خاص "سبأ": من "طوفان الأقصى" إلى البحر الأحمر.. ٣ سنوات قلبت حسابات "إسرائيل" والمنطقة
السياسية - تقرير: نضال عليان*
بعد ثلاثة أعوام على أحداث السابع من أكتوبر، لا تزال تداعيات ذلك اليوم حاضرة بقوة في المشهد السياسي والأمني في المنطقة، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها على قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا وإيران، وما رافق ذلك من تحولات في الحسابات الصهيونية والإقليمية والدولية.
ويرى محللون وخبراء في الشأن الصهيوني والإقليمي أن السابع من أكتوبر شكّل نقطة تحول تاريخية تجاوزت تداعياتها حدود قطاع غزة، وأعادت طرح أسئلة جوهرية بشأن منظومة الأمن الصهيونية وقدرة الجيش وأجهزة الاستخبارات على منع التهديدات، فضلاً عن انعكاساته على المجتمع الصهيوني وعلى مستقبل الصراع في المنطقة.
المحلل السياسي إيهاب زكي ذكر في تصريح خاص لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ) أن السابع من أكتوبر مثّل حدثاً مفصلياً لا يمكن قراءة ما بعده بالمعايير التي كانت سائدة قبله، مشبهاً إياه بمعركتي حطين وعين جالوت من حيث تأثيره في مسار التاريخ، ومشيراً إلى أن ارتدادات "الطوفان" لا تزال متواصلة بوتيرة تتجاوز في بعض الأحيان القدرة على استيعابها وتحليلها.
ويستند زكي في قراءته إلى ما يصفه بوجود نقاش متزايد داخل الإعلام ومراكز التفكير الصهيونية بشأن تداعيات السابع من أكتوبر، مستشهداً بتصريحات لشخصيات صهيونية تنتقد أداء القيادة والمؤسسة العسكرية وتشكك في قدرتها على تحقيق أهداف الحرب.
واشار زكي إلى تصريحات اللواء احتياط إسحاق بريك التي حذر فيها من أن "إسرائيل" تقود نفسها إلى "حافة الهاوية"، وإلى موقف رئيس الأركان السابق والمرشح السياسي غادي آيزنكوت الذي تحدث عن عدم تحقيق أهداف الحرب بعد مرور ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر.
كما يستشهد زكي بقراءات صهيونية تتساءل عن مدى نجاح الحرب في القضاء على حركة حماس، ويرى أن استمرار قدرة الحركة على البقاء وإعادة تنظيم صفوفها يمثل تحدياً مستمراً أمام المؤسسة العسكرية الصهيونية.
صدمة في الشارع الصهيوني وتبني لخيار التهجير
من جهته، رأى الخبير في الشأن الصهيوني الدكتور مأمون أبو عامر أن السابع من أكتوبر كان من أكبر الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، وأن أهميته بالنسبة لإسرائيل تكمن في كونه أحدث تغييراً عميقاً في مفاهيم الأمن الإسرائيلية.
ويقول أبو عامر لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ) إن الصدمة التي تعرض لها المجتمع الإسرائيلي أعادت إلى الواجهة مفاهيم الخوف والتهديد الوجودي والشعور بالضحية، بعدما وجدت "إسرائيل" نفسها أمام هجوم من قوة أصغر بكثير من إمكاناتها العسكرية والأمنية، رغم امتلاكها منظومات متطورة في الطيران والدفاع الصاروخي والاستخبارات والتكنولوجيا.
وبحسب أبو عامر، أدى ذلك إلى حالة من الصدمة داخل المجتمع الإسرائيلي، أعقبتها ردة فعل اتسم جزء منها بالرغبة في الانتقام، وترافقت مع تصاعد الدعوات المطالبة بإجراءات قاسية بحق الفلسطينيين.
ويشير الخبير في الشأن الصهيوني إلى أن استطلاعات وآراء داخل المجتمع الصهيوني عكست، بحسب تقديره، اتجاهاً واسعاً نحو تبني حلول تقوم على تهجير سكان قطاع غزة أو إبعادهم، معتبراً أن هذه التحولات أصبحت جزءاً من النقاش العام الذي أعقب أحداث السابع من أكتوبر.
ويرى أبو عامر أن الحدث كشف أيضاً عن إخفاق استخباري وعسكري كبير، بعدما عجزت المؤسسة الأمنية الصهيونية عن توقع الهجوم أو منعه، رغم الإمكانات الهائلة التي تمتلكها، الأمر الذي دفع "إسرائيل" إلى إعادة النظر في مفهومها للأمن القومي، والانتقال بصورة أكبر نحو ما يسمى "تقويض التهديدات قبل نشوئها"، وهو ما انعكس في اتساع نطاق المواجهات وفتح جبهات متعددة.
الجمهور الصهيوني لن يكون راضياً
وفي المقابل، يرى الخبير في الشأن الإقليمي الدكتور هلال جرادات أن الجمهور الصهيوني، ولا سيما قطاعات واسعة من المستوطنين، لن يكون راضياً بسهولة عن نتائج الحرب مهما بلغ حجم الخسائر والدمار الذي لحق بقطاع غزة.
ويشير جرادات في حديث خاص لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ) إلى أن حالة التطرف داخل المجتمع الصهيوني لا تزال حاضرة بقوة، وأن أصواتاً متشددة تضغط باتجاه مواصلة العمليات العسكرية ومحاولة القضاء على المقاومة.
