السياسية - وكالات || تقرير||

لم تنتهِ قصة الشاب جبر مقبل (34 عاماً) لحظة استشهاده بقصف صهيوني استهدف السيارة التي كان يستقلها في دير البلح وسط قطاع غزة، بل بدأت بعدها واحدة من أكثر فصول المأساة قسوة؛ إذ لم يكن جثمانه المتفحم يحمل ملامح يمكن التعرف إليها، قبل أن تقود قطعة صغيرة من البلاتين زُرعت في قدمه إثر إصابة سابقة إلى الكشف عن هويته، ثم يعود القصف الصهيوني لملاحقة الجثمان مرة أخرى أثناء نقله لدفنه.

بدأت الحكاية الخميس الماضي، عندما استهدفت طائرات العدو سيارة جبر في دير البلح، ما أدى إلى اشتعال النيران فيها وتحول جثمانه إلى أشلاء متفحمة.

وعندما وصلت طواقم الإسعاف والطوارئ إلى المكان، وجدت نفسها أمام جثمان مشوه ومحترق بالكامل، بلا ملامح أو علامات واضحة تساعد في تحديد هوية صاحبه، الأمر الذي دفع الأطباء إلى البحث عن أي أثر يمكن أن يقودهم إلى عائلته.

وسط صعوبة التعرف إلى الجثمان، تذكّر الطاقم الطبي وجود إصابة قديمة في قدم جبر كانت قد استدعت زرع قطعة من البلاتين فيها، فجرى نقل القدم المتفحمة إلى غرفة الأشعة السينية. وهناك، ظهرت قطعة المعدن بين بقايا العظام، لتقدم الدليل الذي مكّن الأطباء من تحديد هوية الجثمان والتأكد من أنه يعود إلى جبر مقبل.

لكن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد. فبعد التعرف إلى الجثمان، تولت سيارة أخرى نقله عبر طريق الشيخ عجلين جنوب غربي مدينة غزة، تمهيداً لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه ومواراته الثرى. وبينما كانت العائلة تظن أن جبر، الذي نالته الصواريخ حياً، أصبح في طريقه أخيراً إلى قبره، عادت طائرات العدو الإسرائيلي لاستهداف المركبة التي كانت تنقل جثمانه، فأصابت الجثمان المتفحم مرة أخرى، في مشهد يضاعف قسوة الفقد على عائلته.

وبينما كانت العائلة تواجه هذه الفاجعة، كان شقيقه جهاد يستعيد سلسلة من الخسارات التي سبقت جبر، إذ يقول لوكالة (صفا) الفلسطينية، إن والدته وأشقاءه محمد ونسمة ودينا، إلى جانب خالته وأبنائها وزوج أخته وأطفالهم، سبقوا جبر إلى الموت في غارات سابقة استهدفت العائلة.

وهكذا لم يكن رحيل جبر فقداً منفرداً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الغياب الذي ترك آثاره الثقيلة على الأسرة. ومع ذلك، لم تخلُ الأيام الأخيرة في حياة جبر من لحظة عائلية دافئة بقيت في ذاكرة شقيقه. فقبل استشهاده بأيام قليلة، أعد جبر مائدة طعام وجمع حولها أعمامه وأقاربه في جلسة عائلية سادها الود والألفة.

لم يكن أحد من الحاضرين يعلم أن تلك المائدة ستكون اجتماعهم الأخير، وأن صاحبها سيغيب بعد أيام تحت ركام القصف، تاركاً خلفه ذكرياتهم الأخيرة معه.

ويتساءل شقيقه جهاد بحرقة عن اللحظة التي غادر فيها جبر الحياة ليلحق بأفراد عائلته الذين سبقوه، قائلاً إن الأسرة فقدت خلال الحرب عدداً من أفرادها، قبل أن يلحق بهم جبر هو الآخر.

وبينما كان أفراد العائلة يحاولون استيعاب فقده، وجدوا أنفسهم أمام مشهد آخر أكثر قسوة؛ جثمان لم يتمكنوا من التعرف إليه إلا عبر قطعة بلاتين صغيرة، ثم لم يسلم حتى بعد التعرف إلى هويته من قصف جديد.

وتعيد قصة جبر إلى الواجهة شهادات وتقارير فلسطينية تتحدث عن استهداف أشخاص بعد إصابتهم أو أثناء نقل جثامين الضحايا، في سياق حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة.

وتقول جهات حقوقية فلسطينية إن استهداف المدنيين والمرافق والأعيان المدنية تواصل خلال الفترة الماضية، وسط دعوات متكررة إلى حماية المدنيين وضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

وفي قصة جبر، لم تكن قطعة البلاتين مجرد أثر طبي قديم، بل كانت آخر ما تبقى ليعيد إلى الجثمان اسمه بعدما محا الحريق ملامحه. وبينما عجزت النار عن إبقاء وجهه معروفاً، بقيت تلك القطعة المعدنية شاهدة على هويته، ليعود جبر إلى عائلته باسمه، قبل أن يواجه جثمانه القصف مرة أخرى في الطريق إلى مثواه الأخير.

كان جبر قد خرج من الحياة، لكن الصواريخ لم تتركه حتى بعد موته؛ استهدفته حياً، ثم لاحقت جثمانه وهو في طريقه إلى القبر.

وبين المائدة التي جمعته بأحبائه قبل أيام، وقطعة البلاتين التي أعادت إليه اسمه بعد استشهاده، والقصف الذي طاله للمرة الثانية، بقيت حكايته تختصر جانباً مؤلماً من مأساة غزة: أن بعض الضحايا لا تنتهي مطاردتهم بالموت، بل تستمر حتى اللحظة التي يواري فيها التراب أجسادهم.