السياسية || تقرير||

تحت وطأة التجويع والاعتداءات الجسدية والنفسية والعزل الانفرادي والحرمان من الزيارات، يواجه الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الصهيوني ظروفاً اعتقالية بالغة القسوة، تتفاقم مع تصاعد التحريض الصهيوني والتهديدات بقتلهم وإعدامهم، في مشهد يكشف حجم المخاطر المحدقة بحياتهم، وسط غياب تحرك دولي فاعل يضع حداً لهذه الانتهاكات ويضمن حمايتهم.

وفي وقت تتواصل فيه الاعتداءات على الأسرى، تحولت قضيتهم إلى مادة للدعاية الانتخابية الصهيونية، مع تصاعد تهديدات ما يسمى "وزير الأمن القومي" الصهيوني المتطرف إيتمار بن غفير، الذي يقتحم غرف الأسرى ويتوعدهم بالإعدام، في ممارسات تستهدف الأسرى وحقوقهم وكرامتهم الإنسانية، وتكشف حجم التحريض الذي يواجهونه داخل السجون.

ويعاني نحو 9400 أسير فلسطيني في السجون الصهيونية ظروفًا اعتقالية هي الأقسى في العالم، وازدادت قسوة بصورة غير مسبوقة بعد السابع من أكتوبر 2023.

18 عاماً خلف القضبان.. شهادة على معاناة الأسرى

يؤكد الأسير المحرر مجدي ياسين، الذي أمضى 18 عاماً في سجون الاحتلال الإسرائيلي، أن ما يجري داخل السجون يتجاوز الاعتداءات الفردية، ليشكل جريمة متكاملة الأركان بحق الأسرى الفلسطينيين، في ظل ممارسات تستهدف كسر إرادتهم والنيل من صمودهم.

ويقول ياسين في تصريح لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، إن بن غفير يوظف قضية الأسرى في دعايته الانتخابية، من خلال اقتحام غرفهم وتهديدهم بالإعدام، مستغلاً حياة المعتقلين الفلسطينيين وآلامهم لتحقيق مكاسب سياسية داخل الكيان الصهيوني.

ويحذر ياسين من تصاعد وتيرة الاعتداءات على الأسرى، وزيادة اقتحام غرفهم، ونقل المزيد منهم إلى العزل الانفرادي، بالتزامن مع ارتفاع أعداد المصابين بمرض الجرب، في ظل ظروف صحية ومعيشية تزداد قسوة يوماً بعد يوم.

ولا تقف معاناة الأسرى عند حدود الاعتداءات المباشرة، إذ يواجهون سياسة مستمرة من التجويع والحرمان من الزيارات، بما فيها زيارات المحامين، الأمر الذي يفاقم عزلهم عن العالم الخارجي ويحرمهم من التواصل مع عائلاتهم ومتابعة أوضاعهم القانونية.

ويشدد مجدي ياسين على أن ما يجري داخل السجون يمثل واقعاً كارثياً يتناقض مع الادعاءات الصهيونية بشأن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، مؤكدًا أن الأسرى الفلسطينيين يواجهون منظومة من الانتهاكات في الوقت الذي يتمسكون فيه بحق شعبهم في البقاء على أرضه ومواصلة نضاله الوطني.

ويطالب ياسين كل من يرفع شعار الدفاع عن حقوق الإنسان بالنظر إلى حقيقة ما يجري داخل السجون، واتخاذ موقف واضح إزاء الانتهاكات الصهيونية، مشدداً عل ضرورة إلزام الكيان الإسرائيلي باحترام الاتفاقيات الدولية التي تعهد بها، بدلاً من الاستمرار في انتهاكها.

الأسرى يواجهون القتل البطيء

من جانبه، يؤكد مسؤول ملف الأسرى في حركة الأحرار الفلسطينية، معاوية الصوفي، لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، أن الأسرى الفلسطينيين الذين أمضوا سنوات طويلة من أعمارهم خلف القضبان دفاعاً عن كرامة شعبهم وأمتهم، يواجهون اليوم ظروفاً بالغة الخطورة تستدعي تحركاً عاجلاً لإنقاذ حياتهم ووقف الانتهاكات بحقهم.

