في خيام غزة.. الجوع يسبق الشتاء والنازحون ينتظرون وجبة قد لا تأتي
السياسية - وكالات:|| تقرير||
داخل خيمة بالية لا تقي من برد الليل ولا حر النهار، تُقلّب شيرين السويركي ما تبقى لديها من طعام، محاولة أن تقسم القليل على أطفالها الأربعة. فمنزلها الذي دمرته الحرب الإسرائيلية على غزة لم يعد سوى ذكرى، وأصبحت حياتها اليومية معركة متواصلة من أجل لقمة تسكت جوع الصغار.
وكحال آلاف الأسر النازحة، تعيش عائلة شيرين على أمل مساعدة غذائية عابرة أو وجبة ساخنة من إحدى التكيات الخيرية. غير أن تراجع المساعدات بفعل الحصار والقيود الإسرائيلية حوّل هذا الأمل إلى انتظار يومي محفوف بالقلق، في ظل اتساع دائرة الجوع والحرمان داخل مخيمات النزوح.
ومع استمرار القيود "الإسرائيلية" المفروضة على دخول المساعدات ومستلزمات الإيواء، يجد سكان الخيام أنفسهم أمام احتياجات تفوق بكثير ما يصل إليهم، في ظل دمار واسع أصاب المنازل والبنى التحتية، وأفقد عائلات كثيرة مصادر رزقها وقدرتها على تدبير شؤونها اليومية.
وبحسب تقارير صادرة عن مؤسسات أممية، فإن أزمة الإيواء لا تزال واسعة النطاق في غزة، مبينة أن 94 بالمئة من السكان بحاجة ماسة إلى المأوى والمساعدات المنزلية الأساسية، فيما تعيش 65 بالمئة من الأسر في خيام ومساكن مؤقتة لا توفر حماية كافية من العوامل الجوية.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع اقتراب موسم الأمطار، إذ تحتاج الخيام المتضررة إلى الاستبدال والتدعيم حتى تثبت مكانها أمام الرياح الشديدة المصالحة للمنخفضات الجوية، فيما تفتقر عائلات كثيرة إلى الأغطية والفراش ووسائل الوقاية من البرد وتسرب المياه.
وفي إحدى خيام النزوح، تحاول آلاء سليمان التكيف مع حياة لم تخترها، بعدما دُمّر منزلها في مخيم جباليا، شمالي القطاع، واضطرت إلى الانتقال إلى خيمة لا تقي أفرادها قسوة الطقس.
تقول آلاء لصحيفة "فلسطين": إنها من تبقى من عائلتها يواجهون صعوبة متزايدة في توفير الطعام، وقد أصبحوا ينتظرون ما قد يصل من مساعدات أو وجبات توزعها إحدى التكيات القريبة.
ومع تراجع المساعدات، لم تعدّ آلاء وأسرتها قادرين على ضمان احتياجاتهم اليومية، فيما تتزاحم الأولويات بين شراء الطعام وتأمين المياه والاحتياجات الأساسية الأخرى، وسط انعدام مصدر دخل ثابت. ولا تمثل هذه المعاناة مجرد نقص عابر في المواد الغذائية، بل تكشف حجم المأزق الذي تواجهه الأسر التي فقدت مساكنها وممتلكاتها، وأصبحت تعتمد على المساعدات لتلبية أبسط متطلبات الحياة.
وعلى مقربة من مكب نفايات اليرموك، وسط مدينة غزة، يقيم كريم عليان في تجمع عشوائي للنازحين، منذ أن فقد منزله جنوبي مدينة غزة. هنا لا تتوفر أبسط مقومات الحياة الآدمية، بينما يحاول توفير الحد الأدنى من احتياجات عائلته رغم تقلص الخيارات المتاحة أمامها.
ويشرح كريم أن الحصول على الطعام بات مرتبطًا بما يتوفر من مساعدات أو بما تستطيع الأسرة تدبيره من إمكانات محدودة، في وقت لم تعد فيه الوجبات المجانية متاحة بصورة منتظمة.
وعلاوة على معاناة كريم وأسرته في توفير الغذاء تداهمهم مخاوف من تدهور ظروف الإيواء، في ظل الحاجة إلى شوادر جديدة وأغطية وفراش يحمي أفرادها من تقلبات الطقس، بينما لا تستطيع شراء هذه المستلزمات بأسعار السوق.
ومع كل يوم يمر دون تحسن في الظروف المعيشية، تتراجع قدرة الأسرة على الصمود، وتتحول أبسط الاحتياجات، من وجبة طعام إلى غطاء يحمي طفلًا من البرد، إلى عبء يصعب توفيره.
أما عائلة عامر خلة، التي فقدت منزلها في مخيم جباليا، تعيش داخل خيمة على رصيف ميناء الصيادين، غرب مدينة غزة، وسط ظروف قاسية تجعل تأمين الطعام أولوية يومية لا يمكن تأجيلها.
ويقول: إن الأسرة تنتظر أحيانًا وصول المساعدات أو فتح تكية قريبة لتتمكن من الحصول على وجبة لأطفالها، لكن تراجع كميات الطعام المتاحة لا يضمن تلبية احتياجات الجميع.
ومع غياب الدخل، تصبح أسرة خلة، أكثر اعتمادًا على المبادرات المجتمعية والمساعدات الإنسانية، في وقت تواجه فيه الجهات التي توفر الوجبات المجانية صعوبات في تأمين المواد الغذائية وتغطية تكاليف إعداد الطعام وتوزيعه.
وتواجه المؤسسات الإنسانية والتكايا المحلية التي تقدم الطعام مجانًا، تحديًا متزايدًا أمام مواصلة عملها، مع تراجع التمويل وارتفاع الاحتياجات وتوقف مؤسسات دولية عن دعمها، إلى جانب صعوبات إدخال المواد اللازمة للإيواء والإغاثة، ما يعني أن الأسر النازحة ستواجه مزيدًا من تقلص الوجبات والطرود الغذائية.
وبين خيمة تحتاج إلى إصلاح، وطفل ينتظر وجبة، وأسرة فقدت منزلها ولم تعد تملك موردًا ثابتًا للعيش، تتكشف ملامح أزمة إنسانية تتجاوز نقص المساعدات إلى غياب مقومات الحياة الأساسية.

