بعد 16 عاماً من الانتظار.. أسامة يبصر النور في الحرب ويكبر يتيما
السياسية - وكالات || تقرير||
بعد ستة عشر عاماً من الانتظار والعلاج والترقب، استجاب القدر أخيراً لدعوات الزوجين أماني وموسى القريناوي، وحملت أماني بطفلها الأول عبر عملية أطفال أنابيب ناجحة بعد رحلة طويلة من المحاولات الفاشلة.
تحول الانتظار الطويل إلى فرحة عارمة عمّت عائلة القريناوي بأكملها، فالجد والجدة والأعمام والأخوال كانوا يعدون الأيام لاستقبال أسامة، بينما كان البيت يتهيأ لاستقبال أول مواليده، قبل أن تندلع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة عام 2023 وتقلب الفرح إلى رحلة خطر، اضطرت معها أماني لنقل حملها الحرج من مستشفيات الوسطى إلى مدينة غزة.
تقول شقيقتها هناء لصحيفة "فلسطين": " تنقلت شقيقتي بين عدة مستشفيات في مدينة غزة حتى استقر بها الحال في مستشفى الشفاء، وكانت الأوضاع الميدانية كانت بالغة الخطورة، لكن أماني كانت تحاول التمسك بالحمل حتى آخر رمق".
وتضيف :" قضت شهرا كاملا متنقلة بين المستشفيات في محاولة منها للحفاظ على الحمل، ومع تصاعد الأوضاع الميدانية فإن الطبيب المعالج نصح شقيقتي بالعودة إلى المحافظة الوسطى ولا سيما مع بدء الاجتياح البري الإسرائيلي لمدينة غزة، فعادت شقيقتي للوسطى، وبعدها بيومين فقط قطع العدو الطريق بين غزة والجنوب بشكل كامل".
وفي 23 نوفمبر قصف العدو مربعا سكنيا لعائلة القريناوي في مخيم البريج فقد خلاله المولود المنتظر "أسامة" جده لأبيه وخاله وعمه الذين كانوا يترقبون مولده بفارغ الصبر، وفي 11 ديسمبر من العام ذاته قرر الأطباء إجراء عملية قيصرية عاجلة لـ" أماني" ليبصر أسامة النور وسط ظروف صعبة من فقدان الأعزاء والنزوح.
لم يتوقف الفقد عند هذا الحد بل طال والد الطفل أسامة الذي انتظره بفارغ الصبر وصمم على أن تبقى أماني في مخيم النصيرات ظنا منه أن الوضع الأمني فيه أقل حدة. تقول: "لم يكد موسى يكحل عينيه برؤية ابنه الذي طال انتظاره، حتى قصف العدو منزل عائلته المكون من خمس طبقات ليستشهد موسى وشقيقه ووالدته".
بعد استشهاد موسى بثمانية أشهر اجتاح العدو الإسرائيلي مناطق في مخيمي البريج والنصيرات ونزحت أماني برفقة أسامة وأهلها إلى مدينة دير البلح.
عن ذلك، تقول خالة الطفل: "استقرت بنا الحال في مدرسة أحمد الكرد وكانت أماني تذهب لعملها في جمعية دار اليتيم التي كانت تباشر في أعمالها بمدرسة خديجة الخيرية المجاورة، كانت أحيانا تصطحب أسامة معها وأحيانا أخرى تتركه معنا".
وفي 27 ديسمبر 2024 كانت أماني على وشك الذهاب للعمل أوصت عائلتها بأسامة. قالت: " أسامة أمانة عندكو" ثم خرجت للعمل، وفي الساعة الحادية عشرة والربع قصف الاحتلال المدرسة دون سابق إنذار. انقبض قلب هناء وشعرت أن أماني أصابها مكروه، فهرعت إلى مكان القصف.
تصف هناء تلك اللحظات الأليمة: " كان المشهد مروعا.. شهداء ملقون على الأرض وأطفال ونساء مصابون، إذ كانت المدرسة تكتظ بالنازحين.. الدخان والنيران تتصاعد من المكان، ذهبت إلى الغرفة التي كانت تداوم بها شقيقتي لم أجد لها أثرا، ثم وجدتها ملقاة على الأرض. هرع بعض الشباب لمساعدتي في نقلها للإسعاف، وهناك أخبرتنا الطبيبة أنها استشهدت".
ومن تلك اللحظة أصبح أسامة " ناجيا وحيدا" من أسرته لأم وأب لم يمهلهما القدر أن يرياه يكبر أمام أعينهما كما تمنيا، بل تركاه يخطو خطواته الأولى بالحياة باحثا في كل الوجوه عن أمه وأبيه. "ما زالت وصية شقيقتي ترن في أذني فقررت بما أنني غير متزوجة احتضان أسامة وتربيته، كما تمنت أمه وأفضل بإذن الله، وها نحن نقيم معا في مخيم الأيتام، أحاول دمجه مع أقرانه من الأيتام".
وتتابع :" لم يكن الأمر سهلا، فقد احتضنت أسامة في أصعب فترات الحرب، كنت أقطع مسافات طويلة من أجل العثور على حليب وحفاضات وبأسعار باهظة، مرت هذه الفترة بعون من الله، ولكن كلما كبر أسامة أصبح الوضع أكثر صعوبة، فهو دائم السؤال عن والده، ولماذا ليس لديه أب كبقية الأطفال؟".
وتقول :" هو يسألني: لماذا أنت لديك أب " يقصد جده " وانا لا؟ أسئلة صعبة علي أن أجيب عنها لطفل في عمره، لكنني أحاول بكل ما أستطيع أن أخلق له جوا عائليا يعوضه ولو عن جزء بسيط مما فقد، وإن كنت أعلم أن فقدان الوالدين لا يعادله فقدان أبدا".

