السياسية - وكالات|| تقرير||


لم يكن أصعب ما عاشته ريم المغربي خلال حرب الإبادة على قطاع غزة أن تفقد منزلها أو تضطر إلى النزوح، بل أن ترى زوجها وابنيها يُقتادون مقيدين أمام عينيها على أيدي جنود العدو الإسرائيلي، دون أن تعرف منذ ذلك اليوم إن كانوا أحياءً أم أمواتاً. فمنذ الثامن من ديسمبر 2023، تعيش ريم انتظاراً لا ينتهي، تتعلق بأمل سماع خبر عن أحبائها الثلاثة، وتخشى في الوقت نفسه أن يكون المجهول الذي يحيط بمصيرهم يخفي وراءه فاجعة لا تستطيع احتمالها.

في ظهيرة ذلك اليوم، اقتحم جنود العدو الإسرائيلي منزل العائلة في حي الرمال الشمالي بمدينة غزة، بعد أن كانت الأسرة تحتمي بإحدى الغرف وسط أصوات الدبابات التي تحاصر المكان.

كان زوجها موسى، المريض بالسرطان والعائد من مصر بعد خضوعه لعملية جراحية، في الطابق العلوي، فيما كان ابنها حازم يعاني ضعفاً في السمع ويستخدم سماعة. وبعد أن سألتها القوات عن زوجها، طلبت منها إحضاره، قبل أن تأمره وابنيها حازم وإبراهيم برفع أيديهم، وتقتادهم إلى طرف آخر من ساحة المنزل وتقيد أيديهم خلف ظهورهم.

تستعيد ريم المشهد الذي لم يفارق ذاكرتها، قائلة لـ صحيفة (فلسطين): "رأيت موسى وابنيّ مقيدين أمامي. سألت أحد الجنود: ماذا سيفعلون بهم؟ وهل سيأخذونهم؟ فقال: نعم".

وحين أدركت أن الجنود سيقتادونهم بعيداً، حاولت اللحاق بهم، وتوسلت إليهم أن يأخذوها معهم، لكنهم أمروها بالنزول مع حماتها.

وتقول بحرقة: "طلبت منهم أن يأخذوني معهم. قلت لهم: خذوني معهم، لكنهم أمروني بالنزول مع حماتي".

كانت تلك آخر مرة ترى فيها زوجها وابنيها. خرجت من المنزل وهي لا تعلم إلى أين اقتيدوا، ولا ما إذا كانت ستراهم مجدداً، لتبدأ منذ ذلك اليوم رحلة البحث عن حقيقة ظلت بعيدة المنال.

بعد نزوحها، تحولت أخبار الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم من سجون العدو الإسرائيلي إلى نافذتها الوحيدة نحو الأمل. كانت تسأل كل أسير يخرج إن كان قد رأى موسى أو حازم أو إبراهيم، فيما أخبرها بعض الأشخاص أنهم شاهدوا أحد أفراد عائلتها، وأكد لها رجل من خان يونس أنه رأى زوجها وأحد أبنائها.

لكن تلك الشهادات لم تبدد مخاوفها، ولم تمنحها إجابة مؤكدة عن مصيرهم.
وتقول: "كلما خرج أسير أسأله عنهم. بعض الناس قالوا إنهم رأوا موسى وأحد أبنائي، لكنني لا أعرف أين هم. أريد فقط أن أعرف الحقيقة".

كما تواصلت مع مؤسسات حقوقية، بينها مؤسسة الضمير، بحثاً عن أي معلومة، غير أن بعض الجهات أبلغتها بأن أسماء زوجها وابنيها غير مسجلة لديها بصفتهم معتقلين لدى العدو الإسرائيلي، لتبقى معلقة بين شهادات غير مؤكدة وغياب أي معلومات تحسم مصيرهم.

ولم تتوقف مآسي ريم عند اختفاء أحبائها؛ فخلال نزوحها، لجأت إلى منزل شقيقتها، قبل أن يصيب القصف المكان وينهار أحد جدرانه عليهما. أُصيبت شقيقتها، واستشهد أربعة من أبنائها وبناتها، لتواجه الأسرة فاجعة أخرى، فيما بقيت ريم أسيرة سؤال لا تجد له إجابة.

وتقول بمرارة: "هي عرفت أن أبناءها ماتوا، أما أنا فلا أعرف شيئاً عن موسى وحازم وإبراهيم. داخلي نار. نفسي أعرف: هل هم أحياء أو لا؟".

لم تعد ريم تطلب سوى معرفة الحقيقة، بعدما أثقلها الانتظار وأرهقها غياب أي خبر يحسم مصير زوجها وابنيها. فهي لا تريد وعداً بعودتهم، بقدر ما تريد أن تعرف إن كانوا لا يزالون على قيد الحياة، أم أن عليها أن تواجه حقيقة فقدهم.

وتختصر مطلبها بكلمات موجعة: "إذا كانوا قد استشهدوا، فليقولوا لي إنهم استشهدوا، وأنا راضية. أريد أن أعرف مصيرهم، وأن أعرف أين هم وأين جثامينهم. لا أريد أكثر من الحقيقة".

منذ ديسمبر 2023، تعيش ريم المغربي بين أمل يتجدد كلما خرج أسير من سجون العدو الإسرائيلي، وخوف يتضاعف كلما مر يوم دون خبر عن زوجها وابنيها. لم تستطع أن تبدأ حداداً على غائبين لا تعرف مصيرهم، ولا أن تطمئن إلى أنهم أحياء، فيما تظل اللحظة التي اقتيدوا فيها مقيدين أمام عينيها حاضرة في ذاكرتها.

إنها لا تطلب المستحيل؛ تريد أن تعرف أين موسى المريض بالسرطان، وأين حازم وإبراهيم اللذان أُخذا من أمامها، وهل لا يزالون ينتظرون خلف القضبان أم أنهم استشهدوا بعيداً عنها.

فأقسى أنواع الفقد أن يظل الإنسان معلقاً بين الحياة والموت، لا يملك خبراً يطمئنه ولا حقيقة يودع على أساسها أحباءه.

وبينما تستمر ريم في البحث، يبقى سؤالها الوحيد شاهداً على سنوات من الوجع: إن كانوا أحياء، فأين هم؟ وإن كانوا قد استشهدوا، فأين جثامينهم؟