ويوجه الصوفي التحية إلى الأسرى الفلسطينيين، مشدداً على أن ما يتعرضون له من اعتداءات وتهديدات يأتي في ظل تصاعد التحريض الصهيوني الذي يستهدفهم، في وقت يتباهى فيه المتطرف بن غفير بتهديدهم بالقتل والتعذيب، ويوظف معاناتهم في بازار الانتخابات الصهيونية.

ويحذّر الصوفي من أن الأسرى يعيشون تحت وطأة "القتل البطيء"، بل القتل اليومي وشبه اليومي، في ظل استمرار الاعتداءات وتدهور الظروف الاعتقالية، مؤكداً أن حياتهم باتت تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً يتجاوز بيانات الإدانة والمواقف الشكلية.

ويقول مسؤول ملف الأسرى في حركة الأحرار الفلسطينية، إن الاحتلال الصهيوني يضرب بعرض الحائط الاتفاقيات الدولية التي تكفل حماية الأسرى والمعتقلين، فيما تتواصل الانتهاكات أمام مرأى ومسمع العالم، من دون إجراءات رادعة تتناسب مع خطورة ما يتعرض له الفلسطينيون داخل السجون الصهيونية.

ويضيف أن استمرار هذه الانتهاكات، بالتزامن مع غياب المحاسبة، يترك الأسرى في مواجهة مفتوحة مع منظومة الاعتقال الصهيونية، ويضاعف المخاوف على حياتهم في ظل غياب الحماية الفعلية التي يفترض أن توفرها القوانين والمواثيق الدولية.

أين المؤسسات الدولية؟

وأمام هذا الواقع، تتصاعد المطالبات الفلسطينية للمؤسسات الدولية بتحمل مسؤولياتها القانونية والإنسانية، والتحرك الفوري لحماية الأسرى من الاعتداءات والتجويع والعزل والتهديدات بالقتل والإعدام.

ويطالب الأسير المحرر مجدي ياسين مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة للأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية الدولية بالوقوف أمام مسؤولياتها، وإلزام الاحتلال الصهيوني باحترام الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف ذات الصلة بحماية الأسرى والمعتقلين والمدنيين.

ويشدد على أن المطلوب لم يعد بيانات القلق أو التصريحات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، بل اتخاذ خطوات عملية تضع حداً للانتهاكات الصهيونية، وتضمن احترام حقوق الأسرى، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم.

بدوره، يوجه معاوية الصوفي نداءً عاجلاً إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان وأحرار العالم، داعياً إلى اتخاذ موقف واضح وصريح إزاء ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال الصهيوني.

وينتقد الصوفي صمت المؤسسات الدولية التي ترفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان، فيما يواجه الأسرى الاعتداءات والتجويع والتهديدات بالموت، مؤكداً أن استمرار الصمت إزاء هذه الممارسات يثير تساؤلات جدية بشأن جدوى الدور الدولي في توفير الحماية للمعتقلين الفلسطينيين.

ويتساءل الصوفي عن دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ظل هذه الظروف، قائلاً: "أين دوركم؟ أنتم تصمتون كصمت القبور، أنتم تشاركون العدو الصهيوني بقتل أسرانا".

ويحمل هذا النداء رسالة واضحة إلى المؤسسات الدولية بضرورة الخروج من دائرة الصمت، والتحرك الفوري لحماية الأسرى، ووقف الانتهاكات المتواصلة بحقهم، وعدم تركهم وحدهم في مواجهة الاعتداءات داخل السجون.


خطر أشد مع فصل الشتاء

وحذّر مركز فلسطين لدراسات الأسرى، أمس الخميس، من أن نحو 9400 أسير في سجون العدو الصهيوني، ينتظرون شتاء قاسٍ في ظل استمرار حرمانهم من الملابس والأغطية الشتوية ووسائل التدفئة، للعام الثالث على التوالي.

