كيفَ غيّرتْ صنعاءُ توازناتِ القوَى الإقليميةِ مِنْ قلبِ الحصارِ؟
السياســـية: تقرير // صادق سريع*
أعادت صنعاء صياغة توازن القوى وأمن الملاحة، كمركز ثقل إقليمي يسيطر على قلب مضيق باب المندب بموقعه الجيواستراتيجي في البحر الأحمر، فارضًةً مسارًا رادعًا بمعادلة "الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد" في مواجهة العدو السعودي وحلفائه ومرتزقته.
فاليوم لم تعد صنعاء عاصمة محاصرة بصراع محلي كما تصفها سرديات الغرب الأطلسية، بل باتت رقمًا صعبًا في معادلات الأمن البحري والعالمي، بعد كسرها الطوق الجيوسياسي الذي فرضته أنظمة الاحتلال في الرياض وأبوظبي، وانتقالها من وضعية الدفاع إلى الهجوم وامتلاك زمام الردع الإستراتيجي العابر للحدود.
وبينما توقع خبراء الغرب حسمًا عسكريًا خاطفًا في اليمن للعدوان الأمريكي والسعودي والإسرائيلي والبريطاني والإماراتي، ودول أخرى، وجد العالم نفسه أمام مشهد مغاير تمامًا؛ إذ تحولت الموازين إلى واقع سياسي وعسكري فرضته قوة صنعاء على مراكز القرار العالمية وقوى الاستعمار الكبرى.
وبعد أن كان يُنظر إلى اليمن في الأدبيات الغربية والسعودية كـ"حديقة خلفية" ودولة خاضعة للوصاية الخارجية، غيّرت صنعاء هذا المفهوم تمامًا؛ إذ هي تنتهج اليوم مسارًا تحرريًا لإنهاء ذلك الإرث الاستعماري، وفرض مفهوم السيادة الوطنية المطلقة القائم على مبادئ الشراكة والمصلحة والندية لا التبعية.
وهنا، لا يمكن فهم توجّه صنعاء التحرري كحدث عابر، بل امتداد لحراك سياسي تاريخي لاستعادة السيادة الوطنية الكاملة والقرار اليمني المستقل، وإنهاء الوصاية الأجنبية وماضي حقبة الحديقة الخلفية، ليعود اليمن مركز ثقلٍ إستراتيجي كما كان، مستلهمةً من إرثه التاريخي العريق في مقاومة الإمبراطوريات الاستعمارية.
فقد فرضت صنعاء واقعًا براغماتيًا على الرياض قوّض هيمنتها التقليدية وأسس قواعد مستقبلٍ متعدد الأقطاب وتحالفات إقليمية وعالمية جديدة؛ ومنحها هذا التحوّل شرعية الأمر الواقع، بل وأعاد تعريف مفهوم الشرعية نفسه؛ إذ حوّلت معاناة العدوان والحصار إلى طاقة ثورية صلبة مستمدة من مشروعية الصمود والانتصار السياسي والعسكري والالتفاف الشعبي.
كما أن سيطرة قوات صنعاء على مضيق باب المندب (المعروف ببوابة الدموع)، منحتها ثقلًا دبلوماسيًا مؤثرًا على المستوى الدولي؛ فلم يعد الملف اليمني مجرد قضية منسية في أروقة الأمم المتحدة، بل أصبح مرتبطًا بالملفات الدولية الساخنة، مثل سلاسل إمداد الطاقة، والتجارة العالمية، والقضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي.
ويُشكل التحوّل في مسار الصراع باليمن-وفقًا لوصف صحيفة "ليبيراسيون" الفرنسية-"مأزقًا غير مسبوق" للعدو السعودي وحلفائه ومرتزقته؛ وذلك بفضل القدرات التقنية والخبرة القتالية لقوات صنعاء، التي مكّنتها من الحفاظ على مركز ثقل الدولة في العاصمة، مستفيدةً من انقسامات وضعف مليشيات الاحتلال الرياض وأبوظبي.
ويصفُ التحليل الفرنكوفوني إستراتيجية قوات صنعاء في إفشال حملات العدوان الأمريكي والسعودي والإماراتي والإسرائيلي والغربي، بالتحول التاريخي في موازين القوى الإقليمية والعالمية، كما يعتبر فشل أنظمة الدفاع الجوي المتطورة أمام الصواريخ والمسيَّرات اليمنية نقطة تحول فاصلة في تاريخ الحروب الحديثة.
وبات التحليل الغربي الكلاسيكي، الذي كان ينظر للصراع في اليمن كـ"حرب بالوكالة"، يتلاشى اليوم؛ إذ أقرّت القوى الغربية بأن نجاح صنعاء في فرض الحظر على الملاحة البحرية للعدو السعودي في باب المندب والبحر الأحمر، واستهداف منشآته النفطية الإستراتيجية، وآلياته وتحشيداته ومرتزقته بعمليات عسكرية استباقية، يعكس قفزة تقنية نوعية واستقلال القرار الصنعاني.
خلاصة القول إن تحوّل القوات المسلحة في صنعاء إلى قوة ردع إقليمية قد أنهى زمن الهيمنة التقليدية في المنطقة، وفرض على الغرب إعادة قراءة الأيديولوجيا القديمة للصراع في اليمن، والاعتراف بصنعاء كشريك لا يمكن تجاوزه؛ فأي هندسة سياسية أو أمنية في المنطقة لن يُكتب لها النجاح دون العبور من بوابتها، كشرط أساسي لتحقيق الاستقرار الإقليمي.

