الأسود، وتريد إلغاء الاتفاقات السابقة حول بحر إيجه، أي البحار الثلاثة التي تشكل “الوطن الأزرق”. تهدد اليونان بـ “الخراب” إذا تمسكت بحقوقها في المتوسط وبحر إيجه، حيث يرفض أردوغان “البقاء في مساحة ضيقة” هي التي أعطيت لتركيا في “معاهدة لوزان” عام 1923 بعدما حررها بالقوة مصطفى كمال أتاتورك، وتهاجم فرنسا لأنها أرسلت سفناً حربية لدعم اليونان، وتنتقد الاتحاد الأوروبي الذي يقف مع قبرص واليونان، وتتمرد على الحلف الأطلسي، لا بل إن أردوغان يهدد بتمزيق الخرائط.

الواقع أن ما يدور على المسرح شرق المتوسط هو مزيج من صراع جيو اقتصادي على النفط والغاز وصراع جيوسياسي على النفوذ، فالبحر الذي سمي قديماً “بحر الروم” صار في ما بعد محل تنافس وحروب بين السلطنة العثمانية والإمبراطوريات الفرنسية والبريطانية والألمانية والروسية والنمساوية – المجرية، ثم أصبح “بحيرة غربية” لأوروبا وأميركا. أما اليوم، فإن تركيا تحاول استعادة إرث السلطنة، وروسيا تحقق حلم القياصرة بالوصول إلى المياه الدافئة عبر قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية في سوريا، بحيث صار الأسطول الروسي قوة أساسية في المتوسط إلى جانب الأسطول السادس الأميركي والأساطيل الأطلسية، وليس الدور الفرنسي في لبنان سوى جزء من صراع شرق المتوسط.

والسؤال هو، إلى ماذا ينتهي المشهد شرق المتوسط؟ الواضح أن خريطة النفط والغاز تغيرت، وصارت أوروبا قادرة على الاستغناء عن الغاز الروسي، والمؤكد أن صعوبة الأوضاع الاقتصادية داخل كل بلد تدفع الحكام إلى مغامرات خارجية مهما تكن خطرة، كما هي مغامرة أردوغان. واللافت هو جنوح القوى الإقليمية، لاسيما تركيا وإيران، نحو استعادة شيء من الإمبراطوريات القديمة، بعدما سقطت الإمبراطوريات الكبرى، والمفارقة أن الإمبراطوريات الكبرى انتهت بالحروب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة، في حين أن أحلام الإمبراطورية الفارسية والسلطنة العثمانية يراد تحقيقها بالحروب، وهذه مهمة مستحيلة في النظام العالمي الجديد أو حتى في اللانظام العالمي.

المصدر : الاندبندنت