السياسية - وكالات || تقرير||

لم تكتفِ الحرب الصهيونية بأن تسلب الفلسطينية سميرة الشوربجي (48 عامًا) قدمها اليمنى، بل تركتها تواجه معركة أخرى لا تقل قسوة عن الإصابة التي غيّرت حياتها إلى الأبد؛ معركةً مع المرض والجوع ونقص الدواء، في وقت لم يعد بإمكانها حتى التنقل داخل مأواها دون أن تزحف على ركبتيها. وبينما تحتاج سميرة إلى رعاية صحية مستمرة وغذاء مناسب ووسيلة تساعدها على الحركة، تجد نفسها محاصرة بواقع النزوح القاسي، وعاجزة عن تأمين أبسط الاحتياجات التي تحفظ صحتها وكرامتها.

بدأت مأساة سميرة في ديسمبر 2024، عندما أصيبت بشظايا جراء استهداف العدو الإسرائيلي للمطبخ العالمي في قطاع غزة. ومنذ ذلك الحين، خاضت رحلة علاج طويلة انتهت ببتر قدمها اليمنى، بعدما عجز الأطباء عن إنقاذها، لتبدأ مرحلة جديدة من المعاناة تتداخل فيها مضاعفات الإصابة مع أمراض مزمنة، أبرزها السكري وارتفاع ضغط الدم.

ونزحت سميرة قسرًا برفقة عائلتها إلى مدينة دير البلح وسط القطاع، حيث وجدت نفسها داخل خيمة لا توفر لها الحد الأدنى من مقومات الحياة، ولا تقيها قسوة الظروف التي تضاعفت وطأتها بعد فقدانها القدرة على الحركة بصورة طبيعية.

ويروي زوجها حسن الشوربجي لصحيفة (فلسطين) أن زوجته مكثت شهرًا في المستشفى، خضعت خلاله لعمليات تنظيف متكررة في محاولة لإنقاذ قدمها واستخراج الشظايا، لكن التهاب العظم وظهور الغرغرينا جعلا البتر ضرورة لإنقاذ حياتها.

ولم يكن فقدان قدمها نهاية الألم، بل بداية مرحلة أشد قسوة، إذ أصبحت سميرة بحاجة إلى رعاية صحية مستمرة وأدوية لا تحتمل الانقطاع، فضلًا عن غذاء متوازن يساعدها على ضبط مستوى السكر في الدم والتعافي من مضاعفات الإصابة.

غير أن الحرب حرمتها من الغذاء الذي تحتاج إليه لمواجهة أمراضها، فاضطرت إلى تناول ما يتوفر لعائلتها، حتى إن كان لا يلائم وضعها الصحي، في ظل شح المواد الغذائية وغياب الخيارات المناسبة.

ويقول زوجها إن العائلة عانت صعوبة في توفير الغذاء الصحي والأدوية الضرورية، موضحًا أن سميرة اضطرت إلى الاعتماد على الأطعمة المتاحة، بما فيها المعلبات والنشويات، رغم إصابتها بالسكري وارتفاع ضغط الدم، في وقت لم يكن الخبز متوفرًا أحيانًا.

ومع تراجع الإمدادات الإنسانية وتجدد أزمة إغلاق المعابر، تفاقمت المخاوف على صحة سميرة، بعدما باتت تواجه صعوبة في الحصول على الأدوية اللازمة لتنظيم مستوى السكر في الدم، إلى جانب حاجتها إلى أدوية القلب عقب تأثر عضلته وضعفها.

ويؤكد حسن أن نقص الأدوية يهدد استقرار حالة زوجته الصحية، خصوصًا أن بعض العلاجات التي تحتاج إليها أساسية ولا يمكن الاستغناء عنها، في ظل محدودية الإمكانات المادية للعائلة وصعوبة تأمين احتياجاتها المتزايدة.

ولا تتوقف معاناة سميرة عند المرض ونقص الغذاء والدواء، إذ تواجه صعوبة بالغة في الحركة داخل مأواها، بعدما عجزت عائلتها عن توفير كرسي متحرك يساعدها على التنقل، ما يضطرها إلى الزحف على ركبتيها، في وضع يزيد آلامها ومعاناتها اليومية.

ويقول زوجها إن العائلة لم تتمكن، منذ إصابتها وحتى اليوم، من توفير كرسي متحرك لها، الأمر الذي جعل تنقلها داخل المأوى مهمة شاقة، فيما أصبحت مراجعة الطبيب عبئًا إضافيًا، إذ يضطر إلى حملها على كرسي بلاستيكي وتدبير سيارة لنقلها إلى العيادة، رغم التكاليف التي لا تستطيع الأسرة تحملها بسهولة.

وفي ظل استمرار القيود الصهيونية على دخول المساعدات، تواجه العائلة صعوبة متزايدة في توفير الخضراوات والفواكه والأدوية اللازمة لسميرة، بينما تزداد احتياجاتها الصحية في مرحلة تتطلب تغذية مناسبة ورعاية منتظمة ووسائل مساعدة تضمن لها الحد الأدنى من الحركة والاستقلالية.

وهكذا، تجد سميرة نفسها عالقة بين مرض يحتاج إلى علاج منتظم، وغذاء لا يتوفر بما يلبي احتياجاتها، ووسيلة حركة ما زالت بعيدة عن متناولها. فبعدما فقدت قدمها في الحرب، باتت أبسط تفاصيل حياتها اليومية معركة جديدة، من الانتقال داخل خيمتها إلى الحصول على الدواء والوصول إلى الطبيب.

وفي خيمة النزوح، لا تطلب سميرة أكثر من دواء يحفظ صحتها، وغذاء يساعدها على مقاومة المرض، وكرسي متحرك يعيد إليها القدرة على الحركة. احتياجات تبدو بسيطة، لكنها تحولت في غزة إلى أعباء تفوق قدرة عائلات أنهكتها الحرب والنزوح والفقر؛ لتبقى معاناة سميرة شاهدًا على أن جراح الحرب لا تنتهي عند توقف النزيف أو بتر أحد الأطراف، بل تتجدد كل يوم حين يُحرم الجريح من العلاج والغذاء والرعاية التي يحتاج إليها ليعيش بكرامة.