وقال مدير المركز، رياض الأشقر، في تصريح صحفي نشره مكتب إعلام الأسرى الفلسطيني، اطلعت عليه وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، إن الأسرى لم يحصلوا على ملابس وأغطية شتوية منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتحديدًا منذ السابع من أكتوبر 2023، حين أعلن العدو الإسرائيلي حالة الطوارئ في جميع السجون، وعلّق مختلف أشكال الزيارات التي كان يحصل الأسرى من خلالها على بعض الملابس والأغطية.

وبيّن أن الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى يُعدّون الفئات الأكثر عرضة للخطر خلال الشتاء، إذ يشكّل البرد القارس وانعدام وسائل التدفئة تهديدًا مباشرًا لصحتهم وحياتهم، في ظل تنكّر العدو الإسرائيلي لحقوقهم وتعمد حرمانهم من احتياجاتهم الأساسية.

وكشف مدير مركز فلسطين لدراسات الأسرى عن أن سلطات العدو تمارس التنكيل بأسرى غزة من خلال إخراجهم إلى ساحات السجون في البرد القارس، وهم يرتدون ملابس خفيفة ومقيّدو الأيدي، وإجلاسهم على الأرض المبتلة بمياه الأمطار لساعات طويلة، حتى تتجمد أطرافهم من شدة البرد، ولا سيما في سجن النقب، في ظل رفض إدارات السجون الصهيونية تزويدهم بالملابس والأغطية اللازمة، ضمن سياسة العقاب والانتقام المتواصلة بحقهم.

معركة الأسرى.. صرخة في وجه الصمت الدولي

وتكشف تصريحات الأسير المحرر مجدي ياسين، ومسؤول ملف الأسرى معاوية الصوفي، ومدير مركز فلسطين لدراسات الأسرى رياض الأشقر، عن حجم المخاطر التي تهدد حياة المعتقلين الفلسطينيين، في ظل استمرار التجويع والحرمان من الزيارات، وتصاعد الاعتداءات والعزل الانفرادي، وانتشار الأمراض، إلى جانب التهديدات الصهيونية بالقتل والإعدام، فضلاً عن ما يحمله فصل الشتاء من مخاطر جسيمة على صحة وحياة الأسرى.

وتضع هذه التصريحات المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وإنسانية لا تحتمل التأجيل، في وقت يحتاج فيه الأسرى إلى حماية فعلية تضمن سلامتهم وكرامتهم، وتنهي الظروف القاسية التي يعيشونها خلف القضبان.

وبينما تتواصل المطالبات الفلسطينية بوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، تبقى قضية الأسرى اختباراً حقيقياً لمدى التزام المؤسسات الدولية بالقوانين والمواثيق التي أقرتها لحماية الإنسان، بعيداً عن ازدواجية المعايير والصمت الذي يترك المعتقلين الفلسطينيين في مواجهة مصيرهم.

شهداء الحركة الأسيرة.. ثلاث سنوات أكثر دموية

وتكشف الإحصائيات عن تصاعد خطير في أعداد شهداء الحركة الأسيرة منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، إذ ارتفع عدد الأسرى الذين استشهدوا داخل سجون الاحتلال الصهيوني منذ ذلك التاريخ إلى 92 أسيراً معلومي الهوية، من أصل 329 أسيراً شهيداً منذ عام 1967، وفق أحدث البيانات المنشورة عن مؤسسات الأسرى في أكتوبر الجاري.

وبذلك، فإن نحو 28% من إجمالي شهداء الحركة الأسيرة الموثقين منذ عام 1967 ارتقوا خلال السنوات الثلاث الأخيرة وحدها، في مؤشر خطير على حجم التصعيد الذي تشهده السجون الصهيونية خلال الحرب.

ولا تعكس هذه الأرقام الحصيلة الكاملة، إذ لا يزال مصير عشرات أو مئات المعتقلين من قطاع غزة مجهولاً، في ظل الإخفاء القسري وحجب المعلومات عن أماكن احتجازهم وظروف اعتقالهم.