السياسية - نضال عليان*




بعد نحو ثلاثة أعوام على ارتقائهم في مجزرة استهدفت مربع التاج في مدينة غزة، شيّع أهالي القطاع، اليوم، جثامين ورفات 105 شهداء، جرى انتشالهم من تحت أنقاض المباني المدمرة، في مشهد أعاد إلى الواجهة حجم المأساة التي خلّفتها الحرب، والصعوبات الكبيرة التي حالت دون انتشال الضحايا ودفنهم في حينه.

المشيعون حملوا جثامين ورفات الشهداء، وسط حضور عائلاتهم وأهالي المنطقة، في جنازة امتزجت فيها مشاعر الحزن بألم الانتظار الطويل، بعدما بقيت رفات عدد منهم تحت الأنقاض لسنوات، قبل أن تتمكن طواقم الدفاع المدني من انتشالها رغم محدودية الإمكانات والمعدات اللازمة للعمل في المناطق المدمرة.

وتعود المجزرة إلى الأيام الأولى من الحرب، عندما تعرض مربع التاج في غزة لقصف صهيوني واسع بنحو ٣٧ طن من المتفجرات، أدى إلى تدمير عدد كبير من المنازل وارتقاء مئات الشهداء، فيما بقي عشرات المفقودين تحت الركام، في ظل صعوبة الوصول إلى المناطق المستهدفة ونقص المعدات الثقيلة اللازمة لأعمال البحث والإنقاذ.

الناطق باسم طواقم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، قال لمراسل وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) إن من بين الشهداء الذين يجري تشييعهم اليوم نحو 36 جثماناً لم يتم التعرف على أصحابها حتى الآن، موضحاً أن الطواقم عثرت على عظام ورفات، لكن عدم وجود دلائل كافية جعل عملية تحديد هويات أصحابها شديدة الصعوبة.

ويضيف بصل أن نقص الإمكانات والمعدات يشكل أحد أبرز العوائق أمام طواقم الدفاع المدني، مؤكداً أن توفير المقدرات اللازمة من شأنه أن يعزز عمليات التدخل ويساعد الطواقم على انتشال الشهداء بصورة أسرع وأوسع.

وبحسب بصل، فإن هذه المشكلة لا تقتصر على شهداء مجزرة مربع التاج، إذ لا يزال نحو 8 آلاف جثمان، وفق تقديرات طواقم الدفاع المدني في غزة، تحت أنقاض المباني المدمرة، في انتظار عمليات البحث والانتشال.

ويشير الناطق باسم طواقم الدفاع المدني إلى أن انتشال الجثامين يمثل المرحلة الأولى فقط من المشكلة، إذ تواجه الطواقم والمؤسسات المعنية تحدياً آخر يتمثل في التعرف على الضحايا، خصوصاً عندما لا تكون الجثامين كاملة أو عندما تتحول إلى رفات وعظام نتيجة بقائها لفترات طويلة تحت الأنقاض.

ويؤكد بصل أن عملية التعرف تحتاج إلى أجهزة فحص الحمض النووي «DNA» ومختبرات متخصصة وقدرات فنية كافية، وهي إمكانات غير متوفرة بالقدر المطلوب في قطاع غزة، ما يزيد من صعوبة تحديد هويات الشهداء وتسليمهم إلى عائلاتهم.

ثلاثة أعوام من الانتظار

وبالنسبة لعائلات الشهداء، لا تمثل عملية انتشال الجثامين مجرد نهاية لانتظار طويل، وإنما تعني أيضاً استعادة حق أساسي حُرم منه كثير من ذوي الشهداء، وهو دفن أبنائهم وذويهم وإقامة مراسم الوداع.

محمد حرز، وهو أحد الناجين من المجزرة، قال لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ) إن عائلته كانت تقيم في مربع التاج، موضحاً أن المنطقة تعرضت لقصف شديد في بداية الحرب، أسفر عن تدمير واسع وسقوط أعداد كبيرة من الشهداء والمفقودين الذين تبخرت جثامينهم.

ويضيف حرز أن القصف أدى إلى قتل وتدمير البشر والمنازل ومظاهر الحياة في المنطقة، مؤكداً أن عائلته اليوم تودع 105 شهداء من أصل نحو 470 شهيداً سقطوا في المجزرة.

ويقول محمد حرز إن "الوجع يتجدد في كل يوم"، معتبراً أن ما جرى في مربع التاج يمثل جزءاً من معاناة أوسع يعيشها سكان قطاع غزة منذ سنوات طويلة، في ظل استمرار حرب الابادة.

ويقول الناجي من المجزرة إن دفن الموتى يمثل حقاً إنسانياً أساسياً، لكن عائلات الشهداء لم تتمكن من ممارسة هذا الحق في يوم استشهاد أبنائها، مضيفاً أن مراسم التشييع التي تقام اليوم تأتي بعد سنوات من الانتظار، ولم تتمكن آلاف العائلات حتى الان من العثور على ابنائها.

مجزرة لم تنتهِ آثارها

ولا تنتهي تداعيات المجزرة بانتهاء القصف، فبقاء المصابين تحت الأنقاض لسنوات يضاعف معاناة عائلاتهم، التي ظلت تعيش على أمل العثور على أبنائها وذويها، بينما بقيت هوية بعضهم مجهولة حتى بعد انتشال رفاتهم.

كما تكشف عمليات الانتشال المتأخرة عن جانب آخر من آثار الحرب في غزة، يتمثل في حجم الدمار الذي جعل الوصول إلى الشهداء عملية بالغة التعقيد، في ظل انهيار أجزاء واسعة من المباني وتراكم كميات كبيرة من الركام، إلى جانب نقص المعدات الثقيلة والآليات المتخصصة.

وتزيد صعوبة التعرف إلى الجثامين من مأساة العائلات، إذ إن العثور على رفات أو أجزاء من جثمان لا يعني بالضرورة إمكانية تحديد هوية صاحبه بصورة فورية، خصوصاً في الحالات التي فقدت فيها الجثامين معالمها أو اختلطت الرفات نتيجة شدة القصف وانهيار المباني.

ذاكرة مفتوحة على الألم

ويرى ناجون من المجزرة أن مشهد التشييع يعيد فتح جراح لم تلتئم طوال السنوات الماضية، خصوصاً أن عائلات الضحايا لم تتمكن من توديع أبنائها ودفنهم في الوقت الذي قضوا فيه.

وتطرح جنازة الشهداء الـ105، بعد نحو ثلاثة أعوام على استشهادهم، تساؤلات إنسانية وقانونية حول مصير آلاف المفقودين تحت الأنقاض، وحول الإمكانات المطلوبة لانتشالهم والتعرف إلى هوياتهم، في وقت لا تزال فيه آثار الدمار الهائل حاضرة في مناطق واسعة من قطاع غزة.

وهكذا، لم تكن جنازة اليوم مجرد مراسم لدفن 105 شهداء، بل كانت أيضاً استعادة لملف آلاف الشهداء الذين لا تزال رفاتهم عالقة تحت الأنقاض، ولعائلات تنتظر منذ سنوات أن تحصل على حقها في معرفة مصير أبنائها ودفنهم ووداعهم.




سبـأ