أزمة الدواء في نابلس تُفاقم معاناة مرضى "كرونز".. حياة تتأرجح بين الألم والانقطاع العلاجي
السياسية - وكالات:
في أحد أروقة المستشفيات في نابلس شمال الضفة الغربية، لا يُسمع فقط صوت الألم، بل يُسمع صمتٌ ثقيل يرافق مرضى أنهكهم المرض قبل أن تُنهكهم أزمة الدواء. هناك، يقف مرضى داء "كرونز" والتهاب القولون التقرحي في مواجهة معركة لا تقل قسوة عن المرض نفسه: معركة الحصول على حقّهم في العلاج.
لم تعد أزمة انقطاع الأدوية في مرافق وزارة الصحة الفلسطينية محصورة بمرضى السرطان والكلى، بل امتدت لتطال فئة أخرى تعيش على حافة الألم الدائم، حيث يتحول أي انقطاع في الدواء إلى خطر مباشر يهدد حياتهم واستقرارهم الصحي.
داء "كرونز"، ذلك المرض المناعي المزمن الذي يهاجم الجهاز الهضمي من الداخل، لا يرحم من يصيبهم. فهو يرافق المريض بآلام حادة، واضطرابات معوية، وفقدان وزن، وإرهاق مستمر، وقد يصل في حال تفاقمه إلى مضاعفات خطيرة تتطلب تدخلاً جراحياً عاجلاً.
ورغم أن المرض لا يُشفى بشكل نهائي، فإن الأمل يبقى معلقاً على أدوية بيولوجية دقيقة، في مقدمتها "إنفلكسماب"، الذي يشكل بالنسبة للمرضى خط الدفاع الأخير للحفاظ على استقرار حالتهم ومنع الانتكاسات المتكررة.
يؤكد الدكتور قصي عبده، المختص بأمراض الجهاز الهضمي لـ وكالة (سند للأنباء) الفلسطينية، أن انقطاع هذا الدواء أو عدم انتظام توفره يضع المرضى في دائرة خطيرة من التدهور الصحي، قد تعيدهم إلى نقطة الصفر بعد كل مرحلة علاجية، وتفتح الباب أمام مضاعفات قد تكون مهددة للحياة. ويشدد على أن استمرار العلاج ليس رفاهية، بل ضرورة حيوية لا تحتمل التأجيل.
ومع استمرار أزمة نقص الدواء في مستشفيات وزارة الصحة منذ نحو شهرين، يعيش المرضى واقعاً قاسياً تتضاعف فيه المخاوف يوماً بعد يوم، في ظل غياب أي مؤشرات واضحة على انفراج قريب.
ربى المصري، شقيقة أحد مرضى "كرونز"، تستعيد تجربة قاسية عاشتها أسرتها حين أدى انقطاع الدواء سابقاً إلى تدهور حالة شقيقها ودخوله المستشفى لمدة عشرة أيام. تقول إن الجرعات التي يتلقاها المريض تُعطى عبر الوريد في جلسات تمتد لساعات طويلة داخل المستشفى، وأن غيابها يعني ببساطة عودة الألم بكل حدّته.
وتضيف بأسى أن الحصول على هذا العلاج ليس سهلاً، فهو غير متوفر في الصيدليات، ويعتمد بالكامل على عطاءات وزارة الصحة، فيما تصل تكلفة الجرعة الواحدة إلى نحو 4000 شيكل، ما يجعل تأمينه خارجياً شبه مستحيل لكثير من العائلات.
وفي نداء يحمل الكثير من القلق، توجهت المصري بمناشدة إنسانية إلى الجهات المعنية، مطالبة بوضع حياة مرضى "كرونز" وأصحاب الأمراض المزمنة على رأس الأولويات، في ظل ظروف اقتصادية وصحية خانقة، لا تسمح بالمزيد من الانتكاسات أو التأخير.
في النهاية، لا يبدو أن مرضى "كرونز" يواجهون المرض وحده، بل يواجهون غياب الدواء أيضاً، ذلك الغياب الذي لا يُقاس فقط بنقص في الإمدادات، بل يُقاس بأيام من الألم، وليالٍ من المعاناة، وحياةٍ تتأرجح بين الأمل والانهيار.
ومع كل جرعة غائبة، يتجدد السؤال المؤلم: كم من الوقت يمكن لمريض أن ينتظر دواءً هو الفرق الوحيد بين الحياة وتدهور لا عودة منه؟