ويؤكد جرادات في الوقت ذاته أن استمرار الحرب لا يعني انتهاء القضية الفلسطينية، "بل ستبقى حاضرة إلى حين تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني بإقامة دولته".
تداعيات الأحداث تجاوزت حدود قطاع غزة
أما المحلل السياسي محمد قاسم، فيضع أحداث السابع من أكتوبر في إطار أوسع، معتبراً أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العربي والدولي، وأعادت، بحسب رؤيته، طرح القضية باعتبارها قضية تحرر وحقوق تاريخية وعدالة إنسانية.
ويشير قاسم في حديث خاص لمراسل وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) إلى أن تداعيات الأحداث تجاوزت حدود قطاع غزة، وأثرت في المواقف الشعبية والمؤسسات الأكاديمية والإعلامية والثقافية في دول عديدة، كما يرى أن التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر أعادت الاعتبار لخيار المقاومة في الوعي الشعبي العربي، وأعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة النقاش الدولي.
ويشير إلى أن الدعم الغربي للكيان الصهيوني بعد السابع من أكتوبر، بما في ذلك الدعم العسكري والسياسي، عكس حجم الأهمية التي اكتسبتها المواجهة بالنسبة إلى "إسرائيل" وحلفائها، لكنه في الوقت ذاته رأى أن اتساع رقعة التضامن الشعبي مع الفلسطينيين جعل القضية حاضرة في العديد من المنابر الدولية.
اليمن.. جبهة إسناد بعيدة جغرافياً وحاضرة في حسابات المواجهة
وفي سياق التداعيات الإقليمية للحرب، يبرز الموقف اليمني باعتباره أحد أكثر المواقف التي أثارت اهتماماً واسعاً، نظراً إلى انتقال تأثير الحرب من حدود فلسطين إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وما رافق ذلك من هجمات بهدف الضغط على الكيان وإسناد الفلسطينيين.
ويرى المحلل السياسي إيهاب زكي أن قوات صنعاء قدمت، خلال فترة الحرب، نموذجاً عسكرياً لافتاً، معتبراً أن الأداء اليمني فرض نفسه على الحسابات الإقليمية والدولية، وأحدث تأثيراً في معادلات القوة والحرب في المنطقة.
ويقول زكي إن أهمية الدور اليمني لا تقتصر على المواجهة المباشرة، بل تمتد إلى تأثيره المحتمل في الحسابات الأميركية تجاه ملفات المنطقة، وخاصة في ظل ارتباط التطورات في اليمن بالمواجهة الأوسع مع إيران.
أما الدكتور مأمون أبو عامر، فيرى أن البعد الجغرافي لم يمنع اليمن من لعب دور مؤثر في مسار الحرب، مشيراً إلى أن الهجمات القادمة من اليمن والتهديدات المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وميناء إيلات فرضت تكلفة أمنية واقتصادية على الكيان.
ويضيف أن الحصار البحري والتهديدات التي طالت حركة السفن المتجهة إلى "إسرائيل" أو الداعمة لها شكّلت أحد أوجه الإسناد اليمني للفلسطينيين، مؤكداً أن هذا الدور حظي بتقدير داخل الشارع الفلسطيني.
ويشير أبو عامر كذلك إلى أن المواجهة اليمنية لم تكن بلا كلفة، في ظل الضربات التي تعرضت لها مناطق يمنية وارتقاء قيادات يمنية، معتبراً أن استمرار الموقف اليمني خلال الحرب عكس، بحسب تقديره، التزاماً سياسياً وعسكرياً بمساندة الفلسطينيين.
ويتفق محمد قاسم مع ذلك، معتبراً أن اليمن لم يتأخر في إعلان موقفه المساند للفلسطينيين، وأن ما قام به شكّل، في رؤيته، جزءاً من حالة إسناد إقليمية اتخذت أشكالاً متعددة خلال الحرب.
ويضع قاسم الموقف اليمني ضمن سياق أوسع يشمل جبهات وقوى إقليمية أخرى، معتبراً أن تعدد ساحات المواجهة أظهر أن الحرب على غزة لم تبقَ محصورة داخل القطاع، بل تحولت إلى أزمة إقليمية متعددة الأبعاد.
وبذلك، وبعد ثلاثة أعوام على السابع من أكتوبر، تبدو المنطقة أمام مشهد مختلف عن ذلك الذي كان سائداً قبل الحرب؛ فالكيان الصهيوني، وفق قراءات الخبراء الأربعة، لم يتمكن من إنهاء تداعيات الحدث أو استعادة معادلات الأمن التي كانت قائمة قبله، فيما أعادت الحرب رسم حسابات المنطقة وفتحت جبهات متعددة.
وبينما لا يزال الكيان يبحث عن مخرج سياسي وأمني للحرب، بقيت القضية الفلسطينية حاضرة في صلب المشهد الإقليمي والدولي، في وقت تحوّل فيه الموقف اليمني إلى أحد أبرز وجوه الإسناد الإقليمي للفلسطينيين، فارضاً نفسه على حسابات الأمن والملاحة والسياسة في المنطقة.
وهكذا، لا يبدو السابع من أكتوبر مجرد حدث عسكري انتهى في يومه، بل محطة مستمرة التأثير أعادت تشكيل النقاش حول الأمن الإسرائيلي، ومستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وحدود القوة العسكرية، ودور القوى الإقليمية في رسم معادلات الشرق الأوسط.
سبأ

